تعد إيران واحدة من الدول القلائل التي تملك إمكانات كبرى مـــن النفط والغاز، والتي منعت بالعقوبات الدولية من الاستفادة من تلك الإمكانيات، لذلك انخفض إنتاجها من أربعة ملايين برميل عام 2008 إلى 2.8 مليون برميل في سنة 2014، منها 1.1 مليون برميل يتم تصديرها نحو بلدان سمح لها بالتصدير إليها.

اليوم وبعد توقعيها للاتفاق النووي مع الدول الكبرى، تتعطش إيران إلى ضخ ملايين البراميل النفطية يوميًّا نحو الخارج، إذ تعد صناعة استخراج النفط والغاز القطاع الأكثر إستراتيجية لهذه الدولة، لكن ما الذي يعيق تحقيق تلك الطموحات الإيرانية بعد رفع العقوبات، هذا ما يسلط عليه الضوء تقرير “ساسة بوست” التالي.

طموح إيران نفطيًّا

بعد شهر واحد من رفع العقوبات المفروضة على إيران، أعلن وزير النفط الإيراني بيجن زنغنة أن بلده ستزيد إنتاجها بمقدار 500 ألف برميل، ثم ستضيف 500 ألف برميل أخرى يوميًّا إلى الإنتاج بعد ذلك بوقت قصير، حتى يرتفع حجم صادراتها إلى 2.5 مليون برميل من النفط والسوائل الغازية خلال ثلاثة أشهر من وقت رفع العقوبات.

ورغم وصول مخزون إيران إلى 35 مليون برميل من النفط والسوائل الغازية إلا أن خبراء النفط غير مقتنعين بإمكانية تحقيق الأرقام المعلنة عنها من الجانب الرسمي الإيراني، ويرجحون أن العودة لمرحلة تصدير ما قبل فرض العقوبات من الصعب تحقيقها قبل عام 2017، ويقول الخبراء إن: “طهران يمكنهـــا زيادة الصـــادرات بما يتـــراوح بين 200 ألف و600 ألـــف برميل يوميًّا في غضون 6 أشـــهر من تخفيـــف العقوبـــات، وحسب مؤسســـة بروكنغـــز “تيم بورســـما” فيمكن لإيران ضخ 500 ألف برميل يوميًّا في غضون ثلاثة أشهر.

ويعتقد خبراء مؤسسة “إنرجي إسبكتس” أن: “تخفيف العقوبات سيحتاج إلى ما بين ســـتة أشـــهر إلى عام على الأقل بعد توقيع الاتفاق في يونيو”، أما رئيس أبحاث السلع الأولية في قطاع الطاقة لدى باركليز “مايكل كوهين” فيقول: “إنه حتى قبـــل الاتفاق كانت إيـــران تتجه لتصدير 300 ألف برميل إضافي يوميًّا في الأشـــهر المقبلة معظمها إلى الهند، غيـــر أن التخـــوف من رد فعل واشـــنطن ومن القيود الأوروبية الصارمة التي تحد من تصدير النفط”.

استقطاب الشركات الأجنبية

عندما فرضت العقوبـــات الدوليـــة على إيران عام 1979، أخذت شـــركات النفـــط الكبرى المتعاقدة مع الإيرانيين بالانسحاب تدريجيًّا، بينما استمرت عدد من الشركات الصينية، لذلك اعتمدت طهران بصورة رئيسية على الشركات المحلية، كشركة النفط الوطنية وشركة خاتم الأنبياء التابعة للحرس الثوري الإسلامي.

الشركات الإيرانية وخلال سنوات فرض العقوبات تضررت كثيرًا، إذ افتقدت في البداية التواصل مع الشركات العالمية وبالتالي افتقدت التقنيات الحديثة اللازمة لتطوير العديد من حقول النفط والغاز الإيرانية، وفي وقت تعمل إيران بشكل عاجل على استقدام شركات نفط الغربية لن تكون عودة الشركات النفطية الغربية لإيران أمرًا بسيطًا، فالعقود التي عرضتها الشركة الوطنية الإيرانية للنفط ليست مغرية، وهي من نوع عقود buy-back المحدودة المدة، والتي يتلقى فيها المستثمرون الأجانب تعويضًا عما صرفوه في تجهيز المنشآت النفطية مقابل تحكم الشركة الوطنية في كل براميل النفط التي يتم إنتاجها، ويتطرق الخبراء إلى أن معاناة النظام المصرفي الإيراني من مشاكل كبيرة حتى أصبح يمثل عائقًا أمام المستثمرين الأجانب.

يوضح المحلل المتخصص في الطاقة برتران هودي أن “عودة الشركات إلى إيران تعتمد على كون الشروط الضريبية للعقود جذابة، ما كان مفقودًا قبل العقوبات. فنظام “إعادة الشراء” الإيراني، أي توفير خدمات لفترة محدودة تتقاضى الشركات خلالها بدلًا عن الاستثمارات التي تجريها في المنشآت، كان يحمل مخاطر كبيرة للشركات الدولية”.
وأكد بيران أن “إيران مدركة لذلك ولا سيما وزارة النفط الإيرانية وتعمل منذ فترة على نموذج جديد لعقود النفط، هو عقد النفط الإيراني الذي يفترض أن يضاعف تحفيز المجموعات الأجنبية على العودة”.

النفط الإيراني ودول الخليج

فيما تبدو إيران طموحة جدًّا لاستئناف إنتاج نفطي ضخم، تبقى دول الخليج غير متحمسة لخفض إنتاجها وتقليص حصتها، وهذا ما سيؤدي إلى تفاقم التوترات داخل منظمة (أوبك)، فدول الخليج التي رفعت إنتاجها من النفط بعد فرض العقوبات على إيران، لتعويض النقص في النفط الإيراني قلقة الآن من إغراق الأسواق بالنفط الإيراني.

يأتي ذلك في وقت يعاني سوق النفط من التشبع أو “تخمة”، ويتوقع الخبراء أن يقابل رفع إيران لإنتاجها النفطي رفع لإنتاج خليجي، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى تدهور الأسعار أكثر فأكثر، وتذكر مؤسسة “جدوى للاستثمار”: “أن إيران ستتمكن في النهاية من الوصول إلى مستويات الإنتاج التي كانت تتمتع بها ما قبل العقوبات، ما سيؤدي إلى تصاعد التوتر مع دول الخليج.

ويشير مدير مؤسسة “الشال” للاستشارات جاسم السعدون إن “كامل الإنتاج الإيراني الإضافي سيذهب إلى التصدير إلا أن ذلك لن يفاقم الفائض الذي تعاني منه الأسواق لأن الزيادة ستكون تدريجية”. وأضاف السعدون: “أعتقد أن إيران ستحتاج إلى بضع سنوات قبل أن تبلغ هدفها برفع الإنتاج بمقدار مليون برميل يوميًّا”.

ومع إدراك إيران للرد الخليجي باستثمار سلاح النفط بتخفيض الأسعار، مع زيادة العرض وقلة الطلب بسبب كساد الاقتصاد العالمي، يتوقع الخبراء أن تتوجه إيران نحو العراق المستمر في زيادة صادراته النفطية، أي إقامة تحالف مع العراق لمواجهة الخليج نفطيًّا، هذا التحالف من شأنه التنسيق للرد على السعودية في مسألة خفض أسعار النفط وذلك لمعادلة الضغط الخليجي في منظمة “أوبك”.

وستعمل إيران مع العراق الحليف على إنشاء شراكة نفطية لغزو الأسواق الآسيوية والأوروبية، ستكون إيران المستفيد الأول من غزو النفط العراقي للسوق العالمية، لأن العراق حاليًا تعمل على زيادة إنتاجها من النفط لتزويد عوائدها المالية بعد أعوام من الركود الاقتصادي بسبب الأوضاع السياسية، وهو الأمر الذي دفع بالعراق للقيام بزيادة في قدرتها التصديرية النفطية.

ويعتقد الخبراء أن هذا التحالف سيؤثر بشكل مباشر على صادرات الخليج النفطية خاصة في الكويت والسعودية، إذ سيؤدي تدفق النفط الإيراني والعراقي إلى مضاعفة الكارثة الاقتصادية لدى دول الخليج التي تعاني أصلًا بسبب هبوط أسعاره في الشهور الماضية، مما أثر سلبًا على الميزانيات العامة لدول الخليج في ظل حالة نقص السيولة والاحتياطي النقدي الأجنبي.

النفط الإيراني و(أوبك)

بسبب ما نص عليه الاتفاق النووي لإيران مع الدول الكبرى من سماح لها بزيادة إنتاجها وصادراتها من النفط، يتوقع أن تكون الأعوام المقبلة صعبة على منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، كون حصة إيران للسوق ستأتي على حساب حصة دول الخليج، خاصة السعودية الخصم اللدود لإيران.

ومن أجل حماية حصة المنظمة في السوق قامت أوبك في نوفمبر الماضي، بالالتزام بعدم خفض الإنتاج لدعم الأسعار من أجل حماية حصتها في السوق، لذا يعتقد مندوبو المنظمة أنه من المستبعد أن تغير أوبك سياستها وتخفض إنتاجها، إذ ستنتظر حتى بعد ديسمبر القادم لتقييم أثر تدفق النفط الإضافي الإيراني على السوق.

ويرجح الخبراء أن تبقى المنظمة على إنتاجها النفطي دون تغيير وتدافع عن حصتها في السوق هذا العام، على اعتبار أن تدفق الخام الإيراني إلى السوق لن يأتي سريعًا بعد توقيع الاتفاق النووي، إذ تعتقد المنظمة بعدم وجود خطر عاجل من عودة إيران على حصتهم في السوق، وذلك لتوقعهم أن ارتفاع الطلب في العام المقبل قد يساعد السوق على امتصاص الكميات الإضافية الآتية من إيران، خاصة أن أوبك تتوقع ارتفاع الطلب العالمي على النفط إلى 1.34 مليون برميل يوميًّا في 2016 من نمو قدره 1.28 مليون برميل يوميًّا هذا العام.

وذكر مندوب خليجي كبير لدى أوبك أنه “إذا تباطأ الإنتاج من خارج أوبك كالمتوقع وفي نفس الوقت واصل الطلب نموه في العام المقبل على افتراض عدم ارتفاع (إنتاج) العراق كثيرًا وعدم عودة ليبيا فإن السوق ستستوعب النفط الإيراني”.

من جانبه، يرى محلل النفط كارستن فريتش: “إن من المستبعد أن تصدر إيران كميات إضافية تزيد على 500 ألف برميل يوميًّا”، مضيفًا: “مليون برميل نفط إضافي يوميًّا من إيران ستغطي تقريبًا الزيادة المتوقعة في الطلب في 2016 وتمحو تأثير تباطؤ إنتاج النفط الأمريكي”.

بنية شركات النفط الإيرانية

تعرضت البنية التحتية لشركات النفط الإيرانية لضرر كبير بسبب العقوبات التي فرضت على طهران، فقد أدت هذه العقوبات إلى حظر التجهيزات التقنية من قطع غيار وغيرها لصيانة المنشآت ومواصلة الإنتاج بشكل متطور، لذلك عملية ضخ اســـتثمار جديد تحتاج لتحديث تلك المنشآت والحقول، هذا الوضع يجعل تحقيق رغبة الحكومة الإيرانية بعودة تصدير النفط بشكل عاجل أمرًا مستبعدًا قبل النصف الثاني من 2016.

ونتيجة لانقطـــاع تكنولوجيات الشـــركات الغربية عن إيران طوال ســـنوات الماضية، تحتاج الشـــركات الأجنبية الراغبة في العودة إلـــى إيران، لتطوير المنشآت والحقول من أجل زيادة حجم الإنتاج النفطي على المدى المتوسط والبعيد إذ إنه -حسب الخبراء- سيظل حجم الإنتاج والتصدير محدودًا دون وجود التقنيات المتقدمة اللازمة، حيث تتطلب عـــودة الشـــركات، تحديـــد الظروف التقنيـــة اللازمة لزيادة الإنتاج إلى مســـتويات مرتفعة قد تصل إلى مـــا كانت تنتجه في 2012 عند نحو 3.6 مليون برميـــل يوميًّا.

فمن أجل رفع طهران لإنتاجها النفطي من 3 ملايين برميل إلى 6 ملايين برميل بحلول عام 2020 كما تعلن إيران، يحتاج قطاع النفط إلى دعم تقني من قبل شركات النفط الغربية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد