يبدو أن إيران عازمة على تجاهل الولايات المتحدة، والابتعاد عن وعود الدول الأوروبية لها، التي لم يتحقق منها شيء حتى الآن، وتماشيًا مع استراتيجية المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، المتمثلة في «التوجه نحو الشرق»، دخلت الجمهورية الإيرانية الإسلامية في تحالف استراتيجي جديد مع روسيا لمدة 20 عامًا، على غرار الاتفاق الذي ستعقده مع الصين.

اتفاقية جديدة لمواجهة الضغط الأمريكي

دأب وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف على زيارة روسيا في الآونة الأخيرة، وبعد عودته من آخر زيارة له إلى موسكو في نهاية الشهر الماضي، أعلنت كلٌّ من طهران وموسكو، توقيع البلدين لاتفاقية تعاون استراتيجي لمدة 20 عامًا، في المستقبل القريب.

منذ تأسيسها في عام 1979م، حرصت الجمهورية الإسلامية في إيران على عدم الدخول في شراكات طويلة الأجل مع أيٍّ من الدول الكبرى، لكي لا تصبح أسيرة تحكمات المجتمع الدولي. لكن الوضع تغير منذ قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بانسحاب بلاده من الاتفاق النووي الإيراني، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية على طهران، مع تطبيق استراتيجية «الضغط الأقصى» على إيران لإجبارها على التفاوض على صفقة نووية جديدة.

منطقة الشرق

منذ شهرين
برنامج تعاون شامل.. هل تنقذ الصين إيران من أثر العقوبات الأمريكية؟

رفض المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، التفاوض مرة أخرى مع الولايات المتحدة، معلنًا أن بلاده لن تركع أمام التكبر الأمريكي، لكن مقاومة الضغط الأمريكي كلَّفت الجمهورية الإيرانية الكثير؛ فاقتصادها يقف على حافة الهاوية، ويخيم شبح الاضطرابات الاجتماعية من وقت لآخر على البلاد.

أمام كل ذلك، لم يجد آية الله علي خامنئي بدًّا من التوجه نحو الشرق، وعقد تحالفات وشراكات طويلة الأجل مع الأصدقاء المقربين من إيران.

في زيارته الأخيرة لموسكو، سلَّم وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، رسالة خاصة من الرئيس حسن روحاني، إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لكنه لم يكشف عن تفاصيل هذه الرسالة عند عودته من موسكو. بناءً على تلك الرسالة، أجرى الرئيس الروسي محادثة هاتفية امتدت لنحو ساعة تقريبًا مع وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، ليعلن الطرفان، موافقة كلٍّ منهما على اتفاقية التعاون الشامل لمدة 20 عامًا.

الجدير بالذكر، أن اتفاقية مشابهة بين روسيا وإيران عقدت في مارس (آذار) 2001م، عندما زار الرئيس الإيراني آنذاك، محمد خاتمي، موسكو، في تطور هائل في العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، والتقى بالرئيس بوتين، ووقَّعا على اتفاقية مبادئ التعاون والشراكة الاستراتيجية، التي من المفترض أنها ستنتهي في مارس 2021م.

بإيجاز شديد، كانت الاتفاقية السابقة في الأساس مجموعة من البنود لتحديد أطر العلاقة والتعاون الاستراتيجي والعسكري بين إيران وروسيا لمدة 10 سنوات، على أن تجدد لمدة خمس سنوات مرتين، إذا لم يخطر أحد الطرفين الطرف الآخر كتابيًّا بإلغاء الاتفاقية.

في حديثه مع «ساسة بوست»، يقول الدبلوماسي الإيراني السابق، فريدون مجلسي: «إن الاتفاقية بشكلها القديم، لم يجر تفعيل أغلب بنودها والعمل بها في كثير من الأحيان، لكن حان الوقت للتغيير وعقد اتفاقية جديدة». كما يرى السيد مجلسي أن أهم الدوافع لإبرام اتفاقية جديدة هو مواجهة الضغط الأمريكي المفروض على إيران.

Embed from Getty Images
وزير الخارجية الإيراني مع نظيره الروسي أثناء زيارته لموسكو الشهر الماضي.

أهم بنود الاتفاقية الجديدة

على عكس الاتفاقية الإيرانية الصينية، التي تسربت بعض بنود المسودة الخاصة بها إلى وسائل الإعلام المختلفة، وتناولها «ساسة بوست» في تقرير سابق، فالاتفاقية مع روسيا، التي ستدوم لمدة 20 عامًا، لم تطرح بنودها علنًا حتى الآن.

يوضح مسؤول حكومي بارز، تحدث مع «ساسة بوست» شريطة عدم الكشف عن هويته، بعضًا من ملامح تلك الاتفاقية، التي ما زالت قيد المناقشة، إلى أن يجري تقديمها إلى البرلمان الإيراني للموافقة عليها.

التعاون التجاري

مع فرض العقوبات الاقتصادية والمصرفية على طهران، واستبعادها من النظام المصرفي العالمي، لجأت طهران إلى الدول المجاورة والصديقة، مثل روسيا، الصين، تركيا، والعراق، لتعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية مع هذه الدول. لكن التعامل بالدولار الأمريكي كان يقف حاجزًا أمام هذا الأمر؛ إذ تفرض الولايات المتحدة عقوبات ثانوية على أي دولة تتعامل بالدولار الأمريكي مع إيران.

حاولت إيران حل هذا المأزق مع العراق وتركيا، ونجحت إلى حد ما، لكنها أرادت توسيع الدائرة لتشمل روسيا أيضًا.

في العام الماضي، أعلنت طهران ربط نظام الرسائل المالية الإيراني بنظيره الروسي، بجهود من بنك روسيا، مما ساعد في زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين ليصل إلى 25% بالعملة الوطنية لكل من روسيا وإيران. وفي الاتفاقية الجديدة المتوقع توقيعها قريبًا، يسعى البلدان لإنشاء قناة مالية لزيادة حجم التبادل التجاري إلى 60%.

يقول المسؤول الحكومي لـ«ساسة بوست»: «في الآونة الأخيرة، زارت موسكو العديد من الوفود الإيرانية لبحث هذا الأمر، وهو ما سيكون موجودًا في الاتفاقية الجديدة. روسيا شريك اقتصادي قوي لإيران، ونجاح هذه القناة المالية سيعزز العلاقات التجارية».

وفي هذا الصدد، يقول المحلل الاقتصادي الإيراني، محسن شريعتي، لـ«ساسة بوست» إن «عقد مثل هذه الاتفاقيات الثنائية مع روسيا أو الصين، سينقذ التجارة الخارجية الإيرانية من قيود العقوبات الأمريكية بالتأكيد».

التعاون العسكري

عندما أعلن وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، خطة بلاده لتمديد حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على إيران، والذي من المفترض أن ينتهي في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، أعلنت روسيا أنها ستقف أمام هذه الخطة ولن تسمح بحدوثها.

وبعد أن فشلت الولايات المتحدة في تنفيذ خطتها في الأيام القليلة الماضية، سيصبح لدي إيران، في شهر أكتوبر من العام الحالي، الحرية الكاملة لشراء الأسلحة التقليدية، وستكون روسيا البائع الأول.

وعملت روسيا على تعميق علاقاتها العسكرية مع إيران في الأشهر الماضية، في تحدٍ صريح للولايات المتحدة؛ ففي نهاية العام الماضي، وقَّعت وزارة الدفاع الروسية وهيئة الأركان المسلحة الإيرانية مذكرة تفاهم تهدف إلى توسيع العلاقات العسكرية بين البلدين. ووصف قائد البحرية الإيرانية، حسين خانزادي تلك المذكرة، بأنها «نقطة تحول كبيرة في علاقات طهران بموسكو على طول مسار الدفاع».

وبحسب المصدر المسؤول في الحكومة الإيرانية، فإن موسكو وطهران تعملان على تطوير هذا التعاون وتعميقه في الاتفاقية الجديدة بين البلدين، ويوضح قائلًا: «المؤسسة السياسية في إيران مهتمة بالتعاون العسكري الشامل مع موسكو، خاصة في مجال التدريبات المشتركة والمعلومات الاستخباراتية والأمنية، بجانب شراء الأسلحة والمنظومات الدفاعية».

يقول يعقوب رضا زاده، عضو لجنة الأمن القومي والسياسية الخارجية بالبرلمان الإيراني، لـ«ساسة بوست»: «الاتفاقية الجديدة مع روسيا ستضمن لإيران تعزيز دفاعاتها، إيران مهتمة بشراء منظومة «إس 400» والطائرات الحربية الروسية».

Embed from Getty Images
محطة بوشهر للطاقة النووية.

الدعم الروسي للاتفاق النووي

منذ اللحظة الأولى لانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، أظهرت كلٌّ من روسيا والصين دعمًا قويًّا للصفقة النووية الإيرانية، في الوقت نفسه، أفصحت تصريحات المسؤولين الروس عن تقدير بلادهم للاتفاق النووي مع إيران، وضرورة الحفاظ عليه.

تشمل الاتفاقية الجديدة بين روسيا وإيران استمرار الدعم الروسي للحكومة الإيرانية في المحافل الدولية، بجانب الدفاع عن الاتفاق النووي، ويرى الدبلوماسي الإيراني السابق، فريدون مجلسي، أن إيران تقدر وتهتم بالدعم الروسي للاتفاق النووي، فيقول: «سيكون من المهم الحفاظ على الدعم الروسي في حالة رغبة طهران في التوصل إلى اتفاق نووي جديد، موسكو ستكون دائمًا خلف أي اتفاق نووي مع إيران».

الطاقة النووية والنفط

في التسعينيات، ساعدت روسيا إيران في بناء محطة بوشهر النووية، في وقت كانت الجمهورية الإسلامية معزولة عن المجتمع الدولي إلى حد كبير. وخلال السنوات الماضية، وصل التعاون النووي بين البلدين إلى مستويات جيدة، تأمل الحكومة الإيرانية في زيادة هذا التعاون ضمن الاتفاقية الجديدة بين موسكو وطهران.

يقول المسؤول الحكومي الإيراني، لـ«ساسة بوست»، «من المتوقع أن تشمل الاتفاقية الجديدة، زيادة واردات إيران من اليورانيوم الطبيعي من روسيا، والتعاون الشامل في مجال الطاقة النووية السلمية». وأشار أيضًا إلى عودة الشركات الروسية لتطوير حقول النفط الإيرانية، بموجب أحد بنود الاتفاقية بين البلدين.

الجدير بالذكر أنه بعد إعادة فرض العقوبات الأمريكية على طهران، انسحبت الشركات الروسية من الاستثمار أو تطوير حقول النفط في إيران خوفًا من السقوط في فخ العقوبات الثانوية الأمريكية.

وبدأت إيران، في يوليو (تموز) 2019، تتجاوز الحد الأقصى من مخزونها من اليورانيوم، على عكس المنصوص عليه في الاتفاق النووي.

مستقبل سوريا

تخشى إيران التقارب الروسي الإسرائيلي حول سوريا، كما تخشى من محاولات إطاحتها من مستقبل سوريا السياسي، بعد دعمها غير المحدود لنظام بشار الأسد. لذلك وبحسب العديد من المصادر الإيرانية، فإن الاتفاقية الجديدة بين طهران وموسكو، تشدد على أهمية التعاون بين البلدين فيما يخص الملف السوري.

يقول المحلل السياسي الإيراني، ناصر عامري، لـ«ساسة بوست»: «هددت الضربات الإسرائيلية، ضد المواقع الإيرانية في سوريا، التعاون الإيراني الروسي في دمشق. كما أن هناك مخاوف عديدة، من التقارب الروسي السعودي وتأثيره في مستقبل الأزمة السورية، لذلك كان من الضروري أن تشدد إيران على هذا الأمر في الاتفاقية الجديدة مع موسكو».

روسيا.. «صديقة الأوقات الصعبة»

بعد مرور عام على انسحاب الولايات المتحدة من الصفقة النووية مع إيران، سافر وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، إلى روسيا لبحث الأمر مع المسؤولين الروس. حينها وصف جواد ظريف روسيا بأنها «صديقة إيران في الأوقات الصعبة»، والآن تجدد موسكو صداقتها مع طهران في وقت صعب آخر تمر به الجمهورية الإسلامية، لمواجهة الضغط الأمريكي، وللحد من نفوذ الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط.

دولي

منذ شهر
«ذا دبلومات»: علاقات متوترة.. ماذا يحدث بين إيران وكوريا الجنوبية؟

دائمًا ما كانت العلاقات الروسية الإيرانية، غامضة، إلى حد ما، وكما تتسم بالاختلافات في كثير من الأحيان، فهناك أيضًا العديد من القواسم المشتركة بين إيران وروسيا. فى الماضي، في عهد الملكية الإيرانية، كان الإيرانيون ينظرون إلى روسيا على أنها قوات احتلال، اغتصبت مساحات شاسعة من الأراضي الإيرانية، فيما يعرف باسم معاهدة تركمانشاي في عام 1828م.

وبعد إنهاء الملكية، وقيام الجمهورية الإسلامية في إيران في عام 1979م، حاول الاتحاد السوفيتي وقتها خلق معارضة شيوعية ضد النظام الإسلامي الجديد، لكن الأمور اختلفت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، الذي وجد في إيران شريكًا اقتصاديًّا مهمًّا، فكلاهما كان منبوذًا من قبل المجتمع الدولي.

وبالرغم من الاختلافات الثقافية والأيديولوجية بين البلدين، فمثلًا، لا توافق روسيا إيران في مبادئها الثورية أو طموحاتها الإقليمية، فإنهما ما زالا يحتاجان بعضهما بعضًا، في كثير من الأحيان.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد