«الوباء أغلق المدارس، وألغى الاحتفالات العامة، وأوقف الأعمال التجارية، ومع ذلك تبقى العقوبات الأمريكية على إيران، هل يمكن للشعب الأمريكي أن يقبل تلك الأفعال والضغوط الخبيثة، ويقبل أن تؤثر في الشعب الإيراني باسمه نتيجة تصويته في الانتخابات؟»

كانت تلك الكلمات جزءًا من رسالة الرئيس الإيراني حسن روحاني، للشعب الأمريكي، مناشدًا ضميره لإنهاء العقوبات الأمريكية على بلاده، هذا الفعل غير الاعتيادي والمثير، خاصة أنه يأتي من رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تفتخر دائمًا بكبريائها أمام «الاستكبار الأمريكي».

لم تكن رسالة روحاني هي الوحيدة، التي تطالب برفع العقوبات عن إيران؛ ففي الأسابيع القليلة الماضية شنت طهران حملة دبلوماسية وإعلامية كبيرة، لمناشدة الضمير الدولي، وقادة العالم للضغط على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرفع العقوبات عن إيران، لمساعدتها في حربها لاحتواء فيروس كورونا المستجد.

«إرهاب طبي».. عقوبات أمريكا على إيران

منذ بداية أزمة تفشي فيروس كورونا المستجد في إيران، أدركت المؤسسة السياسية في طهران، أن العقوبات الأمريكية وما تسببت فيه من تدمير لاقتصادها، ستكون عائقًا كبيرًا أمام تخطيها أزمة الوباء، فوصف وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف العقوبات الأمريكية بأنها «إرهاب طبي»، على بلاده، ويجب أن يعمل العالم على إيقافه.

إعلان ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي في مايو (أيار) 2018

فبعد أن سحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بلاده من الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، في مايو (أيار) 2018، أعاد فرض العقوبات القاسية على صادرات النفط الإيرانية، تنفيذًا لخطة «أقصى قدر من الضغط» التي اتخذتها إدارته، في محاولة منه لتعديل سلوك إيران الإقليمي، وإخضاعها للرجوع إلى طاولة المفاوضات لإبرام اتفاق نووي جديد، ويعاني الاقتصاد الإيراني من ضربة قوية.

وبالرغم من تعهد القادة الإيرانيين خلال العامين الماضيين، بمقاومة الحرب الاقتصادية التي تشنها الولايات المتحدة ضد بلادهم، إلا أن أثر تلك العقوبات، لا يمكن إغفاله، خاصة وسط أزمة تفشي فيروس كورونا.

كيف حرمت العقوبات الأمريكية الإيرانيين من المساعدات الإنسانية؟

عندما أعلنت إيران رسميًا عن بدء تفشي المرض في البلاد في 19 فبراير (شباط) الماضي، وتسجيل عدد من الإصابات في مختلف دول المنطقة لأشخاص كانوا عائدين من مدينة قم الإيرانية، والتي تعتبر مركز تفشي الوباء في إيران؛ اتخذت الإدارة الأمريكية خطوة باهتة، لمساعدة الإيرانيين.

ففى أواخر شهر فبراير أجرت إدارة ترامب تعديلات طفيفة، على نظام العقوبات وسمحت لبعض المساعدات الإنسانية بالوصول إلى إيران بالتنسيق مع الحكومة السويسرية التي تتولى القيام بأعمال الولايات المتحدة في طهران.

لكن كانت تلك الخطوة عديمة الجدوى، بحسب ما يقول حيدر أبو القاسم، أستاذ العلاقات الدولية المقيم في طهران لـ«ساسة بوست»: «أي حديث من إدارة ترامب، عن أنها تساعد إيران في الحصول على المساعدات الإنسانية، محض هراء، ولا يوجد مجال لمناقشته».

بحسب أبو القاسم، فإن القناة السويسرية التي أنشأتها الولايات المتحدة بالتعاون مع الحكومة السويسرية، تلزم إيران بشراء الأدوية والمعدات الطبية من عدد محدود من الشركات السويسرية فقط. ويضيف أبو القاسم لشرح الأمر أكثر: «القناة السويسرية محكومة بإشراف نظام صارم، صممته وزارة الخزانة الأمريكية، بحجة منع تحويل الأموال والبضائع الإنسانية إلى جهات إيرانية أخرى غير وزارة الصحة».

تواصل إدارة ترامب ووزارة الخزانة الأمريكية القول بأن العقوبات لن تمنع إيران من التجارة الإنسانية. من الناحية النظرية، هذا الأمر صحيح؛ لكن عندما نأتي إلى التطبيق، فلا توجد شركة أوروبية أو بنك يريد المخاطرة والتعامل مع البنوك والشركات الإيرانية التي أغلبها يقع ضمن قوائم الإرهاب الخاصة بالولايات المتحدة، خوفًا من الوقوع في فخ العقوبات الأمريكية الثانوية.

في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، أي قبل أشهر قليلة من تفشي فيروس كورونا، أشارت منظمة «هيومن رايتس ووتش» إلى أن العقوبات الأمريكية فشلت في تنظيم التجارة الإنسانية مع إيران، نظرًا لخوف الشركات الأوروبية من العقوبات، ما أدى إلى حرمان الإيرانيين من الحصول على الأدوية الأساسية.

وهذا ما ظهر بشدة منذ انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، ومعاناة مرضى السرطان وأمراض الدم النادرة، في الحصول على الأدوية أو حتى المعدات الطبية اللازمة.

دولي

منذ 4 شهور
سيف لا يُغمد أبدًا.. دليلك لفهم العقوبات الأمريكية على إيران وتاريخها

وتجدر الإشارة، إلى أنه في بداية أزمة تفشي فيروس كورونا، وتزاحم الإيرانيين على شراء الأدوية المضادة للفيروسات، والكمامات الواقية؛ ناشد الأطباء الإيرانيون حكومتهم، بضرورة الإسراع في استيراد المواد الخام للأدوية (إيران تنتج محليًّا العديد من الأدوية، لكنها تفتقر إلى المواد الخام في بعض الأحيان)، والمعدات الطبية، لعدم حدوث كارثة إنسانية، فوجدت الحكومة العقوبات الأمريكية أمامها، فناشدت منظمة الصحة العالمية.

وعندما حاولت منظمة الصحة العالمية مساعدة إيران في هذا المأزق، وإرسال ما تحتاجه من مجموعات اختبار فيروس كورونا، فوجدت أنها هي الأخرى أمام مأزق كيفية شحنها إلى إيران، فبعد إعادة فرض العقوبات على طهران، غادرت أغلب شركات الطيران والشحن الدولي السوق الإيراني.

ومع تفشي فيروس كورونا في البلاد، أغلق جيران الجمهورية الرحلات الجوية والمعابر البرية أمامها، وبعد استغراق الكثير من الوقت الذي لم يكن في صالح المصابين بكورونا، والكثير من الجدل، وافقت الإمارات العربية المتحدة على التوسط وشحن إمدادات منظمة الصحة العالمية إلى إيران، عن طريق الطيران العسكري.

العالم يناشد أمريكا لتخفيف العقوبات عن إيران

«مخزوننا أوشك على الانتهاء، في بعض المستشفيات اضطر العديد من الأطباء وطاقم التمريض إلى التعامل مع المصابين بدون ملابس واقية، أو حتى كمامات، لماذا تريد الولايات المتحدة قتل شعبنا؟».

هكذا يروي مدير أحد المستشفيات في العاصمة الإيرانية طهران لـ«ساسة بوست»، مأساة الأطباء بسبب نقص الإمدادات الطبية، مفضلًا عدم الكشف عن هويته.

إسماعيل مهرداد، واحد من مستوردي الأدوية والإمدادات الطبية في إيران، يروي لـ«ساسة بوست»، كيف تحصد العقوبات الأمريكية المزيد من أرواح الإيرانيين في ظل تلك الأزمة الصحية العالمية، ويقول: «أغلب البنوك الإيرانية إن لم يكن جميعها، مدرجة في قوائم الإرهاب الأمريكية، مما يعني عدم موافقة أي شركة أوروبية على التعامل معاا، حاولنا الالتفاف على الأمر، عن طريق وسيط تجاري، وتحويل الأموال من خلاله، لكن الأمر يستغرق المزيد من الوقت».

فبحسب مهرداد، يكاد لا يكون هناك أي بنك في العالم على استعداد بالمخاطرة بالوقوع في خطأ التجارة مع إيران، والحرمان من الوصول إلى النظام المصرفي العالمي، بجانب سيطرة الحرس الثوري الإيراني على أغلب القطاعات الإيرانية، فهو جزء لا يتجزأ من الاقتصاد، مدرج على قوائم الإرهاب الأمريكية، ويخضع لعقوبات أكثر صرامة حتى وإن كان الأمر يتعلق باستيراد الأدوية للإيرانيين.

Embed from Getty Images

في محاولات الإيرانيين المستمرة للالتفاف على العقوبات الأمريكية، يقوم رجال الأعمال والتجار الإيرانيين، بتوسيط طرف ثالث لإتمام العمليات التجارية، لكن هذا الأمر محفوف بالمخاطر أيضًا، فهو من ناحية يستغرق وقتًا طويلًا، ومن ناحية أخرى، من الممكن أن يختفي الوسيط الثالث بالأموال في أي وقت وبكل سهولة، فتنتهي الصفقة في الحال، وهذه الطريقة لا تجدي نفعًا مع فيروس يقتل شخصًا كل 10 دقائق بحسب كيانوش جهانبور المتحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية.

بينما تحارب أغلب دول العالم وإيران عدوًا غير مرئي، صعب السيطرة عليه، حاولت الدول الصديقة للجمهورية الإسلامية في إيران، الوقوف بجانبها ومطالبة الولايات المتحدة برفع العقوبات. فقد طالبت الحكومتين الروسية والصينية في منتصف شهر مارس (آذار) الماضي، الولايات المتحدة بتعليق العقوبات على طهران مؤقتًا لكي تستطيع احتواء الوباء، فدعت وزارة الخارجية الصينية إلى رفع العقوبات الأحادية الجانب التي تقوض حتى تسليم المساعدات الإنسانية. واتهمت الحكومة الروسية من جانبها، العقوبات الأمريكية بأنها غير قانونية ومعادية للإنسانية.

لا لتخفيف العقوبات.. بل المزيد منها أيضًا

لم تنفع كل تلك المناشدات الإيرانية والدولية، في زحزحة إدارة ترامب عن التخلي المؤقت عن عقوباتها المفروضة على إيران، ولا حتى حقيقة أن إيران هي المركز الإقليمي لفيروس كورونا في الشرق الأوسط ويمكنها تصدير الوباء إلى دول المنطقة المنهكة من الحروب والصراعات، ولا تتحمل عناء وباء أيضًا.

وبدلًا من أن تحاول إدارة ترامب التخلي عن تلك التصرفات اللانسانية، التي تلطخ سمعتها الدولية كقوة عظمى في العالم؛ فرضت المزيد من العقوبات على إيران في 18 مارس الماضي، واستهدفت الأفراد والكيانات المتعلقة بصناعة البتروكيماويات الإيرانية.

وانطلاقًا من نظرية، «دعنا نكمل استراتيجية أقصى ضغط لآخر نفس»، أضافت الولايات المتحدة في 26 مارس المزيد من العقوبات التي تستهدف الشركات والأفراد بزعم دعمهم للجماعات الإرهابية.

وتعليقًا على ذلك، يقول الكاتب الصحفي الإيراني عباس عبدي لـ«ساسة بوست»: «يمكن تفسير العقوبات الأخيرة، على أنها عقاب لإيران على الهجوم الذي استهدف القوات الأمريكية في العراق في الأسابيع الأخيرة، لكن هل هذا هو الوقت المناسب لتصعيد الصراع؟».

ويرى عبدي، أن إيران غير متورطة في الهجوم الأخير على القواعد الأمريكية بالعراق، وأنه فعل خاص بالفصائل المسلحة التابعة للحشد الشعبي العراقي، «حتى إذا افترضنا أن إيران متورطة، فمن الذي دفعها من البداية للتورط، أليس استراتيجية أقصى ضغط الأمريكية؟»، بحسب ما قال عباس عبدي.

إيران تلجأ لصندق النقد الدولي من أجل احتواء الفيروس

في خطوة لم تحدث منذ عام 1962، طلبت الجمهورية الإيرانية الإسلامية من صندوق النقد الدولي، قرضًا بـ5 مليار دولار، لمساعدتها في احتواء تفشي فيروس كورونا المستجد. وجاءت تلك الخطوة بعد يأس الحكومة الإيرانية، وفشل جميع الدعوات الإيرانية والدولية لرفع العقوبات الأمريكية عن طهران، لكن في الوقت نفسه قد يواجه هذا الطلب، رفض الولايات المتحدة التي من الممكن أن تستخدم حق النقض.

Embed from Getty Images

يروي مسئول مالي بارز في البنك المركزي الإيراني، لـ«ساسة بوست»، رافضًا الكشف عن هويته نظرًا لحساسية منصبه، سبب هذه الخطوة فيقول «ببساطة شديدة، لم يعد لدينا أموال كافية لمواجهة هذا الوباء، هناك عجز كبير في ميزانية العام الجديد، والإنتاج شبه متوقف، والتجارة الخارجية توقفت أيضًا، نريد أموال لشراء الأدوية ودفع الرواتب، خاصة بعد انخفاض أسعار النفط».

من أجل مساعدة إيران.. أوروبا تستخدم «انستكس» لأول مرة

في الأسابيع القليلة الماضية، دفع الوضع المتدهور في إيران بسبب تفشي فيروس كورونا، وتجاوز عدد الإصابات 70 ألف إصابة، ووصل حالات الوفيات إلى أكثر من 4 آلاف حالة، الدول الأوروبية الثلاث الموقعة على الاتفاق النووي (ألمانيا، المملكة المتحدة، فرنسا)، إلى إيجاد حل مؤقت لمساعدة إيران.

قبل عام، وفى محاولة من الدول الأوروبية الثلاث لحل أزمة الاتفاق النووي، بعد انسحاب ترامب، وإصرار إيران على ضرورة الاستفادة من المزايا الاقتصادية خطة العمل الشاملة المشتركة، تم إنشاء أداة مالية لتجاوز العقوبات الأمريكية، لضمان استمرار التجارة الأوروبية مع إيران.

تلك الأداة المالية التي يطلق عليها «انستكس»، لن تؤمن لطهران مواصلة تصدير نفطها، واقتصرت فقط على الأدوية والسلع الغذائية، حينها رفضها المحافظون الإيرانيون بشدة، وبدافع من الكبرياء قالوا أنها تصلح فقط للدول التي خرجت من حروبها منهزمة، وبلادهم لن تخضع للمقايضة على الدواء والغذاء، ولم تتخذ تلك الأداة المالية أي خطوة من وقتها. لكن بعد أكثر من عام، وفى 31 مارس، استخدمتها الدول الأوروبية لأول مرة لعقد صفقة بقيمة 500 ألف يورو مع إيران.

يقول مجيد حقانيان، الصحفي الإيراني المختص بالشئون الاقتصادية، لـ«ساسة بوست»: «لا تعد تلك الخطوة نجاحًا باهرًا لـ«انستكس»، فصفقة بقيمة 500 ألف يورو فقط، للإمدادت الطبية لن تكون بدلًا عن رفع العقوبات الأمريكية عن إيران».

حديث حقانيان عن الأداة المالية الأوروبية «انستكس»، يحيلنا إلى تساؤل آخر، هل من الممكن أن تكون هذه الأداة المالية بديلا عن رفع العقوبات الأمريكية، أم لا؟ تجبب عن هذا السؤال، فرشته حسيني الخبيرة السياسية المقيمة بطهران، فتقول لـ«ساسة بوست»: «بالطبع لا، «انستكس» وحتى بعد إجراء أول معاملة من خلالها، تظل أداة رمزية، يحاول الأوروبيين المناورة من خلالها قليلًا، لكنها ليست حلًا عمليًا على الإطلاق».

وبحسب السيدة حسيني، فإن آخر معاملة تجارية بين إيران والاتحاد الأوروبي، في عام 2017، كانت تقدر بحوالى 12 مليار دولار.

فيروس كورونا ليس عذرًا كافيًا لرفع العقوبات عن إيران

ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز»، أن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، وعدد من مسئولي المخابرات الأمريكية، يحاولون إقناع الرئيس دونالد ترامب، بشن ضربة عسكرية مباشرة ضد إيران، في ظل تلك الظروف القاسية التي تمر بها، وارتباكها ، وإجبارها على الرجوع إلى طاولة المفاوضات بدون أي شروط مسبقة.

تلك العقلية السياسية، للإدارة الأمريكية، توضح الجهة المقابلة من الموقف الإيراني والدولي، وتفسر دعوات خبراء السياسة الإيرانية الأمريكيين، والسياسيين المؤيدين لترامب، لرفض رفع أو حتى تخفيف العقوبات الأمريكية عن طهران.

ويجادل البعض من رافضي رفع العقوبات الأمريكية عن إيران، داخل الولايات المتحدة، بأن الوباء والحرمان من المساعدات الإنسانية ليس عذرًا للقيام بهذا الأمر. ويستشهدون بما قالته وزارة الخارجية الأمريكية في يوليو (تموز) 2019، بأن لدى طهران سجل طويل من تحويل السلع الإنسانية، لتمويل الجماعات الإرهابية. كما أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في عام 2018، عن استخدام شركة طبية إيرانية لتسهيل المدفوعات غير المشروعة لروسيا، لمساعدة سوريا في شراء النفط.

بينما يطالب البعض من أصحاب النظرية نفسها، القادة الإيرانيون، بضرورة التخلي عن الهجمات وتحريض حلفائها في العراق ضد القوات والأصول الأمريكية، والرجوع عن خطوات طهران للتخلي عن الاتفاق النووي، ومن ثم طلب المساعدة الإنسانية لمواجهة فيروس كورونا.

ترامب: اطلبوا تخفيف العقوبات مني مباشرة!

وسط كل هذه الجدالات، والآراء المؤيدة والمناهضة لرفع العقوبات عن إيران، قال الرئيس ترامب في مؤتمر صحفي، ردًّا على سؤال أحد الصحفيين حول تخفيف العقوبات عن إيران، «لم أتلق أي طلب رسمي من إيران بخصوص هذا الأمر، وإذا طلبوا منى ذلك مباشرة، فمن الممكن تغيير الموقف».

ترى الخبيرة السياسة فرشته حسيني، أن رد ترامب ما هو إلا محاولة لتعقيد الأمور أكثر وأكثر، فتقول لـ«ساسة بوست»: «هو يعلم تمامًا، أنه من المستحيل أن تتخلى الجمهورية الإسلامية عن كبريائها، وتطلب مباشرة هذا الطلب منه».

وبالنظر إلى تطور العلاقات بين واشنطن وطهران، وارتفاع حدة التوترات خاصة بعد اغتيال الولايات المتحدة لأهم جنرال في الجمهورية الإسلامية، قاسم سليماني، ومحاولات القادة الغربيين للتوسط بينهما، على سبيل المثال محاولات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لحل الخلافات، والتي كانت واحدة من أهم وأكبر المحاولات؛ فلا يمكن أن يتوقع المرء أن ترسل إيران طلبًا مباشرًا إلى الرئيس ترامب لتخفيف أو رفع العقوبات عنها، حتى وإن حصد الفيروس ملايين الأرواح، والدليل على ذلك، أن الجمهورية الإسلامية في ظل شن حملة أقصى ضغط الأمريكية عليها، لم تخضع ولو لمرة واحدة لهذا الضغط، وزادت من ردود فعلها الاستفزازية في المنطقة.

بجانب العقوبات.. فشل الإدارة الإيرانية في احتواء فيروس كورونا

بعيدًا عن أثر العقوبات الأمريكية على مواجهة إيران لفيروس كورونا، والذي لا يمكن إغفاله، لا يمكن أن نتجاهل أن الكثير من المسئولية أيضًا في تلك الأزمة يقع على عاتق الحكومة الإيرانية، التي ثبت عدم كفاءتها في العديد من المشكلات، كان آخرها، الكذب والمراوغة لإخفاء حقيقة إسقاط الدفاعات الإيرانية لطائرة الركاب الأوكرانية، والتي راح ضحيتها 176 راكبًا، أغلبهم من الإيرانيين. فسوء الإدارة الإيرانية في الأزمة الأخيرة، واضح في العديد من المواضع، نحاول في السطور القادمة على سبيل المثال لا الحصر، تخطي أثر بعضها.

Embed from Getty Images

كما ذكرنا في تقرير سابق، فإن الشائعات التي أفادت بوجود فيروس كورونا في إيران، كانت موجودة منذ أواخر شهر يناير، وبدلًا من أن تعمل وزارة الصحة الإيرانية والحكومة على التحقق من تلك الشائعات، أنكرتها على الفور.

وأقامت الجمهورية الإسلامية، احتفالاتها بالذكرى الواحد والأربعين على قيام الثورة الإيرانية عام 1979، وحشدت مئات الآلاف من المؤيدين، وبعدها بأسابيع، حشدت الناس مرة أخرى، للتصويت في الانتخابات البرلمانية الحادية عشر، هذا الصمت والتستر على وجود الفيروس في البلاد، ساعد على انتشاره.

وعلى الرغم من حقيقة أن إيران تمتلك أفضل قطاع رعاية صحية في منطقة الشرق الأوسط، فكان لا بد أن تدرك المؤسسة الحاكمة في إيران، أنه لا يمكن أن تعتمد على الكوادر البشرية فقط، وأن مستشفياتها تعاني من التدهور بسبب العقوبات أيضًا.

«واجهنا الخطر دون معرفة»

«بقينا لأسبوعين نتعامل مع المرضى، بدون كمامات أو ملابس واقية، لأنه تم إخفاء حقيقة تفشي الفيروس عنا».

كانت تلك كلمات الطبيب الإيراني الذي يعمل في أحد مستشفيات مدينة قم الإيرانية، مركز تفشي الوباء في البلاد، مفضلًا عدم الكشف عن هويته. يقول الطبيب لـ«ساسة بوست»: «سمعنا من الأطباء في مستشفيات أخرى، عن شبهة وجود فيروس كورونا في إيران، لكن وزارة الصحة أرسلت لنا بيانًا تنفي فيه كل هذه الشائعات، فتعاملنا بشكل طبيعى مع المرضى، وبعد أسابيع فوجئنا بإصابة عدد من الأطباء والممرضات، ووضعنا على فوهة المدفع وتركونا».

وكانت أعلنت إيران رسميًّا عن أول حالات وفاة جراء الإصابة بفيروس كورونا في مدينة قم، يوم 19 فبراير، فيما صرح حينها، النائب البرلماني عن قيم أحمد أمير آبادي، بأن هناك 50 شخصًا ماتوا بسبب الفيروس، والحكومة تتستر.

يقول النائب أمير أبادي لـ«ساسة بوست»: «تواصل معي عدد من الأطباء في نهاية شهر يناير (كانون الثاني)، وأخبروني شكوكهم في وجود الفيروس في إيران، لكن الحكومة لم تعيرهم أي اهتمام».

وجدير بالذكر أن هناك المئات من الطلاب الصينيين، الذين يدرسون العلوم الدينية في مدينة قم، بجانب الآخرون من العمال الذين يعملون في مختلف المجالات في إيران، فبكين تعد الشريك التجاري الأهم لطهران، وعلى ما يبدو أن الأخيرة قررت عدم التضحية بتلك العلاقة القوية، وإغلاق الرحلات الجوية في وجه الصينيين.

رفض الحجر الصحي

عندما بدأ عدد حالات الإصابة في الارتفاع، وانتشار العدوى بين المسئولين الحكوميين والسياسيين، ونواب البرلمان، خاصة أنهم يتنقلون بشكل شبه يومي بين طهران وقم، المركز الرئيسي لطبقة رجال الدين؛ كان من المفترض أن تقوم الحكومة الإيرانية بفرض الحجر الصحي عن المدينة بأكملها للسيطرة على انتشار الفيروس.

Embed from Getty Images

تحدث مسئول طبي في لجنة مكافحة فيروس كورونا، لـ«ساسة بوست»، شريطة عدم الكشف عن هويته: «وزارة الصحة طلبت من الحكومة مرارًا وتكرارًا في بداية الأمر، فرض الحجر الصحي على قم، لكنها رفضت، كان يمكننا السيطرة على الأمور بشكل أفضل، إذا وافقت الحكومة».

إصرار الحكومة الإيرانية على عدم فرض الحجر الصحي على المقاطعات الأكثر تضررًا، أو حتى فرض قيود على حركة التنقل بين المدن، جعلت من عيد رأس السنة الفارسية (النوروز)، نقطة انطلاق جديدة لزيادة حالات الإصابات، وفقًا لعدد من الأطباء الإيرانيين، الذين تحدثوا إلى «ساسة بوست».

فتّش عن المستفيد.. اختفاء المساعدات الطبية

«لم نحصل على أي من المساعدات الطبية التي أرسلتها لنا منظمة الصحة العالمية، ولا نعلم لماذا؟»

تروي الممرضة الإيرانية في أحد مستشفيات مقاطعة جيلان المتضررة بشدة جراء انتشار فيروس كورونا بها، لـ«ساسة بوست»، عن نقص الكمامات والقفازات، والملابس الواقية في مكان عملها، بالرغم من إرسال منظمة الصحة العالمية أطنانًا من تلك الإمدادات إلى إيران.

تحدثنا إلى مصدر صحفي مقيم في طهران، ليشرح لنا لماذا لم تحصل تلك الممرضة وزميلاتها على مساعدات منظمة الصحة العالمية، فقال المصدر لـ«ساسة بوست»، شريطة عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية: «فور وصول شحنات مساعدات منظمة الصحة العالمية، تحفظ عليها الحرس الثوري، بحجة أنه سيقوم بتوزيعها على كافة المستشفيات، وضمان وصولها إلى الكوادر الطبية، لكن علمنا فيما بعد، أنه تم توزيع أكثر من نصفها على أفراد الحرس الثوري، بزعم أنهم يساعدون القطاع الطبي، وينزلون إلى الشوارع وتعقيمها ويحتاجون إلى مثل تلك الإمدادات».

لا نريد مساعدة منظمة «أطباء بلا حدود»

في وسط مناشدات إيران للمساعدة الدولية في حربها ضد فيروس كورونا، أعلن وزير الصحة الإيراني سعيد نمكي يوم 25 مارس، أنه تم استبعاد وجود فريق «أطباء بلا حدود» في إيران للمساعدة في مكافحة فيروس كورونا. بعد أن تم الإعلان عن موافقة الحكومة، ووزارتي الصحة والمخابرات على دخول منظمة «أطباء بلا حدود» إلى إيران لمساعدتها، قالت السلطات الإيرانية للمنظمة «شكرًا، لا نريد مساعدة الأجانب».

يقول مصدر حكومي بازر لـ«ساسة بوست»، رافضًا عن الكشف عن هويته، لأنه غير مخول له التحدث إلى وسائل الإعلام: «جاء القرار من الحرس الثوري، بعد أن أعلن الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي، أنه يشكك في وجود الأجانب داخل البلاد».

ووفقًا لنظرية المؤامرة، التي تبنتها القيادة العليا للجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن وجود فريق منظمة «أطباء بلا حدود»، في إيران مشكوك به، لكن الإمدادات الطبية التي أتوا بها إلى طهران، أمرها طبيعي، وتم التحفظ عليها وفقًا للمصدر الحكومي.

«نطلب من الله النجاة»

ما بين العقوبات الأمريكية، وسوء الإدارة يقع الإيرانيون ضحية لكل تلك الأمور، لا يعلمون ما الذي يخبئه لهم المستقبل، وهل ستعود حياتهم حتى التي كانت يعانون فيها من الأزمات الاقتصادية مثل السابق أم لا؟ تقول معصومة (35 عامًا): «لا نعرف شيئًا، ولا نعرف إلى أين ستقودنا تلك الأزمة، أخاف على أسرتي، وكل ما بيدي، طلب النجاة من الله».

عرض التعليقات
تحميل المزيد