بتقدمها نحو حيازة قنبلة نووية، تثير إيران جدلًا واسعًا بين البيت الأبيض والكونجرس، نعم، فقد تغاضت واشنطن إلى حد كبير عن التقدم الإيراني نحو الهيمنة على العالم العربي. الأمر الذي لا يخفى على الدول العربية الموالية لأمريكا، وبخاصة دول الخليج ، لذا فهم قلقون للغاية.

أحكمَ المتمردون الحوثيون المدعومون من إيران سيطرتهم على الحكومة اليمنية الموالية حتى الآن لأمريكا، فبعد اجتياحهم للعاصمة صنعاء بأشهر قليلة، استولى الحوثيون على القصر الرئاسي، ثم أجبروا الرئيس على الاستقالة.

للحوثيين مظالم دينية محلية، لكونهم أقلية شيعية على أرض سنية. لكنهم كذلك وكلاء إيران الشيعية، التي تمدهم بالسلاح وتدعمهم بالتدريب والنصيحة. قد تُرى هناك شعارات إيرانية مثل “الله عظيم، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل” مكتوبة بالفارسية.

ولكن لماذا على الولايات المتحدة أن تهتم لأمر الانقلاب؟ أولا، لأنها تعتمد على الحكومة اليمنية لدعم حرب طائراتها دون الطيار لمكافحة خطر محلي آخر، ألا وهو تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية (AQAP). لا تضمن الولايات المتحدة مجرد إمكانية المحافظة على سفارتها في اليمن ناهيك عن إجراء العمليات ضد القاعدة. وثانيًا، لأن تصاعد الهيمنة الإيرانية تشكل تهديدًا قاتلًا على حلفاء أمريكا ومصالحها في الشرق الأوسط بأكمله.

أيضا في سوريا فإن سيطرة إيران آخذة في التنامي على نحو مماثل. نجح الملالي في إنقاذ النظام المترنح لبشار الأسد عن طريق إرسال الأسلحة والمال والحرس الثوري الإيراني، وكذلك مطالبة حزب الله، مفوضهم اللبناني بالانضمام للقتال. حالة من الفوضى تسيطر على المتمردين المعتدلين، بينما يتعايش الأسد مع الدولة الإسلامية التي تسيطر على جزء كبير من بلاده.

حدث غريب على مرتفعات الجولان يبرز الهيمنة الإيرانية داخل سوريا، هجوم على قافلة من مروحية إسرائيلية على الجانب السوري من خط الهدنة. القتلى مع ذلك لم يكونوا سوريين، بل  خمسة من مقاتلي حزب الله اللبنانيين وعددًا من المسؤولين الإيرانيين، بما في ذلك أحد جنرالات  الجيش!

ترى ماذا كانوا يفعلون هناك على مرتفعات الجولان السورية؟ منح “المشورة الحاسمة”، هذا ما أعلنته الحكومة الإيرانية. ولكن مشورة تخص ماذا؟ حسنا، هدد زعيم حزب الله بهجوم على الجليل في إسرائيل قبل الحدث بثلاثة أيام. يبدو أن طهران تستخدم سيطرتها على سوريا وحزب الله لخلق جبهتها الخاصة جدًا ضد إسرائيل.

بخلاف الدول الخليجية فاحشة الثراء وشديدة الضعف، باستطاعة إسرائيل هزيمة أي هجوم تقليدي. أما بالنسبة لدول الخليج فهي محاطة شمالًا وغربًا بالأقمار الإيرانية المسماة بالهلال الشيعي، تلك  الممتدة حتى البحر الأبيض المتوسط والمكونة من العراق، سوريا ولبنان. ثم محاطة جنوبًا وغربًا بالهيمنة الإيرانية الممثَلة في اليمن. من ثم تجد الدول الخليجية نفسها وقد حُصرت بين المطرقة والسندان.

من جانبها، تحارب السعودية بالطريقة الوحيدة التي تستطيعها: الإنتاج الهائل للنفط في ذات الوقت الذي يزيد فيه المعروض منه وتنهار أسعاره، محدثةً بذلك ضغطًا اقتصاديًا هائلًا على إيران؛ إذ سيُحتَم عليها الحصول على 136 دولار لبرميل النفط للحفاظ على ميزانيتها، بينما السعر الحالي هو أقل من 50 دولارًا.

مع ذلك، تبدو إدارة أوباما على استعداد للرضوخ للواقع الجديد من الهيمنة الإيرانية على سوريا حيث ذكرت لصحيفة النيويورك تايمز أنها ستتخلى عن هدفها المعلن من الإطاحة بالأسد.

بالنسبة للسعودية وسائر دول الخليج يعد هذا كابوسًا. إذ تنخرط تلك الدول في صراع إقليمي عميق مع إيران لتتوالى خساراتها؛ خسارة في اليمن، ثم في سوريا، ثم لبنان. بينما تتزايد الهيمنة الإيرانية لا سيَما عقب الانسحاب الأمريكي من العراق.

بامتلاك إيران السلاح النووي قد يتفاقم الكابوس بشكل كبير؛ فالسعودية منزعجة بالفعل من المفاوضات السرية التي تجريها واشنطن مع طهران من وراء ظهرها، المفاوضات التي قد تتجه في نهاية الأمر نحو إضفاء الشرعية على إيران كدولة نووية جديدة.

ثمة غموض في معارضة أوباما الشرسة لعرض الكونجرس بتعزيز المفاوضات الأمريكية حول تفعيل تمرير العقوبات على إيران في حال رفضها التخلي عن برنامجها النووي. على أي حال، مع بدء مفاوضاته الأخيرة، أحدث أوباما نوعًا من الوفاق مع الكونجرس.

“لماذا تردد نقاط الحوار الإيرانية، سيدي الرئيس؟” يسأل السيناتور الديمقراطي بوب مينينديز. “لماذا نُقر الادعاءات الإيرانية بأن استخدام العقوبات هو نهج جديد؟” يجيب أوباما بأن استخدام العقوبات ما هو إلا تنازل مؤقت لإعطاء المفاوضات المحدودة زمنيًا فرصة أخيرة.

للمرة الثانية إذًا يحين موعد انتهاء المفاوضات، وللمرة الثانية يُمد أمد المفاوضات غير المشروطة دون توقيع عقوبات جديدة.

بالنسبة لحلفاء أمريكا الإقليميين، السعودية ودول الخليج الخمس الأخرى، الأردن، مصر وإسرائيل، فهم قلقون للغاية؛ إذ تحقق طهران تقدمًا ملحوظًا على الأرض، كما تتجه بوضوح نحو امتلاك السلاح النووي. بينما حليفتهم العظمى وملاذهم الإستراتيجي، تذعن للأمر.

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد