فيما يترقب العالم يوم 12 مايو (أيار) القادم، اليوم الذي وعدت فيه واشنطن تحديد موقفها من الاتفاق النووي الإيراني المبرم عام 2015 مع القوى العالمية، فاجأ الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» المجتمع الدولي أمس أنه سيعلن اليوم عن موقفه من هذا الاتفاق.

وحتى قبيل الوقت الأخير لهذا الإعلان توقع المحللون أن ترامب يريد التعجيل بإعلان انسحابه من الاتفاق النووي لتفادي تأثير الضغوط فيه، كما وضح لـ«ساسة بوست» مدير مركز بيسان للدراسات العربية والإيرانية «محمد المذحجي»، فما هي خيارات إيران في حال تحقق ذلك؟

هل تنسحب واشنطن من الاتفاق النووي؟

في الأيام الأخيرة، تعدّدت السيناريوهات المتوقعة حول القرار الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران، وذلك ما بين الإبقاء عليه، أو تعديل الاتفاق نفسه، أو الانسحاب منه أحاديًا من جهة الولايات المتحدة، وبالتالي انتهاء هذا الاتفاق.

الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 (المصدر: أ ف ب)

وتؤكد مصادر البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي «ترامب» عقد العزم وقرر تقريبًا الانسحاب من الاتفاق، فنقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول في البيت الأبيض قوله إن: «ترامب يتجه على الأرجح إلى الانسحاب من الاتفاق (المبرم عام 2015) لكنه لم يتخذ القرار بعد. يبدو أنه جاهز لعمل ذلك، ولكن إلى أن يتم اتخاذ قرار من جانب هذا الرئيس فالأمر ليس نهائيًّا».

كذلك يرجح الإيرانيون أن تنسحب الولايات المتحدة من الاتفاق، ولذلك أخذ المسؤولون الإيرانيون في الأيام القليلة الماضية يهددون ويتحدثون عن استعداد بلادهم لهذا القرار، وكذلك اتخاذ جميع الإجراءات لمواجهة الانسحاب، فإيران لمست ذلك بشكل واضح من جراء تضخيم واشنطن لحجم ما تسميه التهديد الإيراني، وفق ما يصطلح عليه بأجندة «فوبيا إيران»، وهو الأمر الذي تعمل عليه أيضًا إسرائيل التي تؤدي دورًا مهمًا في خلق مزيد من التوتر في هذا الملف، فالإسرائيليون الذين يريدون بكل السبل التضييق على إيران، وفرض عقوبات عليها لم يكتفوا فقط بحث الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمحافل الدولية على الضغط على إيران؛ بل قام مؤخرًا رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» بتقديم ما اعتبره وثائق وحججًا تؤكد بناء طهران برنامجًا نوويًّا سريًّا.

قال نتنياهو في 30 أبريل (نيسان) المنصرم في مقر وزارة الدفاع الإسرائيلية إن: «إيران نقلت برنامج الأسلحة النووية إلى موقع سري، إيران تمتلك خمسة مواقع لاختبار الأسلحة الكيماوية، وحصلنا على مئات الوثائق الأصلية الإيرانية التي تكشف تصنيع السلاح النووي»، وهو الأمر الذي اعتبرته واشنطن تفاصيل جديدة ومقنعة حول جهود إيران لتطوير صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية.

عدة خيارات أمام إيران

«إذا أرادوا التأكد من أننا لا نسعى لامتلاك قنبلة نووية؛ فقد قلنا لهم مرارًا وتكرارًا إننا لا نسعى ولن نسعى… لكن إذا ما أرادوا إضعاف إيران والحد من نفوذها سواء في المنطقة أو العالم؛ فستقاوم إيران بضراوة»، هذا ما قاله الرئيس الإيراني «حسن روحاني» وهو يهدد الولايات المتحدة في حال قررت الانسحاب من الاتفاق النووي.

الرئيس الإيراني، حسن روحاني

فيما قال وزير الخارجية الإيراني «محمد جواد ظريف» في أبريل الماضي: «لدينا عدة خيارات، وجميع هذه الخيارات جاهزة، ومن بينها خيارات تشمل استئناف أنشطتنا النووية بمعدل أسرع بكثير». وبدءًا بخيار بقاء إيران بعد انسحاب الولايات المتحدة، فإنه مع النظر إلى الموقف الأوروبي المتذبذب، والمعني بنيل رضا الأمريكيين أكثر من إيران، فقد تختار إيران البقاء في الاتفاق مستحضرة ارتفاع نسق الاشتباك العسكري مع إسرائيل في الساحة السورية، ورغبة منها في الحفاظ على الحد الأدنى من المصالح الاقتصادية مع بقية رعاة الاتفاق، وذلك على مبدأ الاحتماء بمظلة الاتفاق شكلًا للحد من الضرر في ظل تحولات المجتمع الدولي العنيفة.

لكن يبقى خيار انسحاب إيران من الاتفاق في حال انسحبت واشنطن منه قائمًا وبقوة، رغم أن بقاءها يمثل فرصة سانحة لإيران بأن تظهر ملتزمة بالاتفاقيات الدولية، وتقدم نفسها على أنها الطرف الذي يمتثل للقانون الدولي، لكن المحللين يستبعدون أن يستغل صناع القرار في طهران ذلك، وقد يعود ذلك إلى قناعة طهران بعدم جدوى بقائها كما يوضح أستاذ العلوم السياسية في جامعة طباطبائي «مسعود أسد الله»؛ فيقول: «أي تنازل سيشد إيران لتنازلات أخرى لا نهاية لها، وإيران تدرك أن الأوروبيين لا يستطيعون فعل شيء أمام واشنطن؛ لذلك لا يوجد فائدة من بقاء إيران بعد الخروج الأمريكي».

تجربة إيرانية على إطلاق صاروخ بالستي يوم 9 مارس (آذار) 2016 (المصدر: رويترز)

وقد يدفع إنهاء الاتفاق النووي إيران إلى العودة لتخصيب اليورانيوم، على مستوى قبل الاتفاق (20%)، وهو ما يعنى أن الطرفين قد يتحركان باتجاه مواجهة ما، ربما تكون مواجهة عسكرية، كما أن من ضمن الخيارات انسحاب طهران من معاهدة تهدف إلى منع انتشار الأسلحة النووية، فقد أكدت إيران أن منظمة الطاقة الذرية الإيرانية مستعدة للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، فالإيرانيون سيصبح بإمكانهم إعادة تفعيل برنامجهم النووي مع وقوف روسيا والصين بجانبهم، خاصةً أن إيران تملك من القدرات الصاروخية ما يؤهلها لذلك.

جميع الخيارات «سيئة» لإيران

إن خيارات إيران المحدودة أيًّا كانت فهي ذات كلفة مرتفعة عليها، ففي حال اختارت الذهاب إلى رفع نسب تخصيب اليورانيوم، أو تشكيل تحالفات إسلامية، أو التحالف مع روسيا والصين، فإن مصالح جميع الأطراف مع واشنطن أكبر من حسابات مصالحها مع إيران، فالمصالح الاقتصادية لهذه الأطراف مع إيران تتعلق بما نسبته 90% من العقوبات، وهي عقوبات مرتبطة بأمريكا.

والاتفاق ذاته بعد خروج واشطن منه لا يملك مقومات تؤهله للاستمرار، لكون الطرف الأوروبي مرتبطًا بالموقف الأمريكي، أما في حالة تمكن الأوروبيين من إقناع واشنطن بعد انسحابها أنهم سيعملون على إقناع الإيرانيين بقضاء مدة الثماني سنوات المنصوص عليها في الاتفاق، فذلك أمر مرفوض من الإيرانيين.

يقول مدير مركز بيسان للدراسات العربية والإيرانية «محمد المذحجي» إن خيارات إيران للرد على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي ضيقة ومحدودة للغاية، لعدة أسباب أهمها كما يقول: «إذا نفذت إيران تهديداتها بتخصيب اليورانيوم إلى نسب أعلى من النسبة المسموح بها في الاتفاق النووي، فستخسر دعم الدول الأوروبية لها، ودون دعم أوروبا لا يمكن لإيران أن تتغلب على العقوبات الأمريكية، خاصةً في ما يتعلق بالقيود البنكية، وأعلنت طهران قبل ما يقارب أسبوعين أنها اعتمدت اليورو بدلًا من الدولار في تعاملاتها الاقتصادية والتجارية مع باقي الدول في العالم».

أما إذا حاولت طهران الانسحاب من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة (أن بي تي)، فتداعيات ذلك ستكون أصعب عليها، لأن الإدارة الأمريكية ستبحث عن المزيد من التصعيد مع إيران، لتوصل الحالة معها إلى ما وصلت إليه مع كوريا الشمالية، التي أرغمتها على الجلوس على طاولة مفاوضات جديدة، والقبول بشرط نزع السلاح النووي في كوريا، حسب «المذحجي» الذي أكمل قائلًا لـ«ساسة بوست»: «وبالنسبة لخيار انسحاب إيران من الاتفاق النووي بشكل نهائي، فهذا الخيار هو الأسوأ بالنسبة لطهران تحت الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها البلاد، وأساسًا واقفت إيران على الاتفاق النووي للتخلص من العقوبات، كما صرح بذلك المرشد الأعلى الإيراني مرات عديدة».

وزير الخارجية الإيراني

كما أنه في حال اختارت إيران الانسحاب المماثل سوف تتعرض لمزيد من الضغوط، وبعضها قد يتطور إلى ضغوط عسكرية أو ضغوط في مناطق نفوذها، فخروج إيران من الاتفاق عقب خروج واشنطن له تبعاته على المنطقة التي تشهد في الأساس حروبًا، فطهران الحاضرة بقوة في الحروب بالوكالة في اليمن وسوريا، وحاضرة سياسيًّا في لبنان والعراق، في مقابل الولايات المتحدة وحلفائها، قد تصبح أكثر حرية في حركتها الميدانية في حال تحررها من الاتفاق، وهو ما سيعني دورًا أكبر للحرس الثوري الإيراني في إدارة المواجهة، وبالتالي مواجهة مع العالم الرافض هذا الدور.

في المحصلة تبدو كل الخيارات سيئة لإيران، فدخول إيران في أزمة اقتصادية بعد إلغاء الاتفاق سيؤثر فيها وفي المنطقة وفي حلفائها، أما الدخول في المواجهة عسكرية فربما يؤدي إلى حرب في المنطقة التي تعاني من حروب ومشاكل قائمة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد