ما الذي تقوله أحداث العراق الأخيرة على مستوى السياسات الخارجية؟ بالطبع تأتي الأحداث لتكشف عن مساحات هامة تتعلق بالعلاقات بين دول المنطقة وأولويات سياساتها الخارجية، تبدو السعودية خارج المشهد بينما يتزايد النفوذ الإيراني ليصبح أمرًا واقعًا يجعل الولايات المتحدة مضطرة للقبول به والتعامل معه، كما تبدو في الأفق بوادر تحالف إقليمي برعاية أمريكية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”.

خروج المملكة العربية السعودية من دائرة الاهتمام الأمريكي

تبدو السعودية غائبة تمامًا عن المشهد في العراق، بينما تترك الساحة خالية لغريمتها التقليدية إيران، فالخيارات في العراق بالنسبة للسعودية أحلاها مر والمشهد بكل تداعياته سلبي من وجهة النظر السعودية، فإما أن تلقي بثقلها حول حركة العشائر المدعومة من تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” الذي تعتبره السعودية ممثلًا للإسلام المتطرف، أو أن تدعم المالكي وبالتالي إيران، تكتفي السعودية علنيًا بتصريحات مقتضبة تحذر من الحرب الأهلية، وعلى الأرض ربما تحاول أن تجد لها مخرجًا للتحاور مع الأطراف السنية بعيدًا عن الدولة الإسلامية.

من جانبها يبدو أن الولايات المتحدة قد اقتعنت أن السعودية ليست ركيزتها المثلى في المنطقة في الفترة الحالية، وبخاصة بعد أن ورطتها السياسة السعودية في سوريا وأسهمت في زيادة نفوذ جماعات تراها الولايات المتحدة متطرفة كداعش وجبهة النصرة، وهو الأمر الذي تسبب في إقالة رئيس الاستخبارات السعودي بندر بن سلطان، كذلك تراجعت أهمية النفط السعودي بشكل كبير بالنسبة للولايات المتحدة إضافة إلى الجمود السياسي الذي تحياه المملكة والذي يسبب حرجًا للولايات المتحدة، لذا في الفترة الحالية يمكننا أن نقول أن السعودية تحتاج للولايات المتحدة أكثر بكثير من احتياج الولايات المتحدة للسعودية وأن الولايات المتحدة قد بدأت تدير ظهرها للسعودية تدريجيًّا.

العراق: قفزة جديدة في العلاقات الأمريكية الإيرانية، والإطاحة بالمالكي واردة

نشرت صحيفة الجارديان البريطانية أمس الأربعاء افتتاحية تحت عنوان “رفقاء غريبون” تناولت خلالها التنسيق الأمريكى الإيراني بخصوص الملف العراقي، وأضافت الصحيفة: “لو قال أحد العام الماضي إن الولايات المتحدة وإيران تتعاون لمواجهة أزمة دولية لاعتبر معتوهًا، ولا تجب المبالغة بمستوى التعاون لكن مصلحة مشتركة برزت بسبب تهديد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام”.
ووفقًا للصحيفة فمن اللممكن أن ينظر للعراق كبيت بناه الأمريكيون، ولكن ليس بطريقة جيدة، واستلمه الإيرانيون واحتلوا جزءًا منه، وكذلك ليس بطريقة جيدة، فلا طهران ولا واشنطن ترغبان برؤية البيت ينهار بشكل كامل، وبآثار خطيرة ليس على العراق ولكن على المنطقة بشكل عام، ومن هنا فمن المنطقي أن يعملا معًا لإصلاحه ومنعه من الانهيار، وحتى فتح الطريق أمام تسوية في سوريا، واحتواء فعال للجهاديين، وتخفيض مستوى المواجهة بين السنة والشيعة في منطقة الشرق الأوسط.
ووفقًا للصحيفة فكلا البلدين “أمريكا وإيران” لا ترغبان في تورط عسكري مباشر ويميلان أكثر لتسويات سياسية تتعلق بشكل أكبر برئيس الوزراء نوري المالكي الذي وصفته الصحيفة بالكارثة التي لم تعد مرغوبة من الطرفين.

التنسيق الأمريكي الإيراني المنتظر لن يتعلق فقط بالملف العراقي بل ربما يتعلق بشكل أكبر بسوريا، حيث تأمل الولايات المتدة أن تتوسط طهران نحومشروع لإعادة تأهيل النظام السوري وتقديم بعض التنازلات لأجل احتواء الأزمة السورية، ويبدو أن الولايات المتحدة تتجه للرهان على إيران أيضًا في سوريا بعد فشل رهانها على السعودية.

حرب إقليمية ضد داعش

يتعمد المالكي وحلفاؤه تصدير داعش كواجهة للحراك السني ضد حكومته من أجل الاستفادة من الدعم الدولي تحت ما إطار ما يسمى بالحرب على الإرهاب، وهوما يبدو أن الولايات المتحدة في اتجاهها لأن تفعله بالفعل عبر دعم حرب بالوكالة ضد تنظيم “داعش” من خلال الجيش العراقي وبعض كتاب الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية وربما البيشماركة الكردية – كما جاء في فورين بوليسي – بينما يتزايد التصعيد الإعلامي ضد الدولة الإسلامية في مصر والأردن، بل يتكهن البعض أن قرار الحكومة التركية برفع جبهة النصرة من قوائم الإرهاب – بعد أقل من أسبوعين على إدراجها – و قرار الحكومة الأردنية الإفراج عن منظر التيار السلفي الجهادي الأردني عصام البرقاوي الملقب “أبو محمد المقدسي” بعد انتهاء فترة محكوميته في سياق رغبة الحكومة لاستغلال موقف المقدسي المناوئ لداعش من أجل شن حرب فكرية ضدها.

يذكر أن “المقدسي”  قد سرّب من سجنه عدة رسائل هاجم فيها “داعش”، وطالب برفع الغطاء الشرعي عنها، ودعا مقاتليها إلى الانضمام إلى “جبهة النصرة” التي يتزعمها أبو محمد الجولاني. ومن المتوقع أن يحدث الإفراج عن “المقدسي” جدلًا واسعًا داخل تنظيم القاعدة، الذي يشهد صراعًا بين زعيم التنظيم أيمن الظواهري المؤيد لجبهة النصرة، وجناح أبي بكر البغدادي الذي يتزعم تنظيم “داعش”

الحرب على داعش تعزز من وضع الأسد الإقليمي

يبدوالرئيس السورى بشار الأسد – المنتخب مؤخرًا لولاية ثالثة في انتخابات أجريت تحت القصف – أحد أكبر المستفيدين من التحالف الإقليمي المنتظر ضد “داعش”، ورغم أن الأسد متهم من أكثر من جهة باختراق فرع التنظيم في سوريا والاستفادة منه في تعميق الاقتتال الداخلي في صفوف المعارضة، إلا أن الأسد يستفيد – وبوجه آخر- من تقديم داعش كأبرز الوجوه المقاتلة ضده من أجل رفع غطاء الدعم الدولي عن المعارضة السورية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد