منذ انطلاق أعمال مؤتمر إعادة إعمار العراق في 12 فبراير (شباط) الجاري، كانت بغداد تأمل في الخروج من هذا المؤتمر بما لا يقل عن 100 مليار دولار، سواء في صورة تعهدات من المانحين أو المستثمرين، وهذا المبلغ هو التكلفة المقدرة من جانب الحكومة العراقية لإعادة الإعمار بعد الحرب، خاصة أن قطاع الإسكان وحده يحتاج إلى 20 مليار دولار بشكل عاجل، لكن لم تتحقق 50% حتى من آمال الحكومة، إذ أسدل الستار على المؤتمر والنتيجة هي جمع 30% فقط من المبلغ الذي كانت تحتاج إليه البلاد، وهو الأمر الذي يصفه البعض بالفشل.

وعلى مدار الأيام الثلاثة التي عقد بها مؤتمر الكويت لإعادة إعمار العراق، بلغت تعهدات الدول المشاركة نحو 30 مليار دولار، وجاءت المساعدات على شكل قروض وتسهيلات ائتمانية، بالإضافة إلى بعض الاستثمارات في البنية التحتية، وذلك في الوقت الذي كان يأمل العراق فيه أن يحصل على تعهدات بنحو 88 مليار دولار في نهاية المؤتمر، إذ كان أول رد من وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري على نتائج المؤتمر هو: «كنا نأمل بمبلغ أكبر».

Embed from Getty Images

ويؤكد المحللون أن هذا الرقم متواضع جدًا مقارنة مع الزخم الإعلامي الواسع حول المؤتمر، بالإضافة إلى مشاركة نحو 76 دولة ومنظمة إقليمية ودولية و51 من الصناديق التنموية ومؤسسات مالية إقليمية ودولية، و107 منظمات محلية وإقليمية ودولية من المنظمات غير الحكومية و1850 جهة مختصة من ممثلي القطاع الخاص.

وجاءت أبرز مساهمة من تركيا والتي أعلنت عن تخصيص 5 مليارات دولار، ثم مليار دولار من السعودية، فيما أعلنت قطر عن تقديم حزمة من القروض والاستثمارات بمليار دولار، بينما قالت بريطانيا إنها ستمنح العراق تسهيلات ائتمانية في مجال الصادرات تصل إلى مليار دولار سنويًا ولمدة 10 أعوام، وجاءت مساهمة الكويت – البلد المنظم للمؤتمر – بتخصيص ملياري دولار، كما تم توقيع اتفاقية بين مصرف التجارة الخارجية الأمريكي والعراق لتقديم قروض بقيمة 3 مليارات دولار، وسيقدم الاتحاد الأوروبي 400 مليون دولار على شكل مساعدات إنسانية، بالإضافة إلى تعهدات من منظمات غير حكومية بمساعدات بقيمة 330 مليون دولار.

اقرأ أيضًا:

وبعيدًا عن فشل تحقيق أهداف المؤتمر في صورتها الكلية، وعدم قدرة بغداد على جمع تكلفة إعادة الإعمار، يجب أن نسأل هنا، هل ستتمكن بغداد من تحقيق استفادة اقتصادية حقيقية من الأموال التي حصلت عليها، أم أن هناك أسبابًا تجعل مفاسد هذه الأموال أكثر من منافعها؟ وهذا ما سنحاول التعرف عليه خلال السطور القادمة، وذلك بالطبع في حال فرضنا أن الدول المانحة وشركات الاستثمار ستفي بوعودها التي قدمتها خلال المؤتمر.

الديون.. أموال إعادة الإعمار ورطة جديدة

المتابع للمؤتمر يجد أن أغلب الـ30 مليار دولار التي حصدتها العراق خلال المؤتمر هي عبارة عن قروض، فأمريكا وحدها وقعت اتفاق قرض بقيمة 3 مليارات دولار، بينما تشير التقديرات إلى أن نسبة المنح والمساعدات لا تتجاوز الـ10% فقط من المبلغ، بينما تمثل الـ90% الأخرى قروضًا ووعودًا بالاستثمار، وفي الواقع تركيبة هذه المساعدات تشكل ورطة اقتصادية كبيرة تقع بها بغداد إذ إن البلاد تواصل تحطيم أرقام الديون، كما أن هذه الديون أحد العوائق أمام التنمية وزيادتها تضر الاقتصاد أكثر مما تفيده، خاصة إذ كان إنفاق هذه الديون استهلاكيًا لا يدر عائدًا على العراق.

وخلال الأشهر الأخيرة تضاعفت الديون في العراق إذ اقتربت من 120 مليار دولار، وهو رقم سيجعل مقدرات العراق النفطية لسنوات طويلة تحت رهن البنوك والدول الدائنة بسبب الفوائد الكبيرة لهذه الديون، وعلى المستوى الرسمي ترفض الحكومة العراقية الإفصاح عن حجم الديون بشكل رسمي، كما ترفض كذلك الأرقام الصادرة عن المؤسسات المالية العالمية.

Embed from Getty Images

بينما تشير التقديرات إلى أن نسبة الديون الخارجية تقترب من الـ70% من إجمالي الديون العراقية، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تصل ديون العراق مع نهاية العام الحالي إلى 130 مليار دولار، وهذه الأرقام توضح أن خيار الاستدانة ليس الخيار الأفضل لإعمار العراق، لأن هذه الديون ستصنع أزمة أكبر من الفوائد التي ستحصل عليها البلاد من خلالها، لتصبح هذه الديون نقمة على الاقتصاد.

الفساد.. مخاوف من دخول أموال الإعمار في الدوامة نفسها

مافيا الفساد أقوى من تنظيم الدولة، الفاسدون موجودون في كل مفاصل العراق – رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي.

ربما لا يترك رئيس الوزراء العراقي مناسبة إلا ويتحدث عن الفساد في بلاده ودائمًا ما يعد بحملة قوية ستقتلع جذور الفساد في العراق، وفي الغالب لا يحدث أيٍ من هذه الوعود، فالعراق ما زال يحتل المرتبة الـ166 من بين 176 دولة على لائحة البلدان الأكثر فسادًا، بحسب آخر قائمة أصدرتها منظمة الشفافية الدولية، ويختلف الفساد في العراق عن أي دولة أخرى كونه فسادًا مؤسسيًا، وهذا ما يبرر هجوم الكويتيين على بعض الجمعيات الخيرية التي أعلنت تبرعها لبرنامج إعادة إعمار العراق عبر هاشتاج «#مقاطعة_الجمعيات_الخيرية».

 

Embed from Getty Images

اقرأ أيضًا: بعد مرور 14 عامًا على «إعادة إعمار العراق».. أين ذهب التريليون دولار؟

وفي هذا السياق يقول الكاتب الكويتي، مفرج الدوسري، خلال مقال له في صحيفة الوطن الكويتية بعنوان «إعمار جيوب لصوص العراق»: «لو أيقنا بأن الأموال التي ستجمع ستذهب للشعب العراقي الشقيق ما اعترضنا بحرف، ولكن كلنا يعلم أن 80% من هذه الأموال سيسمع بها الشعب العراقي ولن يراها، وستذهب إلى أرصدة الأحزاب والكتل والمرتزقة لشراء السلاح والولاءات»، وهذا تعقيبًا على المساهمة الكويتية في إعمار العراق.

اقرأ أيضًا:

يرى مصطفى عبد السلام، رئيس قسم الاقتصاد بصحيفة «العربي الجديد»، يرى من جانبه، أن «العراق لم يكن بحاجة لمؤتمر للمانحين الدوليين يتم في نهايته الإعلان عن تقديم منح ومساعدات وقروض واستثمارات، ولكن العراق في حاجة فقط لإغلاق «صنبور» الفساد المالي الذي يقوم به عدد من النافذين في البلاد خاصة من الطبقة الحاكمة، وأكبر دليل على ذلك الأموال التي نهبها رئيس الوزراء السابق ونائب رئيس الجمهورية الحالي نور المالكي والتي تقدر بمليارات الدولارات، وكذا المليارات التي تم نهبها منذ الاحتلال الأمريكي للبلاد في 2003، وما تلاها من سيطرة اقتصادية وسياسية ومالية لإيران على البلاد ومقراتها وثرواتها».

وتابع «عبد السلام» خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أنه من العيب أن نتحدث عن مؤتمر مانحين لدولة تعد ثاني أكبر منتج للنفط في المنطقة، حيث يقدر إنتاجها اليومي بنحو 5 ملايين برميل، وهذا الإنتاج يدر على البلاد ما يزيد على 300 مليون دولار يوميًا، وهو مبلغ كافٍ لسد احتياجات المواطنين إذا أحسن استغلالها وبعدت يد الفساد عنها.

Embed from Getty Images

عمومًا يقوض شبح الفساد أي فوائد قد يحصل عليها الاقتصاد من خلال الأموال التي أعلنت خلال المؤتمر، بل إن الحديث عن الفساد وصل إلى المؤتمر ذاته، إذ قال النائب البرلماني السابق، وثاب شاكر: «إنّ المبالغ التي صرفت على الوفد العراقي المشارك في المؤتمر كبيرة جدًا، متهمًا بعض أعضاء الوفد بإجراء صفقات تجارية شخصية»، وهذا الأمر يجعل من الصعب الحديث عن فوائد حقيقية من هذه الأموال التي ربما ستدخل في دوامة الفساد في وقت يتهم المحللون الحكومة بعدم جديتها في محاربة الفساد.

سوء التخطيط.. الأماكن الأكثر تضررًا الأقل استفادة

العراق مفتوح للمستثمرين.

كانت تلك رسالة رئيس الهيئة الوطنية للاستثمار في العراق، سامي الأعرجي، أمام ممثلين عن شركات في القطاع الخاص خلال مؤتمر إعادة الإعمار، ولكن بنهاية المؤتمر تشير الأرقام إلى أن المستثمرين ربما لم يقتنعوا كثيرًا بهذه الجملة، إذ إن الجميع كان يبحث عن القطاعات الآمنة رغم أن العراق عرض فرصًا للاستثمار في أغلب القطاعات، من الزراعة إلى النفط، بواقع 212 مشروعًا، إلا أن نصيب المدن التي تضررت أكثر من الحرب من المشروعات يكاد يكون معدومًا، بينما هيمنت العاصمة بغداد على النصيب الأكبر.

بينما حذر وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، من أن جميع المدن التي تعرضت للتدمير في أثناء الحرب يهدد عدم الإسراع بإعمارها بظهور تطرف جديد، فيما تشير التقديرات إلى وجود نحو مليوني ونصف مليون عراقي ما زالوا مشردين، وذلك لأن المناطق التي ينتمون إليها لم يُعَد إعمارها حتى الآن، إذ إن مدينة الموصل على سبيل المثال ما زال أكثر من نصف أحيائها غير مأهول بالسكان، ولا تشير نتائج المؤتمر إلى تحسن متوقع في هذا الوضع، خاصة أنه بحسب أرقام الحكومة العراقية فقد دُمر 70 ألف منزل بشكل كامل وبلغ مجموع المباني المتضررة حوالي 140 ألف مبنى.

Embed from Getty Images

وعلى الجانب الآخر، تنوعت المشاريع التي تحدثت عنها الحكومة بين بناء مصافي النفط، والمساكن، ومحطات الطاقة، والمطارات، وسكك الحديد، والقطارات والطرق، بالإضافة إلى نية العراق إقامة أربع مناطق حرة خلال السنوات العشر المقبلة، لتحصل معظم هذه القطاعات على الاستثمارات المنتظرة، وحصل قطاع النفط على النصيب الأكبر، وهو ما يشير إلى استمرار نفس المشاكل الاقتصادية الهيكلية في الاقتصاد.

اقرأ أيضًا:

وغاب الحديث عن المشروعات الصغيرة خلال المؤتمر بالرغم من أنها أحد أهم الحلول التي يحتاج إليها الاقتصاد العراقي الذي يعاني من نسبة بطالة مرتفعة، كما لم تُفِد الإغراءات التي أعلنت عنها الحكومة من إعفاء المستثمرين من ضريبة الدخل لفترة بين 10 و15 سنة، إذ لم تكن مثل هذه الإغراءات قادرة على تحفيز المستثمرين على مواجهة مخاطر الاستثمار الكبيرة في العراق، وهو بالطبع ما يعد فشلًا في عرض مشروعات تناسب المستثمرين.

وتعزز الأسباب السابقة تخوف الدول المانحة من دخول العراق، وهو الأمر الذي قد يدفعها إلى الإحجام عن التبرع بالأموال اللازمة للإعمار، والدخول بدلًا من ذلك في تنفيذ مشاريع استثمارية عملاقة، وهو ما سيؤدي إلى تأخير إعادة الإعمار، وتنفيذ مشاريع البنى التحتية من مستشفيات وطرق ومدارس وغيرها، التي تحتاجها البلاد بشكل عاجل من أجل عودة النازحين، لكن في النهاية يبقى العراق ملزمًا بتوفير البيئة الأمنية المناسبة، وهو تحدٍّ آخر يعقد المعادلة في ظل صراع انتخابي على الأبواب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد