مظاهرات العراق هذه المرة هي الأولى من نوعها التي يخرج فيها العراقيون بهذا الحجم دون أي غطاء سياسي أو حزبي أو ديني، مظاهرات دُعِي لها في الأسبوع الأخير من سبتمبر (أيلول) الماضي ليكون يوم الثلاثاء الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري أول يوم لها. يحاول هذا التقرير من ميدان المظاهرات أن ينقل حقيقة ما يجري في مظاهرات العراق الشعبية المناوئة للحكومة.

مظاهرات العراق.. غضب شعبي وتصعيد متزايد

«لن نعود، لن يضحك علينا أحد، استعبدنا لـ16 عامًا وآن أوان الخلاص»، بهذه الكلمات تحدث علي حسين أحد متظاهري ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد لـ«ساسة بوست».

حسين الذي يبلغ من العمر 28 عامًا خرج للتظاهر في ساحة التحرير قادمًا من حي الشعب شرقي بغداد (ذي الأغلبية الشيعية)، مشيرًا إلى أن الشباب لن يعودوا إلى منازلهم قبل الإطاحة بالنظام السياسي الحالي الذي سرق مئات مليارات الدولارات من قوت الشعب، بحسبه.

العراق الحزين.. كيف شكلت المآسي شخصية العراقيين عبر مئات السنين؟

حال حسين هو حال مئات المتظاهرين الذين لا يزالون يملؤون شوارع العاصمة العراقية بغداد وكثيرًا من محافظات الوسط والجنوب العراقي، في مظاهرات تعد الأشمل والأوسع والأعنف على مستوى العراق منذ الغزو الأمريكي عام 2003 الذي أطاح نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين.

عنف مفرط منذ بدء مظاهرات العراق

على غير العادة، فقد جوبهت مظاهرات العراق هذه المرة بالعنف والقوة منذ اللحظات الأولى لخروجها بحسب الخبير الأمني العراقي حسن العبيدي، الذي يؤكد لـ«ساسة بوست» أن الحكومة العراقية استشعرت خطرًا كبيرًا من هذه المظاهرات، إذ أنه لا قيادة معروفة لها ولا مطالب واضحة ولا تنسيقيات تنظم حركة المتظاهرين.

العبيدي أشار إلى تخوف كبير لدى الأحزاب والكتل السياسية في العراق من شتى التوجهات، إذ تخشى هذه الأحزاب من الإطاحة بالنظام السياسي الحالي وفقدان جميع المكتسبات التي حققوها خلال السنوات الماضية.

وتعد هذه الاحتجاجات أكبر تحد لرئيس الوزراء عادل عبد المهدي بعد عام من توليه قيادة الحكومة في 15 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وتختلف هذه المظاهرات عن سابقاتها بحسب العبيدي في أن المظاهرات السابقة كانت مدعومة من التيار الصدري الذي يتزعمه رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، إلا أن هذه المظاهرات لم تحظ بأي دعم سياسي حزبي، وبالتالي يخشى ساسة المنطقة الخضراء من هذا التحرك الذي قد يطيح النظام السياسي الحالي، بحسبه.

مصدر في قيادة شرطة بغداد فضل عدم الكشف عن هويته، أوضح في حديثه لـ«ساسة بوست» أن الأوامر التي صدرت من وزير الداخلية تفيد بحماية الممتلكات العامة والخاصة ومحاولة تجنب الاصطدام مع المتظاهرين، مشيرًا إلى أنه ليس هناك من ضامن لعدم حصول أي تطورات لاحقة، بحسبه.

صعوبات بالغة تواجه وسائل الإعلام العراقية والأجنبية في الوصول إلى مصادر المعلومات، إذ يقول الصحفي من محافظة بغداد أحمد المولى في حديثه لـ«ساسة بوست» إن الصحافيين يعاملون في الشارع وفي المظاهرات معاملة المتظاهرين، مضيفًا: «من يشاهد ومعه كاميرا أو معدات تصوير سيكون عرضة للاستهداف، الآن وفي هذه المظاهرات باتت الهواتف النقالة خير وسيلة لنقل ما يجري من أحداث مع صعوبة كبيرة في إيصال المواد المصورة إلى القنوات، بسبب تعطيل شبكة الإنترنت ومن كافة مصادرها».

«ساسة بوست» حاول مرارًا التواصل مع المتحدث باسم وزارة الصحة العراقية سيف البدر إلا أن جميع الاتصالات لم يرد عليها، وهذا الحال ينطبق على جميع المسؤولين والنواب في البرلمان العراقي، إذ إن أغلب هواتف المسؤولين إما مغلقة أو لا يتم الرد على الاتصالات الواردة إليهم.

إلا أن مصادر طبية في بغداد تؤكد أن عدد القتلى ارتفع إلى 31 شخصًا فضلًا عن إصابة ما لا يقل عن 1100 آخرين نتيجة تعرضهم لإطلاق نار مباشر من قبل القوات الأمنية وشرطة مكافحة الشغب.

تعتيم كامل وحراك في الجنوب

لم تمض 24 ساعة على انطلاق شرارة المظاهرات في بغداد، حتى بدأت المظاهرات تعم شوارع عدة محافظات عراقية في الوسط والجنوب، إذ شهدت محافظات النجف وميسان والبصرة وذي قار إحراق المتظاهرين لعدد من مقرات الأحزاب الإسلامية والفصائل المسلحة المنضوية ضمن «الحشد الشعبي».

ونتيجة للغليان الشعبي، وفي خطوة تحاول من خلالها الحكومة العراقية احتواء المتظاهرات والحد من الدعوات التي تدعو لخروج المزيد منها، عمدت وزارة الاتصالات إلى قطع خدمة الإنترنت عن جميع المحافظات العراقية الـ15 باستنثاء محافظات إقليم كردستان (شمالي العراق).

أكد موقع «NetBLOCKS» المختص بمتابعة خدمة الإنترنت عبر العالم أن السلطات العراقية حجبت منذ ظهيرة يوم الأربعاء الثاني من أكتوبر جميع وسائل التواصل الاجتماعي من فيسبوك وتويتر ويوتيوب وإنستجرام وغيره، ثم عمدت الحكومة بعد ذلك إلى قطع خدمة الإنترنت بشكل كامل ليل الأربعاء، لتعود الخدمة جزئيًّا فجر الجمعة وبصورة متقطعة مع استمرار الحجب.

سخرية من الوعود الحكومية

بعد مضي أكثر من 36 ساعة على انطلاق شرارة مظاهرات العراق، خرج رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في خطاب متلفز فجر اليوم الجمعة، إذ أشار كثير من المحللين السياسيين إلى أن هذا الخطاب سيصب مزيدًا من الزيت على النار المشتعلة في الشارع العراقي.

المحلل السياسي العراقي رياض الزبيدي أشار إلى أنه وبعد طول انتظار، جاء خطاب عبد المهدي ليكون بعيدًا كل البعد عن أي تطلع شعبي، بعد أن رجح الكثيرون – بحسب الزبيدي- تقديم استقالته خلال الخطاب.

ويرى الزبيدي أن خطاب عبد المهدي الذي لم يشر فيه إلى الأرواح التي أزهقت خلال التظاهرات، فضلًا عن عدم حثه الأجهزة الأمنية على عدم استخدام العنف، يعد مؤشرًا على أن القمع بحق المتظاهرين سيتصاعد خلال الساعات القادمة، وكل شيء متوقع خلال الساعات القادمة.

تمتد المظاهرات العراقية في مختلف المحافظات باستثناء المحافظات الشمالية والغربية التي كانت تقبع تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» إذ إن محافظات نينوى وكركوك وصلاح الدين والأنبار لم تشهد أي مظاهرات مناوئة للحكومة حتى الآن.

وفي السياق، يرى الكثير من الناشطين والصحفيين أن أوضاع المحافظات الشمالية والغربية لا تسمح بخروج أي مظاهرات شعبية؛ الصحفي جمال البدراني من الموصل يقول في حديثه لـ«ساسة بوست» إن مدينة الموصل وبقية المدن التي تعرضت لحرب ضارية بين القوات العراقية ومقاتلي تنظيم الدولة (داعش) قد نالت نصيبها من الدمار لخمسين عامًا قادمة.

البدراني لفت إلى أنه وفي حال خروج أي متظاهر في هذه المحافظات، فإن الحكومة والمسؤولين سيتهمون هذه المظاهرات بالبعثية والداعشية، وبالتالي فإن أي خروج في مظاهرات في هذه المناطق سيكون خطأ فادحًا، بحسبه.

وحتى الانتهاء من كتابة هذا التقرير ما زالت تستمر مظاهرات العراق الشعبية في بغداد وعدد من المحافظات الوسطى والجنوبية، في ظل توقعات بتوسعها مع حلول ساعات مساء اليوم الجمعة.

كان العالم العربي سيتغير جذريًّا.. 5 أشياء كانت لتحدث لو لم تغز العراق الكويت!

المصادر

عرض التعليقات