أمضى جاسم عباس الشهور القليلة الماضية وهو ينام على أرضية أحد المساجد، والذي أصبح مخيمًا للاجئين وغزاه وباء الجرب. لكنه يرفض العودة إلى مدينته الموصل الواقعة شمال العراق حتى إذا تم تحريرها من تنظيم الدولة الإسلامية يومًا ما.

تسلط أسبابه الضوء على مدى الانقسام الذي أصبح عليه العراق، وكيف أنه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، توحيد البلاد كما كانت من قبل.

فبعد مرور أكثر من عقد من المذابح المميتة التي تلت الغزو الأمريكي في عام 2003، استنتج العديد من العراقيين أن التعايش المشترك في العراق ما عاد ممكنًا، وأن انقسام البلاد إلى ثلاث دويلات ربما يكون البديل الوحيد المتبقي القابل للتطبيق.

كان السيد عباس، وهو عراقي شيعي، قد فرّ الصيف الماضي إلى المناطق التي تحميها الميليشيات الكردية، وذلك بعد أن سيطر تنظيم الدولة سريعًا على مدينة الموصل ذات الأغلبية السنية، وخيّر الشيعة بين ترك مذهبهم والتحول إلى المذهب السنيّ أو الموت. بعد ذلك بأسابيع قليلة، وبعد أن فر الأكراد من هجوم آخر لتنظيم الدولة، فرّ السيد عباس وأكثر من مائة شخص من جيرانه وأقاربه لإنقاذ حياتهم مجددًا، واستقروا أخيرًا بين رفقائهم الشيعة في مدينة كربلاء المقدسة.

يقول عباس: «ستكون هناك دومًا تهديدات بالقتل موجهة ضدنا في الموصل، وقد كنا نتعرض لتلك التهديدات حتى قبل سيطرة تنظيم الدولة على المدينة. لقد ساعد جيراننا تنظيم الدولة في قتلنا، وحتى من لم يشاركوا في القتل لم يفعلوا شيئًا لوقفه، لذا فهم شركاؤهم في ذلك. كيف نعيش معهم مجددًا؟».

إن اليأس الذي يشعر به السيد عباس يمكن ملاحظته على العديد من أتباع الأقلية السنية الذين فروا من منازلهم أيضًا. فهم جزء من النازحين العراقيين الذين يتكاثرون يومًا بعد يوم، والذين يبلغون الآن حوالي مليوني ونصف المليون لاجئ، وهو خمسة أضعاف عددهم في يونيو الماضي، وذلك وفقًا لإحصائيات الأمم المتحدة.

«لقد أتت الميليشيات الشيعية بحجة قتال تنظيم الدولة، لكن ما يحاولون فعله حقًا هو إحداث تغيير ديموغرافي»؛ يقول أحمد الهشماوي، السياسي السني الذي فرّ من بلدة يثرب الواقعة شمال بغداد في نوفمبر الماضي. وهو يتشارك الآن بيتًا صغيرًا في منطقة سنية في العاصمة برفقة 81 فردًا من أقاربه.

كما يقول عبد القاهر السامرائي، عضو مجلس النواب عن مدينة سامراء، أكبر مدينة سنية تقع خارج سيطرة تنظيم الدولة، يقول إنه يسمع يوميًّا عمليات اختطاف وإعدام تنفذها الميليشيات الشيعية التي تسيطر على المنطقة بإحكام. وعند سؤاله عما إذا كان ناخبوه يفضلون تنظيم الدولة، أجاب السيد السامرائي: «أي أحد سيكون أفضل من الجحيم الذي يعيشونه الآن».

على مدى الأسابيع الماضية، تحاول تلك الميليشيات الشيعية التحرك من سامراء إلى داخل تكريت، وهو الهجوم الذي توقف الآن بسبب المقاومة الشرسة. وبسبب التقدم البطيء على جبهات القتال، يصبح انقسام البلاد إلى دويلات ثلاثة حقيقة واقعة.

فحكومة إقليم كردستان، التي مقرها مدينة إربيل، تدير بالفعل دولة مستقلة في كل شيء ما عدا الاسم، وتتحكم في حدودها الخاصة وتحد من دخول العراقيين العرب والسنة الشيعة. كما أن الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم الدولة في الحزام السني لم تحافظ على الاتصالات الهاتفية مع باقي البلاد، وقد أصبح السفر بين تلك المناطق وبغداد مستحيلًا تقريبًا.

وفي العاصمة، تسيطر الحكومة المركزية برئاسة حيدر العبادي على منطقة يغلب عليها الشيعة، حيث تتفوق الميليشيات الشيعية التابعة للأحزاب الدينية على الجيش الوطني الذي بنته الولايات المتحدة، والذي انهار أمام تقدم تنظيم الدولة.

وفي تلك المناطق الثلاثة في البلاد، هناك شعور متنامٍ بأن التعايش المشترك ما عاد ممكنًا، بل وحتى غير مرغوب به.

ساهمت السياسات الطائفية التي اتبعها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في إحداث هذا الانقسام، وصعود تنظيم الدولة، وذلك بإقصاء العديد من العرب السنة والكرد. أما رئيس الوزراء الجديد، حيدر العبادي، فقد تبنى لهجة أكثر اعتدالًا، واعدًا بإنجاز مصالحة وطنية، وحكومة أكثر تعددية. فعقد صفقة على اقتسام عائدات النفط مع الأكراد، وعين شخصية سنية في منصب وزير الدفاع. لكن تحركاته تلك ربما تكون قد تأخرت جدًا.

صرح إياد علاوي نائب الرئيس العراقي: «العراق يمر بمرحلة حاسمة الآن، فإما أن يصلح من نفسه أو -لا سمح الله- سيواجه كارثة عظيمة. هذا آخر ميل سيقطعه العراق».

وبينما فر أعضاء الأقليات غير السنية أو جرى قتلهم على أيدي تنظيم الدولة، تظل مجتمعات سنية كبيرة بعيدة عن أماكنها الأصلية وخاصة في بغداد. كما أن ثمة نزاعًا قائمًا بين الحكومة المركزية والأكراد حول مدينة كركوك الغنية بالنفط.

وقد حذَّر حنين القادو، عضو مجلس النواب عن الكتلة الحاكمة، والذي يمثل أقلية الشوباك العرقية في الموصل التي يقطن معظمها في مخيمات لاجئين أقامتها الحكومة، حذر من اتخاذ أي تحرك من شأنه التعجيل بانقسام العراق ستكون له عواقب كارثية لا يمكن تصورها.

يقول السيد القاد: «إذا قررنا إنشاء دويلات مستقلة، نكون قد انغمسنا في نزاع على الحدود. كيف سنتعامل مع مشكلة الماء؟ وماذا عن الغاز والنفط؟ ربما يتقاتلون لقرون بسبب تلك المشكلات».

واستطرد: «لقد جمع تقدم تنظيم الدولة الفرقاء العراقيين معًا، لكن هذا مؤقت ولن يدوم. المشكلة في العراق هي أنه لا يوجد بيننا سوى القليل من القواسم المشتركة».

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد