تشهد الساحة العراقية حاليًا العديد من المجموعات المسلحة التي تتقاتل فيما بينها من أجل بسط سيطرتها على الساحة العراقية كليًّا أو جزئيًّا، القتال يتضمن بشكل رئيسي صراعًا مسلحًا بين فريقين. الأول هو تنظيم الدولة الإسلامية الذي تمكن من بسط سيطرته على العديد من المناطق والمدن في وسط وغرب العراق، بينما يتمثل الفريق الآخر تقريبًا في كل من يعتبر تنظيم الدولة عدوًا له.

بجانب الجيش العراقي وقوات البشمرغة الكردية، فإن الميليشيات الشيعية تمثل أحد أطراف النزاع والقتال الكبيرة في وجه تنظيم الدولة الإسلامية.

يعود تاريخ بعض الميليشيات الشيعية إلى مرحلة ما قبل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م. عدد آخر من الميليشيات جاء في فترة الأوضاع المضطربة التي عاشتها العراق في مرحلة سقوط نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين؛ مما كان سببًا كافيًا لخروج هذه الميليشيات إلى النور.

تشير تقارير صحفية غربية إلى أن عدد الميليشيات الشيعية يصل إلى أكثر من 50 ميليشيا مسلحة.

الصفات المشتركة لهذه الميليشيات

جميع هذه الميليشيات تتلقى الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

غالبية هذه الميليشيات له تنسيق مع الحكومة المركزية في العاصمة بغداد.

جميع هذه الميليشيات تم إنشاؤها على أساس طائفي مناهض للجماعات الجهادية السنية في لحظة إنشائها أو خلال إحدى مراحل عملها.

كافة هذه الميليشيات تمكنت من جعل نفسها جزءًا لا يتجزأ من هياكل الحكومة العراقية.

جميع هذه الميليشيات تعتبر تنظيم الدولة الإسلامية هو عدوها الأول في العراق، وتقوم بمحاربته بشكل أو بآخر.

أبرز الميليشيات

فيلق بدر

تأسس عام 1981م في العاصمة الإيرانية طهران على يد المجلس الأعلى الإسلامي أو “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية” كما كان يطلق عليه في السابق.

الفيلق تأسس تحديدًا على يد العالم الشيعي محمد باقر الحكيم، الذي تم اغتياله عام 2003م في أعقاب الاحتلال الأمريكي للعراق.

بالطبع فإن الفيلق كان يتلقى الدعم من إيران ويقوم بشن عمليات عسكرية ضد نظام الرئيس السابق صدام حسين.

حاليًا فإن الفيلق يتزعمه وزير النقل السابق والنائب السابق بالبرلمان هادي العامري منذ عام 2002م.

يضم الفيلق حوالي 12 ألف مقاتل في صفوفه معظمهم كان منضمًا في السابق لأحد الأجهزة الأمنية العراقية، بل إن منهم من تولى مناصب قيادية في وزارة الدفاع وجهاز المخابرات العراقية.

في أعقاب انتخابات عام 2010م، انشق هادي العامري عن المجلس الأعلى الإسلامي لينقسم مقاتلو الفيلق ما بين فيلق بدر بزعامة العامري، والمجلس الأعلى الإسلامي بزعامة عمار الحكيم. مع ذلك فإن هناك مؤشرات تدل على ولاء غالبية هؤلاء المقاتلين التابعين للمجلس الإسلامي إلى العامري.

هناك اتهامات عديدة للفيلق بضلوعه في عمليات اغتيال لعدد من ضباط القوات الجوية والطيارين في الجيش العراقي السابق وضد أعضاء من حزب البعث المحظور. كما أن هناك اتهامات للعامري وفيلقه بمحاولة إحداث تغيير ديموغرافي في محافظة ديالى عبر تهجير السكان وحرق المساجد والبيوت.

رئيس الوزراء السابق نوري المالكي كان قد قام عام 2014م بتكليف الفيلق بالإشراف المباشر على العمليات العسكرية في محافظة ديالى ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وذلك في أعقاب سقوط مدينة نينوى في يد تنظيم الدولة.

حاليًا فإن عمليات الفيلق تتركز في محافظة ديالى وهي مسقط رأس زعيم الفيلق هادي العامري.

جدير بالذكر أن عدد من رجال فيلق بدر انتشروا الميليشيات الأخرى حتى أصبحوا من صفوة هذه الميليشيات.

سرايا السلام

هو الاسم الجديد والحالي لجيش المهدي الذي يمثل الجناح المسلح للتيار الصدري بزعامة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر.

تأسس جيش المهدي في شهر سبتمبر 2003م بهدف مقاتلة القوات الأمريكية المحتلة للعراق.

غالبية المنضمين للجيش هم شباب مقلد للزعيم الصدري السابق محمد صادق الصدر الذي تم اغتياله عام 1999م بواسطة حزب البعث، الحزب الحاكم في ذلك الوقت.

تشير بعض المصادر إلى أن عدد المقاتلين في صفوفه يصل إلى 60 ألف مقاتل.

خاض الجيش معارك عديدة ضد قوات الاحتلال الأمريكي كان أبرزهما معركتين من أجل السيطرة على مدينة النجف ومدينة البصرة، لكن جيش المهدي خسرهما وقام بتسليم أسلحته إلى لجنة عراقية أمريكية مشتركة لتخمد نشاطات الجيش في عام 2004م.

في عام 2006م، عاد الجيش للعمل من جديد بعد عملية تفجير مرقدي الإمامين العسكريين في مدينة سامراء التابعة لمحافظة صلاح الدين. هنا خرج الزعيم الشيعي مقتدى الصدر ليقر بوجود عناصر فاسدة داخل جيش المهدي كما أعلن تبرأه من كل عنصر يتورط في قتل أي عراقي.

في عام 2008م، خاض جيش المهدي معارك طويلة ضد القوات الحكومية فيما عرف باسم “صولة الفرسان”.

عام 2009م، أعلن مقتدى الصدر تجميد نشاط الجيش بالكامل وانخراطه في العملية السياسية.

في شهر يونيو 2014م، عاد جيش المهدي للعمل من جديد تحت مسمى “سرايا السلام” في أعقاب تنامي نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية من أجل مهمة حماية المراقد المقدسة. وأعلنت سرايا السلام أنها لا تشارك في العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة، وبخاصة في مدينتي الموصل وتكريت.

التنظيم مسلح بأسلحة ثقيلة وصواريخ قامت إيران بتدعيمه بها.

عصائب أهل الحق

عصائب أهل الحق كانت أحد الفصائل التابعة لجيش المهدي والتي ظهرت بقوة خلال عام 2004م تحت اسم “المجاميع الخاصة” بزعامة قيس الخزعلي وعبد الهادي الدراجي وأكرم الكعبي. هذه المجاميع نشطت بشكل مستقل تمامًا في أعقاب تجميد عمل جيش المهدي.

في عام 2007م، انشق القيادي في التيار الصدري قيس الخزعلي عن التيار، فانضم له آلاف المقاتلين لتتكون ميليشيا عصائب الحق، وتقول تقارير غربية إن هذه الميليشيا تعمل برعاية مباشرة من قاسم سليماني قائد فيلق القدس، وهو فيلق النخبة في الحرس الثوري الإيراني.

بلغ عدد أفرادها 3 آلاف مقاتل عند تأسيسها، ارتفع مؤخرًا إلى حوالي 10 آلاف مقاتل، ويقال إن العصائب تحصل على تمويل شهري من إيران يقدر بحوالي 5 مليون دولار في صورة أموال وأسلحة.

من المعروف عن هذه الميليشيا أنها أشد الميليشيات الشيعية تشددًا، وأنها كانت ضالعة وبقوة في أعمال العنف الطائفي التي شهدتها العراق عامي 2006 و2007م. و تتميز هذه العصائب أيضًا بتمويلها المادي القوي وتسليحها العالي.

زعيم العصائب قيس الخزعلي تم إلقاء القبض عليه عام 2007م على خلفية اختطاف وقتل خمسة أمريكيين في مدينة كربلاء، لكن تم الإفراج عنه عام 2010م في إطار صفقة تبادلية شملت تسليم رهينة بريطاني.

خلال فترة الاحتلال الأمريكي للعراق شنت عصائب الحق حوالي 6 آلاف هجوم على القوات الأمريكية والقوات العراقية المتعاملة معها.

بعد رحيل القوات الأمريكية عام 2011م ألت العصائب سلاحها وانخرطت في العملية السياسية، ليصبح الخزعلي مقربًا من رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي.

في بداية عام 2014م، قام نوري المالكي بالاعتماد من جديد على عصائب الحق لكن بشكل سري بعدما سيطر تنظيم الدولة على مدينة الفلوجة وعدد من مدن محافظة الأنبار.

تقوم عصائب الحق بعملياتها إلى جانب قوات الأمن العراقية في محافظة ديالى والمناطق المحيطة بالعاصمة بغداد والمناطق المحيطة بمدينة سامراء وبعقوبة، كما يقاتل عدد من هؤلاء إلى جانب قوات النظام السوري.

تملك العصائب فرع سوري لها تحت اسم “كتائب حيدر الكرار”، والتي تتمركز في مدينة حلب والتي يعود الفضل إليها بجانب الحرس الثوري الإيراني في ميل الكفة لصالح نظام بشار الأسد الذي كاد يفقد السيطرة على العاصمة السورية دمشق أواخر عام 2012م.

كتائب حزب الله العراقي

بدء عمله في البداية تحت “كتائب أبي الفضل العباس” وليس “لواء أبي الفضل العباس”.

تكون من عدد من المجاميع التي كانت منصهرة داخل كتائب أبي الفضل العباس مثل: كتائب كربلاء، وكتائب السجاد، وكتائب زيد بن علي.

تم تأسيسه عام 2010م من أجل “قتل أعضاء حزب البعث المحظور والنواصب والوهابيين”.

يتزعمه القيادي الديني واثق البطاط الذي يصف الجيش بأنه امتداد حزب الله في العراق، كما يعلن البطاط بوضوح أنه موالٍ بشكل مطلق للمرشد الإيراني “علي خامنئي” حيث يقول بأنه سيقاتل إلى جانب إيران حتى ولو دخلت في حرب ضد العراق لأن المرشد عنده معصوم من الخطأ.

نتيجة لعداء جيش المختار مع الوهابية فقد قام الجيش بقصف صاروخي في نوفمبر 2013م لعدد من المخافر الحدودية السعودية، وذلك ردًّا على ما يراه تدخلًا من السعودية في الشأن العراقي. كذلك فقد استهدفت الكتائب معسكر “ليبرتي” الذي يحتوي على قوات تابعة لمنظمة “مجاهدي خلق” الإيرانية المعارضة كما قامت بأعمال عسكرية ضد دولة الكويت.

نتيجة لذلك قامت قوات الأمن العراقية باعتقال البطاط في بداية عام 2014م، ثم تم الإفراج عنه لاحقًا ليقتل في يوم 22 ديسمبر 2014م في المعارك التي اندلعت بمدينة العظيم العراقية.

يضم الجيش حوالي 40 ألف مقاتل، لكن لم يعرف على وجه التحديد المناطق التي تواجه فيها الجيش مع مسلحي تنظيم الدولة.

الولايات المتحدة صنفت هذه الميليشيا على أنها جماعة أو منظمة إرهابية.

سرايا الدفاع الشعبي

هو عبارة عن نظام تجنيد جديد قامت كتائب حزب الله بإنشائه بدءًا من أواخر شهر أبريل 2014م.

نظام التجنيد هذا تم من أجل استيعاب المتطوعين الجدد من المدنيين الذين يريدون الانضمام لكتائب حزب الله، لكنهم يملكون خبرات ومهارات عسكرية قليلة بالمقارنة بعناصر الكتائب ذوي التدريبات والمهارات العالية.

بشكل عام فإن هذه السرايا يتم استخدامها لعمليات الدفاع عن المنشآت، ورغم ذلك فقد شاركت في عمليات دعم لقوات الجيش والشرطة العراقية.

لواء أبي الفضل العباس

قام بإنشائه الزعيم والمرجع الديني قاسم الطائي في عام 2011م في أعقاب اندلاع الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد وذلك من أجل مساندة النظام السوري.

يقود اللواء حاليًا الشيخ علاء الكعبي، ويضم مقاتلين عراقيين سابقين من عصائب أهل الحق وحزب الله العراقي والتيار الصدري.

هذا اللواء هو أحد أوائل الميليشيات الشيعية التي تدخلت عسكريًّا في سوريا، بدايةً من عام 2012م وذلك بهدف الدفاع عن مرقد السيدة زينب في دمشق وحمايته.

مع زحف تنظيم الدولة الواسع في العراق قام اللواء بسحب معظم مقاتليه من سوريا باتجاه العراق؛ حيث يقوم اللواء بالمشاركة مع الجيش العراقي في خوض عدة معارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

الحشد الشعبي

بداية إنشائه كانت في شهر يونيو 2014م كنتيجة لفتوى “الجهاد الكفائي” التي أطلقها المرجع الشيعي علي السيستاني في أعقاب سيطرة مسلحي الدولة الإسلامية على محافظة نينوى.

تم اعتبار الحشد الشعبي بمثابة مؤسسة عليا تنضوي تحتها جميع الميليشيات الشيعية والمتطوعين الشيعة.

يقدر عدد مقاتلي الحشد الشعبي بحوالي 400 ألف مقاتل.

تحول الحشد الشعبي إلى مؤسسة معترف بها حكوميًّا بعد قرار رئيس الوزراء العراقي حيد العبادي بإنشاء هيئة مستقلة للحشد.

خطر كبير

تقرير نشره في موقع “فورين بوليسي” في شهر سبتمبر الماضي أشار إلى أن الميليشيات الشيعية في العراق أصبحت خطرًا داهمًا يضاهي خطر تنظيم الدولة الإسلامية.

التقرير أشار إلى قيام الميليشيات الشيعية هناك بتصرفات سيئة شبيهة بتلك التي يقوم بها تنظيم الدولة الإسلامية من قطع الرؤوس.

هذه الميليشيات تقوم حاليًا بعمليات تجنيد واسعة، حيث تأخذ الرجال وتضمهم إليها بعيدًا عن الجيش والشرطة العراقيين لتقوم بتوظيفهم في منظمات وصفها التقرير بأنها “طائفية للغاية من الناحية الأيدولوجية، ومعادية للولايات المتحدة بشكل متطرف”.

هؤلاء المجندين ليس الهدف منهم إبعاد الجماعات الجهادية السنية بل إن لها دورًا أكثر عمقًا يتمثل في تشكيل “الحرس الخلفي” للسيطرة على المناطق التي يفترض أنها تتبع الحكومة المركزية في بغداد.

الأخطر أن هذه الميليشيات نجحت في جعل نفسها جزءًا لا يتجزأ من هياكل الحكومة العراقية؛ مما يعني اعتماد الحكومة المركزية على هذه الميليشيات بشكل رئيسي.

تقول دوناتيلا روفيرا كبيرة مستشاري الأزمات في منظمة العفو الدولية إن الميليشيات الشيعية تستهدف المدنيين السنة بلا رحمة على أساس طائفي في محاولة لمعاقبة السنة على ظهور تنظيم الدولة الإسلامية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد