عن الدور الذي لعبته “متلازمة العراق” في السياسة الخارجية الأمريكية طيلة العقد المنصرم، كتب جون مولر، الباحث في مركز دراسات الأمن الدولي بجامعة أوهايو، والزميل البارز في معهد كاتو، مستهلا باسترجاع ما كتبه في عام 2005: حذا الدعم الشعبي لحرب العراق حذو نظيره في حربي كوريا وفيتنام؛ قبولا واسعا في البداية، ثم تآكل التأييد مع تصاعد عدد الإصابات.

ويرى الكاتب أن تجربة الحروب الماضية توحي بأن الرئيس الأمريكي جورج بوش لم يكن بإمكانه وقف هذا التدهور، أو الحيلولة دون ظهور “متلازمة العراق”، التي يمكن أن تعوق السياسة الخارجية الأمريكية في المستقبل. ويستدل على ذلك بما شهدته السنوات الأخيرة من تأثُّر السياسة الخارجية الأمريكية بهذه المتلازمة؛ بدءًا بتشجيع نهج الربيع العربي، ومنهج القيادة من الخلف في ليبيا، حيث انسحبت القوات الأمريكية بسبب الحرب الأهلية.

ويمكن رؤية “متلازمة العراق” في أكمل حالاتها العام الماضي – بحسب “مولر” – حينما أشار الرئيس الأمريكي باراك أوباما، بدعم من قادة الحزب الجمهوري في الكونجرس، في البداية إلى أنه قد يوجه ضربة إلى سوريا لاستخدامها أسلحة كيميائية، ثم تراجع عندما واجهت خططه عداءًا شديدًا من الرأي العام المصمم على عدم الانجرار إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط، رغم أن التجربة لن تكلف الولايات المتحدة أرواحًا، ورغم تأكيد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري للأمريكيين أن التفجيرات ستكون “صغيرة بشكل لا يصدق”.

وبعد أكثر من عام، رصد الباحث ظهور متلازمة العراق بثوب جديد، في العراق ذاته هذه المرة. لكنه يؤكد أنه كان واضحا منذ فترة أن حرب العقد الماضي في العراق سوف تؤدي إلى موقف “دعونا لا نفعل ذلك مرة أخرى”، مستشهدًا بنتائج استطلاع رأي في ألاباما عام 2005 أظهر أن ثلثي المشاركين يرفضون استعداد أمريكا لإرسال قوات للعراق بهدف فرض النظام إذا اشتعلت حرب أهلية شاملة هناك بعد الانسحاب الأمريكي، وهي النسبة التي يرجح أن تكون اليوم أكثر من ذلك بكثير، حتى والعراق يتأرجح على شفا الانهيار.

إنها “كارثة حقيقية” على حد وصف مولر، لكن الأمريكيون قادرون تمامًا على تخطي إخفاقات السياسة الخارجية؛ فعندما أُرسِلَت القوات إلى لبنان الممزق بفعل الحرب في عام 1983، أعلن الرئيس الأمريكي رونالد ريجان بغرورٍ أن الصراع هناك بطريقة أو بأخرى يمثل “تهديدًا لجميع شعوب العالم، وليس فقط الشرق الأوسط”. قَبِلَ الرأي العام قراره، لكن الجمهور دعم لاحقًا الانسحاب المفاجئ؛ بعد الهجوم الإرهابي الذي قتل 241 من هذه القوات. ثم أعيد انتخاب ريجان بسهولة بعد بضعة أشهر.

ونسجًا على المنوال ذاته، استخدم الرئيس الأمريكي جيرالد فورد الفشل المذهل للموقف الأمريكي في فيتنام عام 1975، رغم أنه كان مسؤولًا عنه، واستغله كنقطة لصالحه ليُعَاد انتخابه بعدها بعام. حينها قال “فورد”: إنه عندما جاء إلى السلطة كانت الولايات المتحدة “لا تزال متورطة بعمق في مشاكل فيتنام، لكننا (الآن) في سلام”. ولا يوجد أمريكي واحد يحارب أو يموت فوق أي أرض أجنبية”. ربما لا يكون هذا التصريح الغريب ساعده في الانتخابات، لكنه لم يضره.

ويصارح مولر بأن الأمريكيين لم يكونوا أبدًا داعمين لتعريض قوات بلادهم للأذى من أجل أغراض إنسانية في المقام الأول؛ فكما فعلوا في حربَي فيتنام وكوريا، قبلوا الحرب في العراق لفترة من الوقت لأنهم رأوها، مثل أفغانستان، ردًا على هجمات سبتمبر التي كانت هجوما مباشرًا على الولايات المتحدة.

وفي ظل استمرار متلازمة العراق، وتباري السياسيين في إطلاق الكلام صعب المراس، يؤكد الباحث أن لا أحد منهم يبدو مستعدًا للدفاع عن إرسال القوات للحرب؛ لأنه سيضطر حينها إلى إقناع الجمهور بأن ذلك ضروري لمنع هجوم يستهدف الولايات المتحدة مباشرة.

وانتقد الكاتب الإسراف في التحذيرات المبالغ فيها خلال الفترة التي تلت هجمات 11 سبتمبر، دون أن تخضع للمناقشة، مستشهدًا بنماذج حديثة كتحذير السيناتور ليندسي جراهام من أن سيطرة الإسلاميين على العراق ستوفر منصة انطلاق لتكرار هجمات 11 سبتمبر، ونسج السفير الأمريكي السابق لدى صدر العراق رايان كروكر على منواله، وتصريح أوباما شخصيًا بما يشبه ذلك، وتكهن ديفيد إجناتيوس في واشنطن بوست بأن هذا الملاذ الآمن الجديد قد يستخدم قريبًا لمهاجمة أهداف أجنبية، ومنطق السيناتور جون ماكين أن سقوط سوريا والعراق في أيدي الإرهابيين يمثل تهديدًا وجوديًا للولايات المتحدة.

لكنه يعود ليوضح أن هذا التهويل أصبح أقل شيوعًا في السنوات الأخيرة؛ مُرجِعًا ذلك في جزء كبير منه إلى استخدامه في تبرير حربين كارثيتين، فضلًا عن تداعيات العنف في باكستان، أسفرت عن دمارٍ أكبر 40 مرة مما شهدته هجمات 11 سبتمبر، وضعفَي عدد القتلى الأمريكيين الذين سقطوا في ذلك اليوم، وأكثر من الأرواح التي أُزهِقت في كارثتي هيروشيما وناجازاكي مجتمعتين.

بعبارة أخرى، لَخّص “مولر” الحصاد المرّ، قائلا: ما شهدته السياسة الخارجية الأمريكية، من زُخرُف التحذيرات المبالغ فيها طيلة العقد الفائت، كان فشلا ذريعًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد