بعد أحد عشر عامًا.. مرّت ذكرى الغزو الأمريكي للعراق مرورًا عابرًا باهتًا، لم يلتفت لها كثيرون، ولم يلقَ جرح العراق الذي لم يندمل بعد اهتمامًا ملحوظًا من العالم العربي بين الجروح اليومية، ونزيف العالم العربي الذي لا يتوقّف حتى في العراق نفسه.

فبالرغم من أن العراق لم يتعافَ بعد من آثار الغزو الأمريكي له، فالوضع الآن ليس أفضل ممّا سبق، إمّا على مستوى مآلات الغزو أو على مستوى الصراعات الحالية التي يعيشها العراق، إلا أن الشأن العراقي أوشك أن يصير في طيَ النسيان، لا سيما بعد انشغال العالم العربي بالأحداث في سوريا، والانقلابات أو محاولات الانقلاب على ثورات الربيع العربي.

وشهد العالم يوم 20 مارس عام 2003م الغزو الأمريكي للعراق، والذي بدأ معه مرحلة محورية جديدة في التاريخ الإنساني، تغيَرت على إثره الخريطة السياسية في العالم، وكان له أكبر الأثر على الولايات المتحدّة والعراق الذي صارت بعد الغزو عراقًا آخر بحياة أخرى.

نحاول في هذا التقرير المرور على أهم الآثار التي سببّها الغزو على العراق من خلال تصوّر “ماذا لو لم تغزُ الولايات المتحدّة العراق؟”، هل سنكون أمام عراق آخر غير الذي نراه اليوم أم لن يختلف الأمر كثيرًا؟

حياة أفضل:

الحالة الإنسانية:

بعد غزو العراق، صار عدد كبير من العراقيين إما في عدّاد القتلى أو المُعتقلين أو المعذَبين أو المهجّرين والنازحين أو حتى المفقودين، فلا زال هناك الكثير من الأهالي في انتظار ظهور ذويهم المفقودين منذ أحد عشر عامًا.

ولا زال أغلب العراقيين يعانون من حالة نفسية سيئة من آثار الحرب وما خلّفه من تدمير وخراب في نفوس العراقيين قبل أن يصيب البلاد والعمران.

فعن عدد القتلى إبان غزو العراق، اختلفت الإحصاءات حول العدد الحقيقي للقتلى، نظرًا لصعوبة الوصول لأرقام دقيقة، ولأن عددًا كبيرًا من القتلى غير موثَق.

وتشير إحدى الإحصائيات إلى أن عدد القتلى قد وصل إلى 560,000 عراقيًّا منذ بداية الغزو الأمريكي عام 2003م حتى عام 2006.

رسم بياني لعدد القتلى الموثقين في العراق جراء عمليات العنف منذ عام 2003 حتى عام 2014 المصدر: iraqbodycount.org



أما النازحين، فتشير تقارير الأمم المتحدّة أن عددهم قد تجاوز الـ1.3 مليون نازح، في حين أن عدد اللاجئين العراقيين الموثقّين قد وصل إلى 1.4 مليون لاجئ.


وتشير التقديرات الحالية إلى أن نحو مليون عراقي لا زالوا لاجئين في البلدان المجاورة، وأكثر من 126,000 منهم مسجّلين في المفوضية السامية للأمم المتحدّة لشئون اللاجئين.

يُذكر أن العراق تعتبر من ثالث الدول حول العالم التي شهدت نزوحًا كبيرًا وفقًا لتقرير صدر عام 2010 عن المفوضية السامية للأمم المتحدّة لشئون اللاجئين، بينما جاءت سوريا في المركز الرابع.

خريطة منظمة الأمم المتحدّة النازحين العراقيين لعام 2008



الثقافة والتعليم:

عُرِف العراق وبغداد تحديدًا بجمعه لفنون الثقافة والفكر عبر التاريخ، وقد قيل عن العراق “مصر تؤلف، لبنان تطبع، العراق يقرأ” في الإشارة لحب العراقيين للقراءة والثقافة.

إلا أن الحروب والأزمات قد عصفت بالواقع العراقي بما انعكس على الحياة الثقافية فيها، وبعد أن كانت بغداد منارة للثقافة والتراث في العالم العربي، لم نعد نسمع عن بغداد اليوم سوى أخبار الاقتتال والحروب، وأرقام القتلى والمهجّرين.

وانعكس شكل الحياة في العراق على صورة الأدب فيها، وصار العراق رمزًا للمعاناة في الأعمال الشعرية والقصصية الحالية.

لم يتوقّف الأمر على صورة الحياة الثقافية في العراق وفقط، بل انعكس على الآثار التاريخية فيها، فقد تعرّض أكثر من 15 ألف موقع أثري إبان الغزو للسرقة والنهب والحرق والتدمير، وتم استخدام موقع بابل الأثري كقاعدة عسكرية لقوات التحالف من عام 2003م حتى عام 2004.

مدينة بابل الأثرية



أمّا عن التعليم، فقد تم حرق الكثير من المرافق التعليمية ونهبها إبان غزو العراق، وتشير إحصائية أجرتها الأمم المتحدّة إلى أن ما يقارب الـ 3,000 مدرسة قد تعرضت للنهب عام 2003م.
وانخفضّت معدلات التحاق الأطفال بالمدارس، وتشير بعض الإحصائيات إلى أن نسبة الالتحاق بالمدارس قد انخفضت من 93% عام 2000 إلى 54% عام 2006، كما غادر عدد كبير من الأكاديميين البلاد بعد شعورهم بالتهديد، وتأثّرت معاهد تدريب المعلمين في جميع المحافظات بما أثّر سلبيًّا بشكل كبير على الحياة التعليمية في العراق.

حتى بعد محاولات البناء بعد انسحاب القوّات الأمريكية، لم تستطع العراق أن تعود كسابق عهدها في الحياة التعليمية والثقافية.

الرعاية الصحية:

أحد الأطباء العراقيين أثناء الكشف على طفل عراقي

بعد غزو العراق تدهوّرت الحالة الصحية بشكل كبير، فقد غادر عدد كبير من الأطباء في الفترة من 2003 إلى 2007، وكان من الصعب العثور على أطباء للعمل في مناطق معينة لأنهم يخشون على أمنهم.

ففي نهاية 2007 انخفض عدد الأطباء والممرضين في بغداد بنسبة 78%، وفر إلى الخارج 18 ألف طبيب، واختطف 250، وقتل ألفان.

وأشار مسح لشبكة معرفة العراق (IKN) عام 2011 إلى أن 94.6% من العراقيين ليس لديهم تأمين صحي، وأن 40% من السكان يعتبرون خدمات الرعاية الصحية في منطقتهم سيئة جدًّا.

وذلك كله فضلاً عن معدلات الإصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية التي لا زال يعاني منها الشعب العراقي جراء استخدام الفسفور الأبيض والذخيرة الخارقة للدروع والمعادن المشعة التي تم استخدامها أثناء الحرب.

صراعات وخرائط سياسية أخرى:

أوباما ليس رئيسًا للولايات المتحدة:

أوباما


أضرّت الحرب بموقف الحزب الجمهوري بشكل كبير، فحوالي 52% من الأمريكيين كانوا يرون أن الحرب تسير بشكل سيئ، وما يقارب الـ 42% من الشعب الأمريكي يرى بأن الحرب الأمريكية في العراق لم تكن حربًا على الإرهاب.

فالحرب أنهت احتكار الحزب الجمهوري لثقة الناخبين بشأن الأمن القومي، وكان لها خسائر كبيرة على المستوى الاقتصادي، والعسكري، وعلى عدد القتلى أيضًا الذي بلغ عددهم 4488 قتيلًا من العسكريين، كما كلّفت الحرب الولايات المتحدة 1.7 تريليون دولار.
وهو ما جعل البعض يرى أن الحرب كانت من أكبر العوامل في هزيمة جورج بوش أمام أوباما في الانتخابات الرئاسية عام 2008.

وجود أقل للقاعدة في المنطقة:

ساهم الغزو في انتشار الجماعات الجهادية في العالم العربي، بعد نفرتها إلى العراق للانضمام إلى صفوف المقاومة ضد الغزو الأمريكي، وبالرغم من أن هناك بعض الآراء عن أن القاعدة كان لها وجود في العراق قبل الحرب بالفعل، إلا أن الغزو قد ساهم في بزوغ نجم القاعدة في العراق، وجعل من العراق ملجئًا آمنًا لها وميدانًا تدريبيًّا كانت في حاجة إليه، كما ساهمت في تنشيط عدد كبير من المجاهدين انضموا إلى صفوف المقاومة للجهاد فيما بعد.

ليزداد وجودها ونفوذها بشكل كبير فيما بعد في العراق، ثم في سوريا بعد تحوّل مسار الثورة السورية إلى ثورة مسلّحة.

نفوذ إيراني أقل في المنطقة:

علي خامنئي



من أكبر نتائج الغزو الأمريكي للعراق هو ازدياد النفوذ الإيراني في المنطقة، لا سيما بعد اتفاق النووي مع الولايات المتحدّة الذي من المتوقّع أن تكون إيران صاحبة النصيب الأكبر في ميزان القوى في المنطقة.

فبعد انسحاب القوات الأمريكية وصف خامنئي الانسحاب بـ”الانتصار الذهبي”، فالعراق بالنسبة لإيران منطقة ذات نفوذ إستراتيجي، وإبان حكم الرئيس السابق صدّام حسين – السنّي -، كانت إيران عدو أكبر للعراق.

وبعد سقوط نظام صدّام، وتشكيل الحكومة برئاسة نوري المالكي الشيعي، صارت إيران حليفًا قويًّا للنظام العراقي، ومنه تم الانطلاق بتحالف شيعي قوي في المنطقة.

وهو ما أدّى لبزوغ الصراعات الطائفية بشكل كبير في العراق، فبعد معاناة الشعب العراقي من سياسات صدّام الطائفية، جاء المالكي ليستمر في سياسات الاستبداد والطائفية ولكن بصورة شيعية على عكس سلفه صدّام باسم محاربة الإرهاب ومواجهة طائفية النظام السابق.

وتمثّل إيران للمالكي حليفًا قويًّا في صراعه ضد السنّة في العراق، بينما يقوم المالكي بالحفاظ على مصالح إيران الإستراتيجية في المنطقة لا سيما بعد اختلال موازين القوى بعد الحرب في سوريا.

حياة أخرى للأكراد في العراق:

صورة لأحد الجنود الأمريكيين يقف على مقابر الأكراد الذين راحوا ضحية الهجوم الكيماوي على حلبجة



يعتبر أكراد العراق أكثر مَن عانوا من نظام صدّام لما تعرّضوا له من قسوة شديدة وجرائم في حقهم إبان حكمه، ولطالما طالبوا بالحصول على الحقوق المتساوية والخلاص من قمع النظام العراقي.

إلى أن جاء الغزو الأمريكي للعراق، وبعده بسنوات انسحاب القوات الأمريكية بما اعتبره الأكراد بمثابة “المخلّص” لهم من سياسات صدّام الاستبدادية.

وبالرغم من بقاء بعض المشاكل مع الحكومات الحالية، فيعتبر الأكراد من أكبر المنتفعين من الغزو الأمريكي في العراق حاليًا، لا سيما بعد وصول طالباني الكردي لمنصب رئيس الجمهورية، وتولي شخص كردي منصب وزارة الخارجية، فقد صار الأكراد شركاء حقيقيين في العملية السياسية في العراق.

وفي 2005 جاء الدستور الجديد ليحدد إقليم كردستان العراق كإقليم اتحادي، وجعل من العربية والكردية لغة رسمية مشتركة.

أما عن نفوذ إقليم كردستان العراق المستقل فقد زاد بشكل كبير، وبدأ الإقليم في عقد اتفاقات نفط خاصة مع شركات أجنبية، كما عزز العلاقات مع الأكراد في كل من سوريا وتركيا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد