[c5ab_gettyimages ]

 

تشهد العراق هذه الأيام استعدادًا لإجراء الانتخابات البرلمانية يوم 30 من الشهر الحالي، وسط حالة من الاضطراب الشديد على إثر الصراعات القائمة بين قوات النظام والعشائر المسلحة، مع تدهور الحالة الأمنية التي وُصِفت بأنها الأسوأ منذ حرب العراق، والتي أدت لمقتل أكثر من 2200 شخص في الفترة الماضية.

تعتبر الانتخابات البرلمانية مفترق طرق في مستقبل العراق السياسي، فإما أن تؤدي إلى استمرار الوضع الحالي تحت حكومة المالكي وما سينتج عن ذلك من استمرار للصراعات الحالية وتدهور الحالة الأمنية وربما تفاقمها، أو منع المالكي من الفوز بولاية ثالثة، وتغيّر للخريطة السياسية في العراق، والذي سيسبقه صعوبة في تشكيل الحكومة العراقية، ومستقبل مجهول بين أطراف صراع لا زالت موجودة في المشهد وإن سببت الانتخابات لها تراجعًا، وتوتر في المشهد الدولي الإقليمي تمثّل العراق فيه ورئاسة المالكي للحكومة دورًا كبيرًا للتحالفات وميزان القوى في المنطقة.

سيناريوهات عدّة مطروحة للعراق ما بعد الانتخابات، فإما الاتجاه إلى تقسيم العراق، أو بقاء الحال على ما هو عليه، وسط تحديّات كبيرة لن يكون سهلًا على الحكومة مواجهتها.

يبلغ عدد المرشحين للانتخابات أكثر من 9000 مرشح للتنافس على 328 مقعدًا في مجلس النواب، يطرح الناخبون العديد من المشاكل بينها سوء الخدمات وارتفاع معدلات البطالة، وبين كل هذا يقف المواطن العراقي زاهدًا في كل الوعود سوى الأمان، فما جدوى الوعود بحياة اجتماعية واقتصادية أفضل إن كان المواطن العراقي لا يستطيع الحصول على أبسط حقوقه والتي تتمثل في الأمان.

وبين ساعٍ للأمان، وآملٍ في عراق جديد، خلّفت آثار الحرب وتوابعها من اضطراب في العراق حالة من اليأس في نفوس بعض العراقيين، فالانتخابات ما هي إلا مسلسل أبطاله الساسة يقومون به في كل مرة على شرف المواطن العراقي، ويدّعون وصلاً به، والمواطن لا يقر لهم بذاك، فالمرشحون يسعون للوصول إلى البرلمان لتحقيق غايات شخصية، وليس لديهم علاقة بمعاناة العراقيين وهمومهم، فسلك بعض العراقيين وأغلبهم من السنّة طريق اليأس من الانتخابات والتغيير، بعد أن أرجعوا ذلك بأن الحال سيبقى على ما هو عليه، ولن تعود إلى سابق عهدها إن كان الصراع الطائفي هو المحرّك الأساسي للمشهد فيها.

الانتخابات تعكس الصراع الطائفي في العراق

بعد حرب العراق، جاء نوري المالكي في صورة المخلّص من الطائفية التي عانى منها الشعب العراقي إبان حكم الرئيس صدّام، إلا أنّه بمرور الوقت لم يلبث فتيل الصراعات الطائفية أن يشتعل مجددًا، وأثبت المالكي بتهميشه للسنّة وسياساته ضدّهم بأنه ليس إلا الوجه الآخر لسلفه صدّام.

وبدأ الصراع يتصاعد منذ أكثر من عام حينما قامت الانتفاضة السنّية ضد حكم المالكي في الأنبار، واستمر اعتصام الأنبار ما يقارب العام حتى قامت قوات الأمن بفض الاعتصام، واعتقال أحمد العلواني نائب البرلمان وقتل شقيقه، وهو ما أدّى لاحتدام الصراع بين قوات الأمن العراقي والعشائر المسلحة حتى اليوم، مع وجود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الذي سيطر على الفلوجة وأعلنها دولة إسلامية، ويواجه هو أيضًا قوات الأمن العراقي، في معركة يصوّرها المالكي بأنها حربًا على الإرهاب.

وفي ديسمبر الماضي قال المالكي في خطاب له إنه في مواجهة عنيفة مع “أنصار يزيد” مشيرًا إلى سنّة العراق، الذين يصطدمون مع أنصار الحسين، بمواجهة شرسة عنيفة، أما اليوم فتكاد لا تخلو خطاباته من الحديث عن مواجهة الإرهاب، وضرورة حكم “الأغلبية” الشيعية، بينما يحث قادة ونخبة وناشطو السنّة في العراق على التصويت في الانتخابات، مؤكدين على أهميتها لمستقبل السنّة والخلاص من المالكي وسياساته الاستبدادية والقمعية في حقهم، وهو ما جعل الانتخابات تأخذ طابعًا طائفيًّا برز في الدعاية الانتخابية، وفي خطابات المرشحين، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي وحتى في المساجد الخاصة بكل من الطائفتين.

على عكس خطاب انتخابات 2010 الذي أكد بالشعارات على الهوية الوطنية والمصلحة العامة، وبنبذ الطائفية.

المالكي وائتلاف دولة القانون

بالرغم من أن الواقع يشير إلى تراجع شعبية المالكي في الأوساط الشيعية، إلا أن أغلب التوقعات تتجه إلى فوز ائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه المالكي في المناطق الشيعية رغم وجود منافسين آخرين كحزب الأحرار الممثل الرئيسي للتيار الصدري الذي يتزعمه مقتدى الصدر والمناهض للمالكي والذي تشير توقعّات أخرى بأنه قد يؤدي إلى اختلاف في المعادلة، فيما يقوم المالكي بالقيام بعدّة تحالفات مع أحزاب منها أحزاب سنيّة لدعم موقفه في الانتخابات، فضلاً عن التأييد الذي يحظاه المالكي من كل من إيران والولايات المتحدّة الذي أعلنا تأييدهما له في حربه ضد الإرهاب، وهو ما قد يؤثر بشكل كبير على موقف المالكي في الانتخابات المقبلة، والسعي لفوزه بولاية ثالثة، بالرغم من وجود بعض الآراء التي ترى أن كلاً من إيران والولايات المتحدة يقفان على مسافة واحدة من جميع المرشحين ولن يسعيا إلى التدخل، وأن سياسات المالكي قد تسببت في بعض المشكال للولايات المتحدّة بما قد يؤدي إلى عدم دعمها له للوصول إلى ولاية ثالثة.

يرى ممثلو ائتلاف دولة القانون، أن الائتلاف قد حقق إنجازات في الدورتين الماضيتين ونفذ برنامجه الانتخابي وحصل بموجبه على ثقة الجماهير في انتخابات عام 2010م بتطوير الاقتصاد وتجفيف منابع الإرهاب والقضاء على الحرب الطائفية.

إلا أن معارضو الائتلاف يرون بأن سياساته الطائفية لم تتغير، بل ازدادت بشكل مخيف، وقد اتهم رئيس مجلس النواب أسامة النجيفي المالكي بالفشل وعدم تحقيق الإنجازات إبان حكمه في الولايتنين السابقتين.

السنّة والسعي للخلاص من حكم المالكي

يسعى أغلبية السنّة في العراق إلى مطلب الإقليم السنّي، لما يرون فيه من حل بالبعد عن سلطة المركز التي يتهمونها بالتهميش والإقصاء ضدّهم لا سيما بعد تجربة استقلال إقليم كردستان العراق وإن اختلفت الظروف والسياقات.

والانتخابات تمثّل للبعض بداية الطريق في الوصول إلى الاستقلال والإقليم السنّي، بالرغم من آراء بعض المحللين والسياسيين التي تشير إلى صعوبة الأمر وإن لم يفز المالكي بولاية ثالثة، فعلى سبيل المثال فالسنة أنفسهم غير متفقين على هذا المطلب، كما أن هناك خلافات حول آلية إدارة الإقليم، فضلاً عن حجم التدخّلات المتوقّع في إقليم مثل هذا.

إلا أنه سواء اجتمع سنّة العراق على مطلب الإقليم السنّي أم لم يجتمعوا، فما زال السنّة في العراق يتعرضّون لتضييق وتهميش من المالكي وسياساته، وتمثّل الانتخابات لهم أهمية كبيرة في الخلاص من هذه السياسات، فصدرت بعض المواقف الرسمية تدعو سنّة العراق للانتخاب من أجل إحداث التغيير ومحاربة الظلم والفساد.

فأصدر مجلس علماء العراق بيانًا له يدعو أهل السنة للمشاركة في الانتخابات لإثبات هويتهم ووجودهم وتحصيل حقوقهم، وأن خيار الانتخابات لا يتعارض مع أي خيار دفاعًا عن الدين والعرض، وأن على الناخب اختيار المرشح الذي ينطبق برنامجه مع مشروع الإقليم لخلاص أهل السنّة.


ودعا مقتي الديار العراقي الشيخ رافع الرفاعي إلى المشاركة الواسعة في الانتخابات البرلمانية المقبلة واختيار المرشح المناسب في المكان المناسب، وقطع الطريق أمام المفسدين الذين يحاولون الصعود إلى المناصب لسرقة حقوق أهل العراق، كما أفتى بتحريم انتخاب من ثبت عدم نزاهته، وساند الحكومة في حربها ضد الأنبار، وتحريب انتخاب أية كتلة أو مرشح يساند المالكي في الحصول على الولاية الثالثة.

التيار الصدري والتحالفات ضد المالكي

اتفق كل من رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود البارزاني، ورئيس القائمة العراقية، إياد علاوي، وزعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، ورئيس المجلس الأعلى الإسلامي، عمار الحكيم، على عدم التجديد لولاية ثالثة للمالكي.

وفي تصريح لجواد الحسناوي، عضو كتلة الأحرار التابعة للتيار الصدري، للجزيرة نت قال إن الانتخابات المقبلة ستغير الكثير من الخارطة السياسية، وأن رئيس الحكومة المقبلة سيكون إما من المجلس الأعلى الإسلامي أو التيار الصدري بسبب الاتفاق الإستراتيجي بينهما بالإضافة إلى ائتلاف متحدون والتحالف الكردستاني، واعتبر أن حظوظ المالكي في الحصول على ولاية ثالثة ضعيف جدًّا.

فيما يرى قادة التحالف ومعارضو المالكي أن البلاد لم تكن لتصل لهذا الحال لولا المالكي، وهو ما دفعهم إلى عدم اتخاذ موقف رسمي بعدم التجديد له دورة ثالثة.

يأتي هذا بعد موقف مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري الذي قد أعلن اعتزاله الحياة السياسية وبدأ في شن الهجوم على المالكي وسياساته؛ حيث أكد في حوار سابق له أن غاية ما يتبناه هو أن يأخذ على عاتقه “سياسة خدمة الفقير المظلوم وفضح الفاسد والدكتاتور”،
واتهم المالكي بتكميم أفواه معارضيه، ودعا العراقيين إلى إعلاء أصواتهم ضد الدكتاتورية التي افتعلت الحرب في مناطق السنّة لتهميشهم، مشيرًا إلى أنه قد اعتزل العملية السياسية لأنها أصبحت “لعبة أطفال” ولما فيها من أخطاء.

وقال – في تصريح آخر له – إنه يقف على مسافة واحدة من جميع المرشحين “إلا من خضع للاحتلال أو ساند الدكتاتور أو عمل لأجندة خارجية أو سفك الدماء بغير حق”.

أجواء ما قبل الانتخابات وتخوّفات من عدم إجرائها

وسط كل هذه الأجواء والتصريحات والاستعدادات يشهد العراق اضطرابًا آخر على أرضه، وصراعات لا زالت مشتعلة، بما قد ينعكس بشكل كبير على الانتخابات وإجراءاتها، فما زال هناك بعض المحافظات التي تتواصل فيها الاشتبكات بين القوات العرافية ومسلحين، فمحافظة الأنبار تعاني من سوء الأوضاع الأمنية بما قد يمنعها من أن تشهد وترى أجواء الانتخابات، أما في محافظة الفلوجة، فالقلق وتواصل الاشتباكات قد يمنع فتح أي مركز انتخابي.

وقد كشفت مصادر في وزارة الداخلية العراقية عن مخطط لعناصر من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام المعروف بداعش، لشن هجمات إرهابية تستهدف الناخبين ومراكز الاقتراع والقوات الأمنية خلال صبيحة يوم الانتخابات.

وبين كل هذا تأتي أنباء عن احتمالية فرض المالكي لقانون الطوارئ، والذي سيكون في وسعه بعد ذلك حل البرلمان، وتعطيل الأحزاب السياسية، وهو ما قد يلجأ إليه المالكي لإفشال الانتخابات المرتقبة إذا ما ثبت ضعف موقفه، وتيقّن من عدم فوزه.

أما عن احتمالية التزوير، فمن الصعب حدوثها بنسب كبيرة لا سيما بعد أن أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق عن رفع عدد المراقبين الدوليين المكلفين بمراقبة الانتخابات البرلمانية إلى الضعف لضمان مزيد من الشفافية.


عرض التعليقات
تحميل المزيد