بعد قتل المتظاهرين في العراق.. هل ترفع العشائر سلاحها في وجه قتلة أبنائها؟

«السلاح المنفلت في البصرة يعادل ترسانة فرقتين عسكريتين»، بهذه العبارة حاول قائد شرطة محافظة البصرة الفريق رشيد فليح، أن يلفت الانتباه إلى كمية السلاح الذي تمتلكه العشائر في جنوب العراق.

في هذا الجنوب المنتفض الآن ضد الحكومة العراقية، وغيره من المحافظات العراقية قد تمتلك بعض العشائر صواريخ يصل مداها إلى أكثر من 20 كم، ومدافع 120 مم، بل إن بعضها يمتلك طائرات مسيرة، وهو واقع يدفع مع زيادة حدة الاحتجاجات في العراق إلى التخوف من وقوع صراع مسلح بين العشائر التي يتساقط أبنائها واحد تلو الآخر وبين الحكومة العاجزة عن حمايتهم من جهة، ومن جهة أكبر مع الميلشيات المسلحة التي تتهم بالمسئولية عن قتل المتظاهرين.

في العراق.. سلاح العشيرة أفضل من سلاح السلطة

يُؤخذ على الدولة العراقية أنها منذ تأسست عام 1921 لم تقدم على معالجة مشكلة القبلية في البلاد، لكنها حاولت في السبعينات أن تقوم بذلك، وأصدرت قرار بإلغاء استخدام الموظفن والمسؤولن لأسماء العشائر كمعرفات للعراقيين.

متظاهر عراقي يحمل مصاب خلال مظاهرات الحراك

بيد أن القرار السابق طبق لوقت قصير فقط، ليتم إحياء الدور العشائري بقوة مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، حيث كانت الحاجة للحشد والتجنيد. وكذلك استمر الحال حتى  احتلت الولايات المتحدة العراق عام 2003 وقد كان للعشائر العراقية تجذرها في المجتمع آنذاك، فحاول الأمريكان استهدف العشائر تحت ذريعة ولائهم لنظام صدام حسين، وكانت سابقة خطيرة أن تستهدف بيوت الشيوخ ويتم اعتقال النساء من منازلهن على يد الجنود الأمريكيين.

حتى إذا ما أصبح الحكم بيد العراقيين بعد عام 2003، عاد تعزيز دور العشيرة وأخذ وجهائها نفوذاً أكبر من الذي كانوا يمتلكونه خلال حكم صدام حسين، وهو الوضع الذي جعل من السهل أن يتحول أي خلال إلى الإطار العشائري. فقد أدي وجود السلاح في يد العشائر والعصابات المسلحة خاصة في المحافظات الجنوبية، إلى خروج بعض المناطق التي تحدث فيها نزاعات عشائرية ومواجهات مسلحة عن سيطرة الحكومة.

وبما أن السلطة الآن في العراق، هي سلطة أحزاب وميليشيات وجماعات مسلحة، أي أن الحكومة حكومة مراكز نفوذ وتبادل مصالح وأدوار والعشائر جزء من مراكز النفوذ، كما يقول لنا الباحث العراقي في شؤون الأزمات صفاء  خلف، فإن العشيرة: «لم تعد جماعة قروية أو بدوية تعيش في مناطق نائية معزولة، وبالتالي علاقة السلطات معها فوقية. اليوم العشيرة إحدى الكيانات الصلبة للنظام بدليل أن عناصر النظام تستند على الانتماء العشائري بوصفه قوة اجتماعية، لذا العشيرة مستوعبة تمامًا».

ويضيف خلف لـ«ساسة بوست»: «أحيانًا تكون العشيرة بديلًا عن السلطة أو القانون أو القضاء لتفكيك مشكلات الدم والثأر، فالعشيرة تمتلك منظومة أعراف مرنة، هذه المرونة تحل مشكلات الثأر أكثر مما يمكن أن تعقدها القوانين، النظام في العراق يخشى العشيرة لضرورة قوتها الاجتماعية».

ويشير خلف إلى أن: «العشيرة في العراق لديها تسليح تقليدي متوسط أفضل من السلطة، وتملك قدرات قتال هائلة، وفي غالب الأحيان تنشب قتالات عشائرية يُستخدم فيها حتى الطائرات المُسيرة، وتظل الاشتباكات بالأيام؛ بينما السلطة عاجزة عن التدخل بسبب الخشية من المواجهة»، متابعًا: «العشيرة في العراق ارتباطاتها قوية بالمرجعية النجفية بحكم حيازة الشرعية والتزلف لدى السلطة الدينية التي هي أيضًا في حالة تخادم مع العشيرة».

المظاهرات الأضخم منذ الغزو الأمريكي.. ما الذي يحدث في العراق؟

الصدر يدعو العشائر للتدخل لكن «لعبة العشائر معقدة»

في اليوم الأول «لمظاهرات 25 أكتوبر» العراقية، شهدت مدينة العمارة الواقعة في محافظة ميسان (الجنوب الشرقي من بغداد)، مواجهات بين المتظاهرين وعناصر حماية مقرات «ميليشيا عصائب أهل الحق» و«ميليشيا حركة أنصار الأوفياء».

جندي عراقي خلال حملة تفتيش عن أسلحة ومطلوبين شاركوا في نزاعات قبلية

في هذه المواجهات؛ قُتِل 10 متظاهرين بالرصاص الحي خلال محاولتهم اقتحام المقرات السابقة، وهو ما أسفر حسب شهود عيان عن اشتباكات ضارية بين العشائر العربية وتلك الميلشيات. وقال الشهود إن تظاهرات عشائرية لبعض ذوي القتلى قد اندلعت، وهم يحملون القاذفات والبنادق وغيرها من الأسلحة المتوسّطة والخفيفة للمطالبة بالثأر لأبنائهم.

وقد سجلت دعوة رجل الدين الشيعي البارز مقتدى الصدر في بيان له صدر قبل يوم واحد من مظاهرات يوم الجمعة 25 من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بأنه على «شيوخ العشائر حماية أولادهم المتظاهرين قدر الإمكان»، على أنها محاولة منه لاحتواء أزمة المظاهرات المتصاعدة في العديد من محافظات البلاد.

لكن الباحث العراقي صفاء خلف يرى أن الصدر في دعوته للعشائر لتدخل يظهر كـ«راقص على رؤوس الأفاعي»،  ويبين أن الصدر: «يدفع باتجاه تخويف السلطة من قمع أنصاره ومؤيديه، وهم بالغالب المطلق لديهم انتماء عشائري عميق، فالعشيرة لدى أتباعه إحدى الحصانات الاجتماعية والأمنية، والعكس بالعكس، بمعنى أن ثمة تخادم بين الفرد المنتم لتيار الصدر والعشيرة التي تملك أفرادًا صلتهم قوية بالتيار، فكلاهما يستقوي بالآخر».

ويواصل خلف الحديث لـ«ساسة بوست»، إن الصدر يريد أن يزيد من قوته الاجتماعية والسياسية والتسليحية حينما يُدخل العشائر على خط المواجهة، نوع من التوريط الذكي، وتخويف السلطة لاحتمالات المواجهة. مضيفًا: «الصدر له صوت مسموع على نحو ما يلبي مصالح شيوخ العشائر، الذين يسعون أن يظلوا خارج أي انتماء سياسي، لكنه يستفيدون من مقولة الصدر لتقوية مواقعهم، لكن أبدًا لن يندفعوا وراءه في مغامرة، لعبة العشائر معقدة، أنها وظيفة انتهازية متلونة وفقًا لمعطيات الربح والنفوذ».

من جانبه، يعتقد الكاتب والمحلل السياسي العراقي نظير الكندوري أن كل ما يصدر الآن عن مقتدى الصدر، ينظر إليه بعين الريبة من قبل الشعب العراقي سواء عشائر أو الشباب المنتفضين، ويبين: «دعوة الصدر هذه تحمل معاني كثيرة، ربما أهمها تخليه عن دوره في حماية الجماهير المنتفضة كون كتلة الصدر البرلمانية هي أحد أهم الكتل المساهمة بتشكيل الحكومة الحالية ولها تأثير غير محدود عليها»، أما المعنى الثاني لدعوته فهو أن قوله يحمل محاولة لتوريط تلك العشائر في حرب مع الدولة ومن ثم ستتحول الانتفاضة السلمية التي يقودها الشباب إلى انتفاضة مسلحة ليست في مصلحة الشعب العراقي.

هل ترفع العشائر سلاحها في وجه قتلة أبنائها؟

يعتقد الباحث في مجال العلاقات الدولية والشؤون الإستراتيجية، علي أغوان، أن المواجهة ممكن أن تحدث بين الشعب الذي جزء منه عشائري ومسلح؛ نتيجة للثقافة العشائرية، فقط في حال تراجع دور المؤسسات الأمنية الحكومية، لكنه يستبعد حدوث صدام قريب ما بين العشائر والمجاميع المسلحة خارج نطاق الدولة، لكون الحكومة لا تزال تحتفظ بمؤسساتها الأمنية.

رجال القبائل الشيعة يتجمعون لإظهار استعدادهم لقتال «داعش»

ويوضح أغوان أن الحكومة تعلم جيدًا حجم العشائر وتعلم أن العشائر إن قالت كلمتها فستحسم الكثير من الأمور، لهذا تواصلت الحكومة مع قادة العشائر لضبط أبنائها وعدم السماح لهم بالذهاب للاحتجاجات، لكن في الوقت نفسه هناك جيل جديد لا ينتمى بشكل كبير للتقاليد العشائرية، يتخذ قراره من نفسه، وهذا الجيل اليوم هو من يتواجد في الشارع ويقود المظاهرات الآن، حسب أغوان.

ويبين أغوان لـ«ساسة بوست» أنه «بعد عام 2003 كانت العشائر العراقية قريبة من السلطة، ولم تظهر حركات عشائرية معارضة للدولة، لذا لا يوجد خطر حتى الآن من العشائر لإسقاط النظام بقدر ما أن هناك شباب في الساحة هو من يهدد هذا النظام، وبالتالي الحكومة اليوم عاجزة عن إيجاد منفذ للتفاوض مع هؤلاء الشباب بسبب عدم التزاماهم بتعليمات عشائرهم، بل إن المرجعية الدينية أيضًا تعرضت لهزة كبيرة ولم تعد قادرة على تحريك الناس كما كانت في السابق».

فيما يعتقد الكاتب والمحلل السياسي العراقي نظير الكندوري، أن ظروف الانتفاضة التي تشهدها البلاد، جعلت العشائر تؤثر احترام إرادة المنتفضين بأن لا يتم عسكرة حراكهم وانتفاضتهم، ويشدد الكندوري على أن الحكومة العراقية أو ميليشياتها ليست في حالة تمكنها من كسب ولاء العشائر، وموقف العشائر الآن قد اختلف بشكل جذري من النظام الحاكم الحالي بحكومته وميليشياته، «لذلك فهم يدعمون الانتفاضة السلمية الحالية ويدفعون أبناءهم للمشاركة فيها بشكل سلمي، وحين يحدث التغيير المنشود ستطالب تلك العشائر بدم أبنائها من المجرمين الحقيقيين الذين سفكوا تلك دماء أبنائهم الطاهر» كما يقول الكندوري.

فيما يستبعد صفاء خلف أن تتحرك العشائر العراقية للانتقام لأبنائها الذين قتلوا أو جرحوا في المتظاهرات، ويقول: «هذه خطوة قد لا تحدث ابداً، لن تقوم العشائر بتحرك مسلح ضد السلطة أو (الدولة). الغضب العشائري قد يكون عارمًا، لكن أقصاه سيكون بيانات دعم للاحتجاج والتظاهر، أما حمل السلاح فيبدو مستحيلًا».

ويرجع صفاء سبب استبعاده لهذا الاحتمال لكون العراق بلد عشائري وعناصر الأمن أو الميليشيات لديهم صلات قوية بعشائرهم، فإن اقتصت عشيرة ما من عنصر ما، فإنها تتورط بحرب قبلية لن تتوقف أبدًا، والتكلفة المادية والبشرية ستكون باهظة، فإذا ما اصطفت ميليشيا مع عشيرة ضد أخرى، فذاك يعني هزيمة عشائرية، وهذا الهزيمة ستظل «عار» من الصعب محوه على حد تعبيره، ويشدد على القول: « العشيرة لا ترفع سلاحًا بوجه الدولة، حينها ستصبح مارقة وإرهابية، وشيوخ العشائر تربطهم صلات مصالح قوية مع السلطة، الشيوخ لا يريدون أبدًا خسارة نفوذهم ومصالحهم».

ويختم خلف بالقول: «في العراق كلا الطرفين يخشى مواجهة الآخر، لكن إن ظلت الميليشيات تدفع باتجاه القتل، فلن تتورط العشيرة باسمها وثقلها، قد تدفع باتجاه الثأر المحدود جدًا كرد اعتبار، لكن لن تدخل في صدام مباشر».

هل تنجح «مظاهرات 25 أكتوبر» في تحقيق مطالب العراقيين؟

العراقالعشائر العراقيةالغزو الأمريكي للعراقالميليشات المسلحةالميليشيات الشيعية العراقيةصدّام حسينمظاهرات 25 أكتوبرمظاهرات العراقمقتدى الصدر

المصادر