لم يكن مفاجئًا تمامًا تحذير رئيس مجلس النواب العراقي من أنه “قد يتم اللجوء إلى حل الجيش العراقي” لأن “الانهيارات الأمنية ستستمر إذا لم تتم محاسبة المقصرين، الوضع الحالي سيء، ولكن سيتراكم إلى درجة لن يكون لنا عندها سبيل لتجاوز المشكلة إلا بحل الجيش”.

جاء هذا التصريح على أعقاب سقوط “مدينة الرمادي” إثر فرار الجيش العراقي، وانهيار ستة آلاف عنصر من القوات العراقية أمام 150 مقاتلًا من “تنظيم داعش”, حسب معلومات حازَ عليها علي خضيري، المستشار السابق في القيادة المركزية للجيش الأمريكي، وتُذكّر حادثة الرمادي المجتمع الدولي بسقوط الموصل في يونيو الماضي، حيث تقدم التنظيم ليسيطر على حوالي ثلث مساحة البلاد ويغنم في طريقه كمًّا هائلًا من الأسلحة الأمريكية التي خلّفها الجيش العراقي وراءه أثناء عملية الفرار.

كيفَ وصل الجيش العراقي الذي اشتهر بسمعته القتالية وصمدَ في القرن الماضي لحربٍ عُدّت من أطول الحروب التقليدية للقرن العشرين إلى هذا الحال من الإنهاك والضعف؟

إقصاء الضباط السنّـة

يرى مراقبون أن قرار الحاكم المدني الأمريكي “بول بريمر” عام 2003 الذي أفادَ بحلّ الجيش العراقي وتسريح آلاف من الضباط السنة أصحاب الخبرة كان من أشدّ الضربات التي خلخلت بنية الجيش العراقي بطريقة لم يتم إصلاح ضررها حتى الآن، حيث تم إفراغ الجيش من جيل عسكري كامل من ذوي الخبرة، والذي وجدَ نفسَه دون عمل وانتقلَ في بعض الأحيان ليقدّم خبراته للمقاومة المضادة.

ومع أن بعض الضباط السابقين وجدوا طريقهم مرة ثانية للجيش والشرطة، لكن حظوظهم من الترقية كانت ضعيفة، كما يقول الكولونيل المتقاعد ستيف ليونارد: “لا تزال التجربة والمعرفة حاضرتين داخل الرتب السنية العسكرية”, “ولأجل أن يتم سدَ هذه الفجوة، فإن الأمر يحتاج إلى وقت وجهود استشارية دائمة، أي تحوّل جيلي لا يمكن أن يتحقق بين عشية وضحاها”.

أما عن السنة الذين تمكنوا من العودة للقوات المسلحة فقد ظلوا محلًا للشك والتحرش، وتم اتهام الضباط السنة في عهد المالكي بتعاطفهم مع المسلحين أو علاقاتهم المشبوهة، وأكثر من مرة قلق الضباط السنة من مقابلة المسؤولين الأمريكيين لأنهم لم يكونوا يعرفون كيف سيكون موقف المسؤولين الشيعة وفقًا لِليونارد.

وتُسجّل حالات عدة لانتقال الضباط المتمرّسين المسرّحين إثر قرار “بريمر” إلى الجبهات المناهضة للحكومة وعلى رأسها “تنظيم داعش”, وخبرتهم بجغرافيا المناطق السنّية وببنية المجتمع العشائري وكيفية جمع المعلومات الأمنية الدقيقة، تفوق خبرة العناصر المتواجدة في تراتبية القوات المسلحة العراقية الحالية، وخصوصًا مع النقص النسبي الذي طرأ على وجود القوات الأمريكية في العراق منذ ديسمبر 2011، ما خلقَ فجوة بشأن تدريب القادة العسكريين.

الآلاف من العناصر العراقية التي يتمّ تدريبها من قبل الجيش الإسباني، بإشراف أمريكي.

أسلحة المالكي الفاسدة

يتحدث مسؤولون عراقيون عن سوء التجهيز والتسليح وسلسلة صفقات الأسلحة الفاسدة التي أبرمها المالكي مع روسيا والصين وإيران وأوكرانيا بين الأعوام 2010 وحتى مطلع عام 2014، حيث إن “الأسلحة والذخيرة فاسدة إلى درجة لم يعد السكوت عنها مجديًا”, وأنه يجب سحب تلك الأسلحة قبل كل شيء من أيدي الجنود واستبدالها فورًا، ويُعزى لها السبب في الفشل الذريع للقوات العسكرية العراقية في العديد من الوقائع، حيث يبقى الجندي العراقي متخوّفًا طوال الوقت من خذلان السلاح له في أوقات حرجة.

وفي حديثٍ للعميد الركن محمد توفيق السوداني، العامل بقيادة القوات البرية العراقية، مع صحيفة “العربي الجديد” يؤكّد أنّ “الجندي العراقي مقاتل شجاع، لكن قادته السابقين غدروا به وأعطوه أسلحة غير صالحة للقتال ولا لسبب سوى طمعهم وفسادهم المالي”, كما أن:

“ما تم استيراده من أسلحة في زمن المالكي لم يكن مطابقًا لما هو موجود في أوراق العقود؛ إذ إن ما نصت عليه العقود شيء وما وصل إلى أيدي الجنود شيء آخر”.

فـ”المدرعة التي تزن 13 طنًا من الحديد في الأوراق الرسمية وصلت 7 أو 8 أطنان واخترقتها القذائف بسهولة وسببت خسائر بشرية بيننا، والخسائر الأخيرة التي تعرضت لها القوات العراقية في الرمادي وبيجي وشمال شرق الفلوجة لم تكن ناتجة عن قصور بالجيش العراقي أو قلة خبرة من القادة، لكن لأن الأسلحة التي لدينا فاسدة ولا يمكن أن يتحملها الجندي في يده أكثر من 10 دقائق قبل أن ترتفع درجة حرارتها وتتوقف عن إطلاق النار، وهناك معارك يكون فيها التوقف عن الرمي دقيقة واحدة بمثابة موت مؤكّد”.

وفي سياق متصل يعتبر مدير المركز الأوروبي العربي للدراسات جاسم محمد أن الجيش العراقي لا يملك الأسلحة المناسبة لقتال “داعش”، كما أن العديد من عقود التسليح التي أبرمها الجيش “لم تتم”، بالإضافة إلى أن طبيعة الصراع الذي يواجهه الجيش العراقي تستلزم أنواعًا مختلفة من الأسلحة التي يتم توريدها له.

“رئيس الوزراء العراقي الأسبق، نوري المالكي.”

الفساد وعدم المحاسبة

يرى مراقبون أن الفساد قد بات يسيطر على مفاصل الجيش العراقي، فميزانيته الضخمة السنوية التي تعادل ربع ميزانية العراق “تثير لعاب الفاسدين” – بلغت 25 مليار دولار لعام 2015- كما أن معظم القيادات العسكرية العليا تُعاني من التحيز الطائفي والعرقي والذي يحدّ من قدرتها على القيادة الفعالة والمخلصة.

ويكشف عضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية النائب علي المتيوتي عن وجود فساد واضح ومؤذٍ للجنود بعقود التسليح التي أبرمت طوال عهدة المالكي، مُصرّحًا أن:

“ما صرفته وزارة الدفاع العراقية على الحرب مع داعش فاق ما أنفقته حرب الولايات المتحدة على العراق عام 2003”.

وبعد أن شغل “المالكي” مرتبة متقدمة ضمن قائمة أغنياء العالم لثرواتٍ يُعتقد أنه كوّنها إثر سلسلة من الصفقات الفاسدة خلال سنين حكمه الثمانية، يرفع أحد أعضاء نقابة المحامين دعوى ضده بتهمة التسبب بقتل المئات من الجنود العراقيين خلال الحرب مع (داعش) بسبب فسادهم في عقود تسليح أبرموها، آملًا أن “يثبت القضاء أنه مستقل وشجاع بقبول القضية وعدم رفضها خوفًا من بلطجية المالكي”.

وفي الوقت الذي يعزو فيه الناطق باسم الحكومة العراقية سعد الحديثي سبب سقوط مدينة الرمادي الأخير بيد “داعش” لـ”سوء الإدارة والتخطيط” من قبل بعض كبار القادة العسكريين في الرمادي دون أن يقدم أي إيضاحات حول ما تم اتخاذه من إجراءات بحق هؤلاء القادة.

يتنبأ رئيس مجلس النواب العراقي، الجبوري، بـ”استمرار الانهيارات الأمنية” في حال عدم محاسبة المقصرين”, مؤكدًا أنه: “هناك من استهان بأرواح العراقيين ولم يعر بدرجة كبيرة الأهمية للصلاحيات الممنوحة له وأدى إلى ما أدى إليه الوضع” أثناء حديثه عن سقوط الموصل مركز محافظة نينوى.

وبعد أن مرّ قرابة العام الكامل على الحادثة ولم يُحاسب المسؤولون عن حدوثها بعد: فإنه قد “طال التقرير الموضوع من قبل اللجنة البرلمانية المختصة التي فتحت الملف ولكن سينتهي هذا الشهر، مشيرًا إلى أنه “قدم تقريرًا أوليًّا لنا يحدد ملامح التقصير وأسبابه ومن كان يقف وراءه وتم تحديد الأسماء، ولا يمكن الإفصاح عنها الآن ولكن تم تحديد ذلك”.

مؤكدًا أن “الجيش خرج من معارك يحتاج بعدها فعلًا إلى إعادة تنظيم، بروح جديدة وبآلية وبقيادات جديدة منظمة”, مشددًا مجددًا على ضرورة المحاسبة: “البرلمان والأحزاب السياسية التي شكلت الحكومة لا بد أن تقف بشكل واضح أمام الخروقات التي حصلت والتي يحمل الناس آثارها السلبية”.

بداية المعارك عند “بيجي” شمال “تكريت”

ظهور قوات الحشد الشعبي

على الرغم من أنها تشكّلت لأجلِ “مساندة الجيش العراقي” بادئ ذي بدء، لكنها تحولت بمرور عام واحد فقط لتصبح في موقع أكثر أهميّة واستقطابًا من الجيش العراقي نفسه.

في 13 يونيو 2014، تلا الخطيب الشيعي عبد المهدي الكربلائي فتوى المرجعية الدينية الشيعية آية الله السيستاني، الداعية للشيعة القادرين على حمل السلاح لأن يهبّوا للجهاد المقدّس ضد “التكفيريين” وحماية المقدسات و”مساندة الجيش العراقي” في حملته ضد الإرهاب، لينضمّ بعدها عشرات الآلاف من المقاتلين الشيعيين إلى ما تم تسميته بـ”ميليشيات الحشد الشعبي”.

ومنذ ذلك الحين أصبحت هذه الميليشيات هي “المغيث” الذي يتم اللجوء إليه كلما عجزت القوات العراقية عن التصدّي لتنظيم “داعش” على إحدى الجبهات، وفي الوقت الذي يعاني الجيش العراقي فيه من نقص التسليح والدعم والعتاد الحربي فإن الميلشيات تتلقى دعمًا خارجيًّا مستقلًا ومصادر تمويل غير رسميّة وتخضع للتدريب العالي، وقد أقرّ بهذا وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي، في مارس الماضي، حين صرّح بأن إيران تقدم “دعمًا كبيرًا” للحشد الشعبي على وجه الخصوص.

“نحن من قهرنا داعش التي حاولت تهديد العاصمة ونحن من نخوض معركة الأنبار الآن، دور الحشد الشعبي هو الدفاع عن العراق، ولولا الحشد ربما كان داعش قد دخل لبغداد وسقطت الحكومة والبرلمان.. الجميع يتذكر كيف دخل الدواعش الأنبار بلا مقاومة استثمارًا لوضعية إقصائنا هناك”.          *كريم النوري، المتحدث باسم قوات الحشد الشعبي

ظهور “الحشد الشعبي” كقوة ضاربة في الوقت الذي يعاني فيه الجيش العراقي من تراجع، جعلها تستقطب الدعم وتكسب القوة البشريّة واللوجستية على حساب الجيش، أو كما وصف الأمر الجبوري، رئيس مجلس النواب العراقي:

“الأهم دعوة المرجعية للناس للانضمام إلى الجيش والقطعات العسكرية لمواجهة داعش. الذي حصل أنهم استقطبوا من قبل الأذرع المسلحة للأحزاب فتقوت تلك الأحزاب وأذرعها المسلحة بحكم ما لديها من ماكينة مالية وأصبحت على حساب المؤسسة الرسمية”.

وتذوي قدرة الجيش والحكومة على مسك زمام “الحشد الشعبي” اطرادًا مع زيادة نفوذ الأخير وأهمية وجوده، حيث نقلت جريدة “القدس العربي” مؤخرًا ما أقرّه جلال محمد، مستشار رئيس الجمهورية العراقية، عن كون كتائب «الحشد الشعبي» في محافظة ديالى قامت باختطاف عدد من حرس الرئيس وطلبت فدية 70 ألف دولار لقاء إطلاق سراح كل عنصر منهم.

وهو ما اعتبره مراقبون حادثة تظهر مدى تنامي نفوذ الميليشيات في العراق وتحديها لسلطة الدولة والجيش، يُضاف لها حوادث منع عودة النازحين إلى المناطق المحررة من تنظيم «الدولة الإسلامية» وعدم تسليمها إلى الشرطة والجيش رغم أوامر رئيس الحكومة حيدر العبادي بذلك، وانتهاكات تكريت وغيرها.

قائد قوات “بدر” الشيعية، التابعة لميليشيات الحشد الشعبي، وهو يؤكد دعم “قاسم سُليماني” المستمرّ.

صراع الهيمنة الأمريكي- الإيراني والتدخلات الخارجية

يذكّر رئيس المركز الأوروبي العربي لدراسات مكافحة الإرهاب، جاسم محمد، في حوارٍ له مع “دويتشه فيله” بأن:

“انهيار الجيش العراقي، بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003 لم تتبعه أية جهود حقيقية لإعادة بناء الجيش على أسس قوية وحديثة”، حيث لعبت المحاصصة الطائفية، وسياسة الدمج الخارجي (إدخال مجندين للجيش بوساطة الأحزاب والقوى السياسية) دورًا كبيرًا في إضعاف الروح القتالية للجيش، وربط ولائه بالأحزاب والأشخاص، ما جعل الجيش العراقي “يفشل في فرض نفسه على ساحة المعركة”.

لقد لعب التجاذب السياسي وتباين المصالح الأمريكية الإيرانية في العراق أكبر دور في تعويق مجرى الحلول العملية والتي تصب في مصلحة العراق الحقيقيّة، حيث بدأ الأمر منذ نهاية الغزو الأمريكي 2003 والذي ترافق بعده بحلّ الجيش “لأنه يدين بالولاء للنظام السابق”, ومن ثم تعيين “نوري المالكي” حاكمًا للعراق، وقد قام الأخير المدعوم أمريكيًّا باتخاذ حزمة من القرارات الفاسدة والإقصائية وأنشأ جيشًا مهلهلًا يتخلله الفساد والتحيز العنصري والطائفي والانتماءات وتفْـضلُ فيه المحسوبيّات على الكفاءات.

رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في لقاء مع “جون بايدن” الأمريكيّ.

أما عن التدخل الإيراني فلقد شغلت إيران موقع الدولة الخارجية ذات النفوذ الأكبر في العراق بعد الانسحاب الأمريكي عام 2011م، ونسقّت مع الحكومة العراقية باستمرار ضمن عدة اتفاقيات عسكرية وأمنية مشتركة، وتحاول إيران باستمرار تقوية نفوذها في العراق عبر الدعم غير المحدود لميليشيات الحشد الشعبي ليقوَى جانبه على حساب قوّة الجيش الرسمي نفسه، علمًا بأن التمركز الشيعي في الحكومة والجيش والأمن الذي تسبّبت به القرارات الأمريكية وزاد منه لاحقًا التدخل الإيراني هو أمر يثير الاستياء العراقي العامّ نظرًا لأن السنّة يفوقون الشيعة في المنطقة ككل بنسبة 9 إلى 1 حسب مجلة الإيكونوميست.

ويظهر التنافس الأمريكي- الإيراني على أشدّه في معركة “تكريت” في مارس الماضي، والذي شهدت ظهورًا علنيًّا لقائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، وإشرافه المباشر على العمليات العسكرية للجيش العراقي، ما جعل المتحدثة الرسمية لوزارة الخارجية الأمريكية تُعلِن أنه لا يوجد أي تنسيق بين الجيش العراقي والتحالف الدولي خلال هذه العملية لأن “أمريكا لا تشارك في معركة تكون إيران جزءًا منها”, وقد غابَ طيران التحالف الدولي عن المشاركة في معركة تكريت.

وفي هذا السياق يعتبر الباحث العراقي، جاسم محمد، أن الغطاء الأمريكي “غير فعال”، فعمليات التنسيق بين الجيش العراقي والقوات الأمريكية “قليلة أو شبه معدومة”، كما إن فعالية الردع الجوي تعتمد على السرعة في رصد وقصف الأهداف. كما أن وجود تكامل بين القوات على الأرض والطائرات في الجو، منعدم حاليًا، بالنظرِ إلى كونِ الأهداف الجوية الأمريكية تتم بشكل انتقائي في الغالب وتخضع للمزاج الأمريكي ما يفقدها فعاليتها، بحسب الباحث.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد