أثارت نتائج لجنة التحقيق، التي شكلها رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي للتحقيق في قتل 150 متظاهرًا، وإصابة 6 آلاف آخرين سخطًا شعبيًّا واسعًا فور إعلانها؛ فاللجنة وبعد أسبوعين من تشكيلها خرجت بتقرير خلُص إلى أن: «إطلاق النار على المتظاهرين لم يصدر من أية جهة عليا، وما حدث هو أنَّ الضباط فقدوا السيطرة على قواتهم خلال المظاهرات، وبعض المتظاهرين المقبوض عليهم كانوا متهمين بالإرهاب».

نتائج التحقيق بحوادث القتل التي رافقت اندلاع الاحتجاجات مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2019، تأتي قبل ثلاثة أيام من موعد انطلاق موجة أخرى من المظاهرات في العاصمة العراقية بغداد ومحافظات الجنوب، والتي يُنتظر لها أن تكون أكثر حشدًا، خاصة بعد دعوات الزعيم الشيعي مقتدى الصدر لأنصاره بالانضمام إليها.

لجنة تحقيقية أعضاؤها موالون لإيران

منذ الأيام الأولى على تشكيل اللجنة التحقيقية، والسرية التي أحيطت بمعظم أعضائها، عدا وزير التخطيط نوري الدليمي الذي ترأس اللجنة، بدأت المخاوف في الشارع العراقي تُثار حول مهنية اللجنة وجديتها في الكشف عن المتورطين في قتل المتظاهرين، خاصة بعد التأكد من أن أحد أعضاء اللجنة هو أبو زينب اللامي، الذي يشغل منذ عدة سنوات إدارة جهاز الأمن في قوات الحشد الشعبي، ومعروف عن اللامي قربه وتواصله المباشر مع قائد فيلق القدس الإيراني، وأحد أهم قادة حرس الثورة الإيراني، قاسم سليماني.

أبو زينب اللامي، أو حسين فالح، والذي حسب «مركز أبحاث مكافحة الإرهاب في الأكاديمية العسكرية الأمريكية» في وست بوينت بولاية نيويورك، يدير جهاز أمن الحشد الشعبي، وهو المسؤول المباشر عن معاقبة قادة المليشيات الموالية لإيران في حال خالفوا الأوامر أو التعليمات، كما يُعد اللامي أهم القادة العسكريين لمليشيا «كتائب حزب الله» العراقية.

وفي السابع عشر من الشهر الجاري، نشرت وكالة «رويترز» تقريرًا تضمن شهادات لمسؤولين أمنيين عراقيين كشفوا عن نشر فصائل موالية لإيران قناصتها على أسطح المباني في العاصمة بغداد لقمع المظاهرات، وقال أحد المصادر: «لدينا أدلة مؤكدة بأن القناصين كانوا عناصر من المجاميع المسلحة، والذين يتلقون الأوامر من قادتهم بدلًا من القائد العام للقوات المسلحة، وهؤلاء ينتمون إلى فصيل مقرب جدًّا من إيران».

مصدر أمني آخر أكد لـ«رويترز» أنَّ: «رجالًا يرتدون ملابس سوداء أطلقوا النار على المحتجين في اليوم الثالث من الاضطرابات، الذي ارتفع فيه عدد القتلى من ستة إلى أكثر من 50 قتيلًا، وأن هؤلاء المقاتلين يقودهم أبو زينب اللامي مسؤول أمن الحشد الشعبي».

التقرير نقل أيضًا عن دبلوماسي عراقي قوله إن مجموعة من كبار القادة بالحرس الثوري الإيراني سافرت إلى العراق في اليوم الثاني للاحتجاجات، والتقت بمسؤولي المخابرات والأمن العراقيين. وإن ضباطًا كبارًا في الحرس الثوري يتمتعون بخبرة في احتواء الاضطرابات المدنية استمروا بعد الاجتماع في تقديم المشورة للحكومة العراقية.

تقرير لجنة التحقيق الذي وثَّق مقتل 149 مدنيًّا وثمانية من أفراد الأمن، وإصابة أكثر من 6 آلاف في المحافظات التي شهدت احتجاجات، أوصى بإعفاء 55 قائدًا أمنيًّا من بينهم قائد عمليات بغداد ومعاونه، وقادة شرطة كل من: بغداد، وبابل، والناصرية، والديوانية، وميسان، والنجف، وكذلك إعفاء قائد «الفرقة 11»، و«الفرقة الأولى شرطة اتحادية»، وآمر مشاة «لواء 45»، وإقالة قائد «عمليات الرافدين»، وشمل الإعفاء أيضًا قادة وضباطًا في المخابرات ومديرية مكافحة الإجرام، بسبب ما قالته اللجنة عن: «الاستخدام المفرط للقوة والعتاد الحي، وعدم ضبط إطلاق النار من قبل قوات الأمن على المحتجين، فضلًا عن ضعف قيادة وسيطرة للقادة الآمرين على قواتهم».

Embed from Getty Images

أما فيما يخص القناصة، فاكتفت اللجنة بالقول إنها وجدت أدلةً على وجودهم من خلال العثور على أسطوانات فارغة فوق سطح أحد المباني في بغداد، دون الإشارة إلى هوية القناصة، أو إلى أي جهة ينتمون، فيما اتهمت من أسمتهم بـ«المتظاهرين غير المنضبطين» بحرق مقرات أمنية وحكومية وحزبية، وإلقاء قنابل المولوتوف باتجاه القوات الأمنية.

الحكومة العراقية سارعت وعلى لسان الناطق باسمها سعد الحديثي، إلى «اعتماد نتائج اللجنة في اتخاذ جملة قرارات تتعلق بمساءلة كل جهة وشخص ثبت ارتكابه مخالفات، أو ارتكب أي شكل من أشكال الجرائم ضد المتظاهرين، أو قوات الأمن، أو المال العام أو الخاص».

تجدر الإشارة إلى ما أعلن قُبيل ساعات من إعلان النتيجة، عن أن اللجنة تعمل بمهنية وسرية مطلقة، وقد شُكلت بعمل مهني وحرفي لاعتبارات مهنية خالصة، وليس هناك دور للأحزاب السياسية، وهناك ممثلون عن مجلس النواب والمفوضية العليا لحقوق الإنسان، ومجلس القضاء الأعلى.

رفض لنتائج التحقيق ودعوات لاستقالة الحكومة

ردود الفعل الرافضة لنتائج التحقيق جاءت سريعة وغاضبة، فرئيس الوزراء السابق حيدر العبادي قال إنّ التقرير الحكومي لم يكشف عن الجهات الحقيقية التي أمرت بقتل المتظاهرين، وأنَّ عليها الاستقالة والاعتذار من الشعب عن الجريمة التي ارتُكبت بحق المواطنين العزل، خصوصًا وأنَّ استهدافهم حصل في أكثر من محافظة وفي أكثر من موقع؛ مما يدل على أنَّ التوجيه كان من جهة مركزية عليا.

الباحث في الشأن العراقي علي التميمي ذكر لـ«ساسة بوست» أن نتائج التحقيق جاءت كما هو متوقع، ولم تكن صادمة بالنسبة للشارع العراقي، وأضاف: «الأطراف التي حققت في قتل المتظاهرين هي ذاتها الأطراف المتهمة بارتكاب الجريمة، فكيف للمتهم أن يكون حكمًا؟ بطبيعة الحال سيبرؤون أنفسهم».

Embed from Getty Images

أحد المتظاهرين المصابين يحمله رفيقه خلال احتجاجات ضد الفساد في بغداد

حسين الأعرجي أحد ناشطي المظاهرات في بغداد قال لـ«ساسة بوست» في اتصال هاتفي: «لقد خسرت ثلاثة من أصدقائي برصاص المليشيات، ثم تأتي هي لتكتب بيدها الملطخة بالدمار تقريرًا تافهًا يبرؤها»، وأضاف الأعرجي: «لا نثق بالنظام السياسي كله، ولا حتى بالسلطة القضائية التي أصبحت أداةً بيد أتباع إيران، ومسرحية إعفاء قيادات أمنية لا تقنع عوائل الشهداء ولا المتظاهرين، وخروجنا في الخامس والعشرين من أكتوبر سيكون لأخذ حقنا واسترجاع الوطن الذي سرقوه».

الباحث في شؤون الأزمات والصحافي العراقي صفاء خلف وصف لـ«ساسة بوست» التقرير الحكومي بأنه «تقرير أصفر»، وأنَّه: «يكشف حكومة الطغمة الفاسدة في العراق، وأحاييل النظام لإنقاذ نفسه، فالتقرير يحمل من الطرافة أنه يتهم الدولة الرسمية حفاظًا على كيان الدولة العميقة، فالكيان هو النظام». وعن سؤال «ساسة بوست» له عمّا يعنيه بالكيان، أجاب خلف: «أتباع إيران بالتأكيد».

اغتيالات بالجملة.. الخطر ينال من حياة صحافيي العراق وعائلاتهم!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد