في السنوات القليلة الماضية برز نشاط إقليم كردستان العراق السياسي مع دول عدة تربط بينها علاقات اقتصادية متجذرة، لاسيما الخليج العربي بالتزامن مع جملة المتغيرات بالمنطقة حاليًا. وقد سبق هذا النشاط قفزة اقتصادية كبيرة فتحت الطريق أمام الإقليم إلى استثمارات بمليارات الدولارات في مجال النفط والإعمار، وتطوير علاقاته التجارية، وإنشاء العديد من الشركات الخاصة داخل العاصمة” أربيل”، وفتح قنصليات وممثليات لها.

تطورت العلاقة بشكل أكبر مع دول الخليج العربي والتي التزم معظمها الحياد حيال مشاكل الإقليم الداخلية مع العراق ومطالبته بالاستقلال والانفصال، فبدأ تبادل الزيارات والعلاقات الثنائية، حتى توجت آخرها بجولة رئيس الإقليم” مسعود البارزاني” للسعودية والإمارات تحديدًا.

جولة البارزاني الحالية فتحت جملة من التساؤلات حول أهمية توقيتها في الوقت الحالي، وطبيعة العلاقة بين الإقليم ودول الخليج العربي، وأهم الملفات المتعلقة بها.

(1)  جولة بارزاني إلى الإمارات والسعودية

تتزامن جولة رئيس الإقليم إلى الإمارات والسعودية بعد تصاعد نشاط تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” والتمدد الإيراني داخل معظم المناطق العراقية، فضلا عن تدهور العلاقة بين بعض دول الخليج العربي وإيران على ملفات كثيرة أبرزها سوريا واليمن.

قد يبدو ظاهر الأمر كما نوه الإقليم إلى أن الزيارة تحمل في طياتها ترسيخ للعلاقات الثنائية الاقتصادية مع الخليج، وزيادة أفق التعاون التجاري، لكن قراء السياسة لفتوا إلى أنها امتداد للتأكيد على النهج “البراغماتي” الجديد للسياسة السعودية التي تواجه صراعًا إقليميًّا ودوليًّا مع إيران.

وقد استهدفت الجولة بداية دولة الإمارات التي لها علاقات جيدة مع إقليم كردستان ولا سيما العلاقات التجارية، وهي الدولة الخليجية الوحيدة التي ترتبط بخط جوي مباشر مع العاصمة أربيل، فدار الحديث حول وضع خطة جديدة لزيادة النشاط الاقتصادي بينهما.

أما السعودية فهي المحطة الأهم في الزيارة كونها تحاول قيادة محور عربي – إقليمي لمواجهة تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة العربية كما جرى الحديث في الفترة الماضية، حيث تعاني علاقات الإقليم من توترات كبيرة مع إيران مؤخرًا.

الجدير بالذكر أن السعودية طالما نأت بنفسها عن النزاع الكردي مع بغداد، والتزمت أيضًا بموقف الحكومة في هذا الشأن، إذ لم تحاول إقامة أي نوع من العلاقات السياسية أو غيرها مع إقليم كردستان العراقي إلا من خلال النظام الحاكم في بغداد.

لذا فإنه ثمة من يرى من المراقبين أن الرياض حريصة على أن تحشد معها ما تستطيع من قوى محلية وإقليمية في صراعها مع إيران وتنظيم “داعش”، لاسيما في سوريا والعراق، وبعد التهديدات التي أطلقها الإيرانيون ضد السعودية على خلفية مشاركتها في عملية” عاصفة الحزم” ضد الحوثيين في اليمن أواخر مارس الماضي.

(2)  علاقات كردستان بدول الخليج

تربط بينهما علاقة تجارية اقتصادية وثيقة منذ سنوات عديدة، فالعديد من الشركات الخليجية أنشأت وتم فتح مكاتب لها في العاصمة “أربيل” والتي باتت عاصمة للسياحة العربية العام الماضي.

ومما زاد تماسك هذه العلاقة أنه بعد سقوط نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين في  2003، حافظ الإقليم على استقرار الجانب الأمني، مما أثر إيجابًا على جذب الاستثمارات الأجنبية وحدوث انتعاش اقتصادي مع أبوظبي والدوحة والرياض. كما أن حكومة الإقليم حرصت على التقرب أكثر من دول الخليج والاستفادة من تجاربها خصوصا تجربة دبي والشركات الناشئة عندها، حيث شهدت وقتها العلاقات تطورًا ملحوظًا من خلال عقد اللقاءات الثنائية بين كبار المسؤولين من بعض دول الخليج، ومجيء الشركات ورجال الأعمال إلى أربيل.

بالعودة إلى أول أيام سقوط النظام البعثي العراقي، فإن دول الخليج العربي كما يرى المتابعون تركت الإقليم الكردي لقمة سائغة للأحزاب والتكتلات الشيعية ومن ورائها إيران التي استفادت من دعمه السياسي الكبير لتبسط سلطتها الطائفية الكاملة على العراق وتستفرد بالأحزاب السنية واحدة تلو أخرى، وتبعدها عن الساحة السياسية.

إلا أن زيادة النفوذ الإيراني في المنطقة العربية خلال السنوات القليلة الماضية فرض على الإقليم السني توسيع علاقاته مع دول الخليج للعمل على تحقيق الهدف الواحد، وهو التصدي للمشروع الإيراني، وتشكيل جبهة موحدة بينهما.

ولم تسر العلاقات السعودية العراقية بشكل جيد منذ أوائل التسعينيات عقب اجتياح القوات العراقية الكويت أغسطس  1990م، وإغلاقها للسفارة السعودية في العراق نتيجة لذلك. إضافة إلى أنه بعد عام 2003 شهدت العلاقات الثنائية توترًا خصوصًا خلال تولي نوري المالكي رئاسة الحكومة العراقية السابقة طيلة 8 سنوات، والتي كان يتهم فيها السعودية بدعم “الإرهاب” في بلاده.

في الوقت الحالي ومع اتساع نشاط الإقليم سياسيًّا واقتصاديًّا اتخذت السعودية قرارًا خلال العام الجاري بفتح سفارتها في بغداد والقنصلية الجديدة في أربيل، وهو الأمر الذي قابله الإقليم بتسهيلات لأعضاء البعثة الدبلوماسية السعودية التي ستعمل هناك، وإنهاء إجراءات تأشيرة الدخول للعراق.

لم يقتصر الأمر على السعودية فحسب، فقطر أخذت قرارًا مؤخرًا بتعيين أول سفير لقطر في العراق بعد إغلاق السفارة هناك قبل 25 عامًا، في إشارة واضحة على تحسن العلاقات بين الدول العربية الخليجية والعراق بعد الجفاء الطويل الذي ساهم في تدهور الأوضاع.

وقد مكن ذلك من إعادة العلاقات الاقتصادية وتبادل الخبرات التجارية، إذ أن كردستان العراق أظهر قدرته على تصدير نحو 650 ألف برميل من النفط يوميًّا، وعلى توليد إيرادات كافية بالكاد لتغطية الأجور في القطاع الحكومي المتضخم في المنطقة الكردية.

(3)  ملفات التقارب بين الإقليم والخليج

تبرز عدد من الملفات التي تسهم مؤخرًا في زيادة التقارب الكردستاني الخليجي لعل أبرزها:

التوسع الاقتصادي التجاري

والذي أفرزته الأعوام الماضية من خلال إقامة مشاريع استثمارية متبادلة بين الطرفين، خاصة وأن الإقليم تعمل به 24 مجموعة نفطية غربية تصدر نحو 100 ألف برميل نفط يوميًّا عبر ميناء جيهان التركي.

ويمثل النفط ركيزة أساسية للاقتصاد في الإقليم، حيث تشير تقديرات اقتصادية إلى احتواء الإقليم على أكثر من 45 مليار برميل بترول من الثروة النفطية للعراق، ثالث أكبر منتج للخام الأسود في العالم، وهو ما شجع دول الخليج العربي إلى تقوية العلاقة معه اقتصاديًّا وتجاريًّا.

وقد أثار النفط مشكلات متكررة بين أربيل وحكومة بغداد، وفي عام 2013 أسس الإقليم بالتعاون مع تركيا أنبوبًا خاصًّا بهما لتصدير النفط إلى أوروبا عبر ميناء جيهان التركي.

وتظهر إحصائيات حكومة كردستان تحقيق إقليمها نسبة نمو سنوي تناهز 6%، وتمثل التجارة أحد أهم مصادر الدخل الاقتصادي للإقليم، فضلًا عن وجود أربعة خطوط جوية تسير الرحلات الجوية بين الإمارات والإقليم، وتشجيع فرص الاستثمار السعودي والقطري.

مواجهة «الخطر الإيراني» في المنطقة

التنافس السعودي الإيراني لا يكاد يكون خافيًا على أحد. إلا أنه لا بد من الإشارة إلى أن الاستهداف الإيراني لإقليم كردستان العراق ورئيسه “مسعود بارزاني” قد تضاعف في الفترة الأخيرة وزاد من توتر العلاقات بينهما، بعد عزم الأكراد إجراء استفتاء على تقرير مصير كردستان العراق، وهو ما أثار غضب إيران وحلفائها شيعة العراق معًا.

فضلا عن تشجيع إيران ودعمها فصل السليمانية في الإقليم وإثارتها للخلافات الداخلية كما يتهمها الإقليم مؤخرًا، حيث تنظر إيران في الوقت الحالي إلى استقلال الإقليم على أنه يمهد الطريق لقطع الإمداد البري من إيران إلى سوريا عبر العراق، لان الإمدادات الجوية والبحرية يمكن كشفها والتحكم بها بسهولة.

ومن وجهة النظر الإيرانية، فإن ذلك يسهل من إضعاف النظام السوري الذي سوف يصبح مطوقًا من ثلاث جهات وهي تركيا من الشمال والإقليم السني شرقًا والأردن وإسرائيل جنوبًا، ومن ثم إسقاطه وتفتيت سوريا إلى كيانات طائفية، أو صوملة سوريا، لتحقيق الأهداف المرسومة لها.

المصادر

تحميل المزيد