فتحت جملة الإصلاحات المفاجئة التي أعلنها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بمطالبة من رئيس مجلس النواب سليم الجبوري العديد من التساؤلات حول طبيعتها، ونظرة الساسة والشارع العراقي إليها، فضلا عن احتمال تطبيقها على أرض الواقع.

وتأتي هذه الإصلاحات في ظل فراغ سياسي، وانفلات أمني تعيشه البلاد منذ فترة طويلة، بيد أن الرهان يبقى مرتبطا بمدى جدية القرارات والأخذ بها، خاصة وأن “الجبوري” سيشكل لجنة للنظر بها.

ما هي القرارات الإصلاحية التي أصدرها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي؟

لا بد من التنويه إلى أن هذه القرارات تدور حول طبيعة الفساد الذي تغلغل في المؤسسة السياسية والعسكرية والاجتماعية العراقية، وبات واضحا للجميع ملامسته، فضلا عن تحسين الخدمات العامة.

وكان رئيس البرلمان “الجبوري” قد تقدم بورقة إصلاحات برلمانية إضافة إلى ورقة رئيس الوزراء، تضمنت ترشيق وزاري خلال ثلاثين يوما كمرحلة أولى ليبلغ عدد الوزارات 22 وزارة، ومن أبرز قرارات الإصلاح هي:

  1. تقليص شامل وفوري في أعداد الحمايات لكل المسؤولين في الدولة يتضمن؛ الرئاسات الثلاث والوزراء والنواب والدرجات الخاصة والمدراء العامين والمحافظين وأعضاء مجالس المحافظات ومن بدرجاتهم.

وبالتالي يتم تحويل الفائض إلى وزارتي الدفاع والداخلية حسب التبعية لتدريبهم وتأهيلهم ليقوموا بمهامهم الوطنية في الدفاع عن الوطن وحماية المواطنين.

٢- إلغاء المخصصات الاستثنائية لكل الرئاسات والهيئات ومؤسسات الدولة والمتقاعدين منهم حسب تعليمات يصدرها رئيس مجلس الوزراء تأخذ بالاعتبار العدالة والمهنية والاختصاص.

٣- إبعاد جميع المناصب العليا من هيئات مستقلة ووكلاء وزارات ومستشارين ومدراء عامين عن المحاصصة الحزبية والطائفية، حيث تتولى لجنة مهنية يعينها رئيس مجلس الوزراء اختيار المرشحين على ضوء معايير الكفاءة والنزاهة.

4- إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء فورًا، وربما هذه من أبرز لقرارات التي شكلت صدمة للشارع العراقي، باعتبار أنها طالت مناصب عليا في الدولة.

5- فتح ملفات الفساد السابقة والحالية تحت إشراف لجنة عليا لمكافحة الفساد تتشكل من المختصين وتعمل بمبدأ “من أين لك هذا”؟ ودعوة القضاء إلى اعتماد عدد من القضاة المختصين المعروفين بالنزاهة التامة للتحقيق فيها ومحاكمة الفاسدين.

6- الطلب من مجلس الوزراء الموافقة على القرارات أعلاه ودعوة مجلس النواب إلى المصادقة عليها لتمكين رئيس مجلس الوزراء من إجراء الإصلاحات التي دعت إليها المرجعية الدينية العليا وطالب بها المواطنون في محاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية.

7-إقالة عدد من الوزراء الذين ثبت ضلوعهم في الفساد، في إطار حزمة الإصلاحات الحكومية، حيث طالب “الجبوري” خلال اجتماعه مع الكتل السياسية بإقالة وزير الكهرباء قاسم الفهداوي ووزير الموارد المائية محمد الشمري، وكل من يثبت تقصيره.

كيف تعاطى الشارع العراقي مع جملة القرارات هذه؟

في الأشهر القليلة الماضية عمت العديد من الأراضي العراقية مظاهرات مطالبة بتحسين الأوضاع السياسية والاقتصادية، وخدمات المياه والكهرباء وغيرها، وبالتالي شكلت هذه القرارات دفعة قوية، وأمل كبير لدى الشارع العراقي باحتمال تنفذيها، ومساءلة المقصرين.

لكن تبقى الخشية لدى البعض منهم من أن يتعرض العبادي والمؤسسة القانونية داخل الدولة إلى تحديات كبيرة من شأنها العدول عن تنفيذ هذه القرارات، أو حتى بضغط من الجهات المعارضة للحكومة العراقية سواء داخليا أو خارجيا.

وكما يرى الشارع العراقي أن الأحزاب السياسية لن يكون لها موقف حاسم بخصوص الإصلاحات كونها تستفيد من حالة الفساد المتغلغل في الحكومة العراقية، وبالتالي يبقى دورها في دفع المواطنين للضغط على المسؤولين بضرورة تطبيق القرارات على الجميع دون استثناء.

ولكن، على الرغم من مسارعة السياسيين من مختلف التيارات السياسية إلى الإعلان عن دعمهم للإصلاحات، إلا أن بعضهم قد يتعرض للإقصاء ومن أبرزهم بهاء الأعرجي الذي يتولى شؤون الطاقة.

ويشار إلى أنه يشغل مناصب نواب رئيس الجمهورية الثلاثة وهي فخرية أكثر منها تنفيذية، زعماء الأحزاب السياسية التي تحكم البلاد أي نوري المالكي (دولة القانون)، ورئيس البرلمان السابق أسامة النجيفي (متحدون)، ورئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي (الوطنية).

وكما تشغل ثلاث شخصيات سياسية مناصب نواب رئيس مجلس الوزراء، هي بهاء الأعرجي عن التيار الصدري، وصالح المطلك زعيم الكتلة العربية (أحد التيارات السنية)، وروش نوري ساويش القيادي في التحالف الكردستاني.

وربما ما يطمئن الشارع العراقي في بعض الأحيان هي تصريحات البرلمان بأنه لا توجد أية مؤسسة أو جهة أو هيئة في العراق بمنأى عن عمليات الإصلاح التي أعلنتها الحكومة والبرلمان، مع التأكيد على المضي قدما في الإصلاح بشتى أنواعه.

والجدير ذكره أن اليوم الثلاثاء موعد عقد جلسة للبرلمان لمناقشة ورقة الإصلاح الحكومية وورقة الإصلاح البرلمانية وستكون جلسة البرلمان علنية معلومة لدى جميع الكتل البرلمانية.

وحسب القائمين أن الشعب العراقي سيطلع على أهمية ما سوف تتضمنه ورقة الإصلاح البرلماني كونها محددة وبشكل واضح، منها تحديد توقيتات زمنية لاستجواب الوزراء وإلزام الحكومة بإقالة من ثبت بالدليل القاطع فساده، وهو إجراء سيتم بالتصويت داخل البرلمان.

ما رأي النخبة السياسية بعد قرارات الإصلاح العراقي الأخيرة؟

ثمة من يرى أن القرارات جريئة وفي وقتها وتخدم العملية السياسية وستخدم الفقراء لكنها صعبة جدا، ولا بد من استثمارها عبر المرجعية وبضغط من الجماهير، ومن يعرف طبيعة الفساد المتواجد داخل السلطة.

فريق آخر رأى أن هذه الإصلاحات أفشلت مؤامرة أعداء العراق داخليا وخارجيا، وهم الذين استغلوا التظاهرات الأخيرة المطالبة بالإصلاح لأسباب معينة، واستنادا إلى معلومات مهمة جدا لاستقطاب أتباع الحركات المنحرفة؛ لغرض تدريبهم وتوجيههم لفتح معركة داخل المناطق الجنوبية.

وبالتالي فإن قرارات العبادي ممتازة وصائبة وقد وقف مع الشعب، وكانت قرارات دستورية في ما يخص إعفاء نوابه، أما في ما يخص نواب رئيس الجمهورية فهو غير دستوري كون المادة 78 من الدستور العراقي تنص على أن “رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة”.

وتأتي أيضا هذه الإصلاحات لتخفيف الضغط الجماهيري واستجابة لضغوط المرجعية الدينية، وقد رمى الكرة في ملعب البرلمان، مع احتمال حصول سجال سياسي داخل البرلمان بين الكتل السياسية.

خاصة وأنها مثلت ضربة موجعة لدولة القانون والمالكي، وضربة للسنة، بينما إقالة الأعرجي غير مهمة للتيار الصدري، وحتما فإن السيد مقتدى الصدر لا يمانع في إقالته، بينما الرابح الوحيد هو المجلس الأعلى الذي ما يزال يراقب المشهد منتشيا.

رأي آخر اختلف عن سابقه رأى أن قرارات العبادي هي بمثابة خلط اﻷوراق والإمعان في ارتباك حكومي، وعدم معرفة حدود الصلاحيات، وهو تجاوز غير مهني وغير دستوري للصلاحيات.

من الذي أيد وعارض هذه القرارات؟

اعتبر تحالف القوى السنية العراقية قرارات الإصلاح غير كافية داعيا إلى الضرب بيد من حديد على “مافيا” الفساد معلنا عزمه على إعداد ورقة عمل أكثر شمولا، خاصة وأنها لا تعبر عن المطالَب الأساسية للتظاهرات الاحتجاجية التي تشهدها البلاد منذ أسبوعين ضد الفساد وسُراق المال العام.

ورأى التحالف أنه في الوقت الذي يؤكد دعمه وتأييده للإصلاحات التي تقدم بها العبادي فإنه يجد أنها لا تمثل المطالَب الجوهرية التي خرج من أجلها آلاف المتظاهرين احتجاجا على تفشي ظاهرة الفساد المالي والإداري، وانهيار الوضع الأمني والاقتصادي وانعدام الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين.

ووعد التحالف بتقديم ورقة إصلاح برلمانية تتضمن إصلاحات حقيقية وجذرية تستجيب لكل مطالب المتظاهرين التي تنسجم مع ما نص عليه الدستور والقانون.

في حين دعا النائب عن التحالف الكردستاني زانه العبادي إلى تفعيل قراراته الأخيرة بعدالة بين المكونات السياسي، خاصة وأن بعض القرارات بحاجة إلى إجراءات مهنية كي تنفذ بعدالة خوفا من ظلم بعض الجهات.

ورحب أسامة النجيفي نائب رئيس الجمهورية بهذه القرارات، معتبرا أن المعيار المهم في هذه المرحلة الحاسمة للعراق هو الولاء للشعب وتحقيق الإصلاحات ومحاربة الفساد، وكما حذت حذوها الهيئة السياسية للتيار الصدري ترحيبها بقرارات العبادي.

بيد أن رئيس الوزراء الأسبق ونائب رئيس البلاد إياد علاوي قدم دعمًا مشروطًا لهذه الإصلاحات، حيث على الرغم من ترحيب كتلته “ائتلاف الوطنية” بأي “قرار يؤدي إلى تلبية مطالب شعب العراق، الذي انتفض في المحافظات المختلفة مطالبًا بإنهاء الفساد وإعادة الثروات المنهوبة وتوفير الخدمات”، فإنه حذر مما وصفها بـ”دكتاتورية جديدة”.

المصادر

تحميل المزيد