يعيش ملايين اللاجئين والنازحين العراقيين معاناة قد يُضاعفها تجاهلها عالميًا. وتحمل تلك المعاناة طابعًا استثنائيًا في مدينة الموصل وغيرها من المدن التي كان تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، والتي تسعى الحكومة العراقية لاستعادة السيطرة عليها. هذا وتمتد معاناة العراقيين خلال العقود الثلاثة الماضية، منذ حرب الخليج الأولى نهاية بالغزو الأمريكي للعراق وما نتج عنه.

أعداد اللاجئين والنازحين العراقيين

أدى النزاع الدائر في العراق إلى نزوح ملايين العراقيين عن منازلهم ومواطنهم الأصلية إلى مناطق أخرى داخل العراق، أو لجوء بعضهم إلى بلدان أخرى غير العراق، ولا تأخذ قضية اللاجئين العراقيين الصيتَ الإعلامي الكافي بالرغم من أن أعدادهم تصل إلى الملايين، وهو ما قد يضاعف المعاناة التي قد يعيشها اللاجئون بالفعل، نتيجة تسبب الحروب والصراعات في نزوحهم عن مواطنهم.

وتتباين الأرقام والإحصاءات حول عدد اللاجئين والنازحين العراقيين حاليًا، وسط صعوبة للوصول لتلك الإحصاءات، ففي الخامس من يناير (كانون الثاني) الماضي، أصدرت الأمم المتحدة في العراق، مصفوفة لتتبع حركة النزوح داخل العراق. وتمثل تلك المصفوفة أداة للإدارة المعلوماتية للمنظمة الدولية للهجرة توفر معلومات عن وضع النازحين داخل العراق.

وبلغ عدد النازحين بالداخل العراقي، وفقًا لتوثيق المصفوفة، ثلاثة ملايين نازح عراقي، وهو رقم يقترب من رقم منظمة العفو الدولية التي أفادت في تقريرها عن العراق لعام 2016-2017، بنزوح قرابة 3.1 مليون شخص بالداخل العراقي.

وتعد أرقام تلك المصفوفة من أحدث الإحصاءات الرسمية بشأن أعداد النازحين في العراق، وفي إحصائية أممية أقدم تضم أرقامًا عن النازحين داخليًا في العراق، واللاجئين العراقيين خارج البلاد، ذكر معهد العلاقات الدولية بجامعة واتسون الأمريكية، في قسم «تكاليف الحرب»، أن المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة أفادت بأنه مع نهاية عام 2015،  تعدى عدد النازحين العراقيين 4.4 ملايين، ذلك بالإضافة إلى 264.100 لاجئ عراقي فروا من البلاد.

200 ألف نازح بسبب معركة استعادة الموصل

في 17 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، قررت الحكومة العراقية بدء معركة استعادة مدينة الموصل من «تنظيم الدولة» الذي سيطر على المدينة العراقية في يونيو (حزيران) 2014، وهي المعركة التي تقترب من شهرها الخامس دون استعادة الحكومة العراقية لكامل المدينة، بالرغم من تأكيد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في مقابلة له مع وكالة أسوشيتد برس، أجراها في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تحريره للموصل قبل انتهاء عام 2016 الذي انتهى بالفعل منذ أكثر من شهرين.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

ومنذ الأيام الأولى للمعركة بدأ «نزيف» نزوح المدنيين من الموصل؛ إذ شهد أسبوع المعركة الأول فقط نزوح 4 آلاف مدني من الموصل، بحسب ما أعلن التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا لمواجهة «تنظيم  الدولة» في سوريا والعراق.

وبمرور الوقت ازدادت معدلات النزوح بشكل ملحوظ، ليبلغ متوسط النزوح اليومي للمدنيين من غرب الموصل، خلال الأسبوع قبل الماضي، أربعة آلاف نازح يوميًا، وهو أعلى معدل للنزوح منذ بدء معركة استعادة الموصل، بحسب ما أعلنت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، في تقرير لها نشرته في الرابع من مارس (آذار) الجاري.

ووفقًا لنفس التقرير فإن 191.800 عراقي نزحوا من الموصل  والمناطق المحيطة بها منذ بدء معركة استعادتها، وتزداد المخاوف على ربع مليون مدني قد ينزحون من غرب الموصل، من أصل 750 ألفًا يعتقد بأنهم لا يزالون يعيشون هناك.

ويبدو أن عدد نازحي الموصل تخطى 200 ألف مدني، بعدما أعلنت وزارة الهجرة والمهجرين العراقية السبت الماضي، نزوح 12458 شخصًا من غرب الموصل، خلال يوم الجمعة الماضية فقط. وبعدما ينزح آلاف العراقيين من جحيم معركة الموصل، يذهبون في جحيم من نوع آخر يتمثل في عنصرية مليشيات الحشد الشعبي الشيعية التي تشارك الجيش العراقي في معركة استعادة الموصل، باعتبارها جزءًا منه بعدما أعلنت الحكومة  العراقية  رسميًا أن «الحشد الشعبي» جزء من القوات المسلحة العراقية في فبراير (شباط) 2016، وأفادت تقارير صحافية وحقوقية بتعرض النازحين السُّنَّة من الموصل لعمليات قتل وتعذيب على يد المليشيات الشيعية.

كما أفادت منظمة العفو الدولية بهدم المليشيات الشيعية لـ345 منزلًا في المناطق المحررة غربي الموصل، خلال أربعة أشهر منذ بدء المعركة «دون ضرورة عسكرية»، وقالت لمى فقيه، نائب مدير قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش إن أعمال الهدم  تلك «ستمنع العائلات النازحة بسبب الحرب من العودة إلى قراها».

وما نوهت له لمى وقّع بالفعل عندما منُع عشرات آلاف النازحين السُنة من المناطق التي استعادتها الحكومة العراقية من «تنظيم الدولة» في محافظات بابل وديالى وصلاح الدين، من العودة إلى ديارهم «من خلال خليط من الإجراءات الإدارية المرهقة، وأساليب الترهيب التي تتبعها الميليشيات، مثل عمليات الاختطاف، والاحتجاز التعسفي، والإعدام خارج نطاق القضاء، وتدمير المنازل» بحسب ما أعلنت منظمة العفو الدولية.

العنصرية تطارد النازحين السُّنة

كانت هناك دماء على الجدران، ضربوني وضربوا الآخرين بأي شيء كانت تقع عليه أيديهم.

ولا تتوقف انتهاكات الحشد الشعبي ضد المدنيين السنة على النازحين من الموصل فقط، وإنما أصبحت تلك الانتهاكات معتادة ضد النازحين السنة من مناطق سيطرة «تنظيم الدولة»، تحت دعوى تعاونهم مع التنظيم، والمثال الأقرب في هذا الصدد هو تعامل تلك المليشيات مع نازحي الفلوجة، تلك المدينة التي انتهت الحكومة العراقية من استعادتها  من «تنظيم الدولة» في نهاية يونيو (حزيران)  الماضي، وتسببت معركة استعادتها في نزوح  84 ألف شخص.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

وبالإضافة إلى سوء الأوضاع المعيشية التي عاشها نازحو الفلوجة من نقص في أبسط الاحتياجات الإنسانية الكساء والدواء والطعام والمأوى، لم يسلم النازحون من طائفية وعنصرية الحشد الشعبي الذي مارس الانتهاكات ضدهم، فبعد انتهاء معركة استعادة الفلوجة، أفاد تقرير أممي في منتصف شهر يوليو (تموز) الماضي، بفقدان 740 رجلًا وفتى عراقيًّا من جراء المعركة، وأعلن «يان كوبيس» المبعوث الأممي إلى العراق، أن الأشخاص المفقودين كانوا قد احتجزتهم قوات الحشد الشعبي، وأفاد كوبيس أمام مجلس الأمن أن البعثة الأممية تلقت تقاريرَ موثوقًا بها، عن عمليات تعذيب وقتل وخطف نفذتها قوات الحشد الشعبي وقوات الأمن العراقية.

«كانت هناك دماء على الجدران، ضربوني وضربوا الآخرين بأي شيء كانت تقع عليه أيديهم: بالقضبان المعدنية، والمجارف، والأنابيب، وأسلاك الكهرباء. داسوا على جسدي ببساطيرهم، رأيت شخصين يموتان أمام عيني»، هكذا يحكي أحد الناجين من تعذيب المليشيات الشيعية، من الذين فروا من الفلوجة، مُضيفًا لمنظمة العفو الدولية :««أهانوني، وقالوا: إن هذا تسديد لحساب مجزرة سبايكر»، وسبايكر هي تلك الواقعة التي قتل فيها «تنظيم الدولة» 1700 طالب من الكلية العسكرية الشيعية.

وحكى الشاب الناجي أن 17 من أقاربه لا يزالون مفقودين بينهم قاصر لا يتعدى عمره 17 سنة، فيما قُتل أحد أقاربه من تعذيب المليشيات الشيعية، ويبدو أن الإخفاء القسري المصحوب بالتعذيب والإعدام، أمورٌ اعتادت المليشيات الشيعية ممارستها ضد الفارين السنة، من المدن التي كانت تخضع لـ»تنظيم الدولة«، بحسب ما أظهر تقرير لمنظمة العفو الدولية، صدر في أكتوبر (تشرين الأول)، استند إلى مقابلات مع ما يزيد على 470 من المعتقلين السابقين وشهود وأقارب لمن قتلوا أو اختفوا أو اعتقلوا وكذلك مع مسؤولين وناشطين وعاملين في مجال المساعدات الإنسانية، وآخرين، وحمّل المليشيات الشيعية والحكومة العراقية مسؤولية تلك الانتهاكات.

وأفاد التقرير باختطاف المليشيات الشيعية 73 رجلًا وشابًا من عشيرة «الجميلة» السنية بعد فرارهم من الفلوجة، ولا يزالون في عداد المفقودين حتى الآن، فيما أعدمت المليشيات الشيعية 12 رجلًا وأربع فتيات من نفس القبيلة رميًا بالرصاص، ذلك بالإضافة إلى اختطاف 1300 من قبيلة المحامدة السنية بعد فرارهم من الفلوجة، ظهر 600 منهم بعد ثلاثة أيام، وعلى أجسادهم آثار التعذيب، فيما أُعدم 49 منهم، إما بإطلاق الرصاص عليهم، أو بإحراقهم وتعذيبهم حتى الموت، فيما لا يزال 643 منهم في عداد المفقودين.

تاريخ النزوح العراقي خلال العقود الثلاثة الماضية

لا تتوقف معاناة النازحيين العراقيين على الحرب الدائرة حاليًا، إنما تمتد للعقود الثلاثة الماضية، التي شهدت العديد من الصراعات التي دفعت ملايين المدنيين للنزوح داخل العراق أو النزوح خارج البلاد، من أبرزها حرب الخليج والغزو الأمريكي للعراق. فخلّفت حرب الخليج التي بدأت في أغسطس (آب) 1990، ببن العراق والكويت، ثلاثة ملايين نازح الكثير منهم عراقيون، معظمهم من الطائفة الشيعية والأكراد الذين كانوا يخشون من الرئيس العراقي السابق صدام حسين.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

كما أدى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 إلى نزوح ولجوء أكثر من ثلاثة ملايين عراقي، ففي فبراير (شباط) 2007، قال أنطونيو  جويتيريس إن الغزو الأمريكي للعراق أدى إلى  فرار نحو مليوني لاجئ عراقي خارج بلدهم، ذلك بالإضافة إلى نزوح 1.7 مليون عراقي  داخل البلاد، فيما تفيد إحصاءات تعود لسبتمبر (أيلول) 2008، إلى نزوح 4.5 مليون عراقي داخل وخارج البلاد.

 

وكانت سوريا هي المستقبل الأكبر للاجئين العراقيين آنذاك، باستقبالها أكثر من    1.2مليون لاجئ عراقي، وعاش العراقيون أوضاعًا صعبة هناك، وأفادت المفوضية العليا للاجئين بأن 27% من اللاجئين العراقيين في سوريا يعيشون بلا عائل، كما أفاد تقرير لصحيفة الإندبندنت البريطانية بأن 50 ألف سيدة وفتاة عراقية أجبرن على العمل في البغاء بسوريا كي يستطعن العيش.

ومع بدء الحرب السورية في 2011، عاد الكثير من اللاجئين العراقيين  في سوريا إلى العراق مرة أخرى، وكان معظم العائدين من الشيعة، الذين عادوا لبلد لم يكن مستقرًا بما فيه الكفاية، فيما ظل أقل من مائتي ألف نازح عراقي في سوريا، التي تستمر فيها حرب من أخطر الحروب في التاريخ الحديث.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد