من الطبيعي أن تشهد أسعار النفط العالمية ارتفاعًا في الأسعار في حال عمت الفوضى في واحدة من أكبر منتجي النفط في العالم. غير أن ما جرى كان على النقيض من ذلك. فأسواق النفط على ما يبدو لم تتأثر كثيرًا عندما استولت إحدى المليشيات الإسلامية الراديكالية على غرب ووسط العراق في شهر يونيو من العام الماضي.

جدير بالذكر أن العراق يحتل المرتبة الرابعة عالميًا في قائمة الدول الموردة للنفط، ويتوقع أن يحتل صدارة الدول المنتجة للنفط خلال العقود القليلة القادمة.

وفي الوقت الذي تستأثر فيه المناطق الشمالية من العراق والتي لا تشهد أي عمليات قتالية على ما نسبته 90% من الإنتاج النفطي، فقد شهدت معدلات الإنتاج ارتفاعًا بوتيرة قياسية أفضت إلى تفاقم في المعروض العالمي من النفط أدى إلى انهيار في الأسعار في نهاية 2014.

حالة الهرج التي تشهدها العراق في مقابل انخفاض الأسعار تشي بالتغير الذي شهدته تجارة النفط في السنوات الأخيرة، فضلًا عن أنها تثير تساؤلات حول ما إذا كانت إمدادات الطاقة العالمية الغزيرة يعتريها بعض المخاطر الجيوسياسية.

الموقف الحالي

ارتفع الإنتاج النفطي في العراق إلى مستويات قياسية بلغت نحو 4 مليون برميل يوميًا في أوائل عام 2015، وهو ما أدى بالتبعية إلى ارتفاع الصادرات إلى مستويات لم تبلغها منذ ثمانينات القرن الماضي. تتمركز الحقول الرئيسية في المناطق التي تسيطر عليها الأغلبية الشيعية التي تهيمن على الحكومة المركزية. هذا بالإضافة إلى حقول أخرى بالمناطق التي تخضع لسيطرة القوات الكردية التي صدت هجوم تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في يونيو الماضي.

وكانت الحكومة العراقية والسلطات الكردية توصلتا إلى اتفاق في شهر ديسمبر الماضي بشأن الصادرات النفطية في المناطق الكردية التي تتمتع بحكم شبه ذاتي. اتفاق كان خطوة نحو تسوية الخلافات التي تعرقل الجهود المشتركة لمكافحة المتمردين.

يأتي هذا في الوقت الذي سيطر فيه تنظيم داعش على مجموعة قليلة من حقول النفط تزامنًا مع إعلان قيام الخلافة في مناطق من العراق وسوريا. وتقدر قيمة الإنتاج النفطي في تلك المناطق الخاضعة لداعش بحوالي 2 مليون دولار يوميًا. فيما تقول الولايات المتحدة أن الغارات الجوية أعاقت من قدرة التنظيم على تكرير وبيع النفط.

وبينما قامت الشركات العاملة في مجال النفط في البداية كشركتي بي بي وإكسون موبيل بإجلاء العمالة، لم تسحب أي من هذه الشركات أعمالها من العراق. في المقابل، فإن انخفاض أسعار النفط في الوقت الراهن يبقى التهديد الأكبر، خاصة وأنها تتطلب إعادة النظر في خطط الاستثمارات التي تشمل الآبار ومحطات النفط وخطوط الأنابيب والمصافي.

وإذا كانت أسعار النفط قد ارتفعت بنحو 50% قبل الغزو الأمريكي للعراق بستة أشهر في عام 2003، فعلى النقيض من ذلك، ارتفع سعر خام برنت بمقدار 6% فقط بعد أسبوعين من سقوط الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية.

تتزامن حالة الفوضى التي يعيشها العراق في وقت يفيض العالم فيه بالإنتاج النفطي. فمن جانب، حققت الولايات المتحدة طفرة في استخراج النفط الصخري، ومن جانب آخر، رفضت منظمة الدول المصدرة للبترول “أوبك” بما في ذلك المملكة العربية السعودية تخفيض معدلات الإنتاج.

وفي ظل التداعيات الأمنية التي تشهدها البلاد، فإن هناك حالة من القلق المتصاعد بشأن تأمين حقول العراق النفطية. يأتي هذا بالتزامن مع تراجع الصادرات الإيرانية من النفط بفعل العقوبات، وهو الأمر الذي لا يختلف كثيرًا في ليبيا بفعل الصراعات الداخلية.

ويستأثر العراق الآن بحوالي 4% من الإنتاج العالمي. كما أن هناك العديد من الشركات العاملة في العراق ومن بينها شركة رويال داتش شل والصين الوطنية للبترول، والتي تعمل على تطوير حقول النفط الغزيرة بعد عقود من الحرب والإهمال في بلد يحتل المرتبة الخامسة في قائمة الدول التي لديها احتياطيات نفطية تعد الأرخص عالميًا على صعيد التطوير والإنتاج.

إن حالة عدم الاستقرار في العراق من شأنها أن تبطئ من عمليات تطوير الحقول النفطية في البلاد. وعلى الرغم من ذلك، فإن العالم سيعتمد بشكل متزايد على نفط العراق على المدى البعيد، خاصة في ظل توقعات بمضاعفة ذلك الإنتاج بحلول عام 2040.

وإذا كانت ميزانية الاقتصاد العراقي تعتمد بشكل كبير على العائدات النفطية، فإن العائدات المفقودة من تراجع الأسعار ستحد من قدرة البلاد على قتال المتمردين، وكذا الحفاظ على التدفقات النفطية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد