نقلاً عن الخليج الجديد

 

أظهرت الأحداث في العراق خلال الشهر الماضي أن أي نجاح في العراق يتطلب من كل من الحكومة العراقية والولايات المتحدة أن تذهبا إلى أبعد من الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، وجعل أي نقاش منحاز بشأن إمكانية خسارة العراق بمثابة إفساد لمصالح الولايات المتحدة الوطنية، تماما مثل أي جانب آخر من الانجراف الأمريكي تجاه التطرف الحزبي.

الحرب ضد «الدولة الإسلامية» هي أمر حرج بالنسبة لمصلحة الأمن القومي للولايات المتحدة. لأنه يهدد ليس فقط بخلق مركز رئيسيا للإرهاب والتطرف في جزء هام من منطقة الشرق الأوسط، والوحيد الذي يمكن أن ينتشر ليهدد تدفق صادرات الطاقة والاقتصاد العالمي، ولكنها يمكن أن تصبح مركزا رئيسيا للإرهاب الدولي. ومن المهم أن نفهم أن «الدولة الإسلامية» أحد أبرز الأسباب وراء عدم الاستقرار في المنطقة، وأحد التهديدات الناجمة عن انتشار العنف الطائفي والعرقي.

والعراق قضية رئيسية في ذلك الأمر. ولن تجلب هزيمة «الدولة الإسلامية» الأمن ولا الاستقرار للعراق، أو تعطيه وحدة وقوة مستقلة لمقاومة الضغوط من إيران والتهديدات التي مقرها سوريا وتركيا. كما لن يكون بإمكان أي عمل عسكري أن يعمل من تلقاء نفسه مؤسسًا لنظام واقتصاد مستقر، ومقللاً من التوتر بين العراقيين السنة والشيعة، والعرب والأكراد، إلى مستويات قابلة للتطبيق. ومثل سوريا وليبيا واليمن، يجب ربط العمل العسكري بالعمل السياسي والاقتصادي وخلق شكل من أشكال الحكم القابل للتطبيق.

ويجب على سياسة الولايات المتحدة أيضا أن تعي أنه لا شيء يمكن أن يكون أكثر ضررا أو بلا فائدة في خدمة المصالح الأمريكية في هذه المرحلة من النقاش الحزبي التي تركز على ما إذا كان الرئيس «بوش» أو الرئيس «أوباما» قد ”خسر العراق“ بسبب سوء الجهد العسكري الأمريكي.

الوضع المدني والعسكري الأوسع في العراق يعد أقل قتامة مما كان عليه في سوريا. كل ذلك هو واضح جدا، ومع ذلك فإن العراق لا يمكن أن يركن على مثل هذا «النصر» في التعامل مع مشاكله الداخلية، وأن أي نوع من «النصر» قد يقود بشكل فعال إلى توترات بين السنة والشيعة، والعرب والأكراد، وما يجعله أسوأ من ذلك هو ما إذا كان هذا الفوز بطريقة لا تقدم للسنة في العراق مستقبلا واضحا، ويجعل هزيمة «الدولة الإسلامية» بمثابة التحرر الحقيقي بدلا من التوجه نحو مزيد من سوء معاملة الشيعة للسنة، وتمهيدا لصراعات في المنطقة بشان حجم المناطق التي يسيطر عليها الأكراد و صلاحيات الحكومة الإقليمية الكردية (حكومة إقليم كردستان).

وليس بإمكان العراق أيضا إنشاء قوات أمنية فعالة أو قاعدة قانونية ذات مغزى دون معالجة الانقسامات الطائفية والعرقية التي تمزق البلاد. ولن يكون أي شكل من أشكال الحملات الجوية أو عمليات التدريب أو مهام المساعدة أو حتى مزيج من مستشاري القتال دائم النجاح ما دام العراق مجزأ بين شيعة تسيطر على الجيش والشرطة، ومليشيات شيعية وقوات كردية مستقلة، ومزيج ضعيف من السنة يضم القوى القبلية التي تنشط فقط في غرب البلاد.

ويجب على إدارات «بوش» و«أوباما» أن تتحمل جزءا من اللوم في جانب من العملية السياسية التي قسمت البلاد على أسس طائفية وعرقية، وقادت العراقيين إلى المقاومة والاستمرار في التحذير من الوجود الامريكي والقوات محدودة، فضلا عن تمكين «المالكي» في تسييس القوات العراقية، وتقسيم البلاد، ليصل إلى حالة من الحرب الأهلية على مستوى منخفض بحلول عام 2013، وتهيئة الظروف أمام «الدولة الإسلامية» لتظهر وتغزو بنجاح. التاريخ الكامل لهذه الأحداث، والذي سوف يظهر أن مشاكل العراق بدأت قبل وقت طويل من الغزو الأمريكي، حركتها الانقسامات العراقية أكثر من الأخطاء التي اقترفتها الولايات المتحدة، وعلى الأقل بقدر ما كانت هي نتاج أسباب أهلية كامنة وراء عدم الاستقرار العراقي تماما كأي خطأ للولايات المتحدة.

ومن الواضح أيضا أنه لن يكون هناك مزيد من الاستقرار ما لم يكن هناك حد لدور إيران، وخلق نوع من العزلة على ما يبدو من المرجح أن يكون استمرار لحالة عدم الاستقرار في سوريا، وفصل إلى حد كبير منطقتها الكردية من المخاوف التركية بشأن الأكراد، وخلق علاقات إيجابية مع الدول العربية الأخرى، ووضع حد لخطر الصراع على السلطة المستمر للسيطرة على الموارد النفطية وعائدات التصدير. العراقيون بحاجة إلى “هيمنة” عراقية إذا كان للعراق أن يصبح قوة للاستقرار الإقليمي وليس تهديدا له.

وجعلت الأسابيع القليلة الماضية أيضا من الواضح تماما أن التحدي الحقيقي في العراق ليس عدم إخراج «الدولة الإسلامية» من الأنبار ونينوى، ولكن مساعدة العراق ببعض أشكال تحقيق الأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي. ومن الأهمية بمكان دفع «الدولة الإسلامية» من المناطق السنية في غرب العراق، ولكن هزيمة «الدولة الإسلامية» ببساطة سوف لا يكون مهما إذا لم يكن جزء من جهد أوسع لإيجاد علاقات سياسية واقتصادية مستقرة بين السنة والشيعة وبين العرب والأكراد، تمنحهم الأمن، وتخلق بنية حكم يشعر جميع العراقيين معها أنها تخدم مصلحتهم، وتعيد العراق مرة أخرى إلى الانتعاش الاقتصادي على نطاق أوسع، ومن ثم يعقب ذلك تنمية على نطاق أوسع.

ويتناول تقرير جديد صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية «إس سي آي إس» التاريخ الذي شكل المشاكل المدنية والعسكرية التي تهدد الآن استقرار العراق، وقائمة من القضايا المتعلقة بالأمن والحكم والاقتصاد، بالإضافة إلى القضايا العرقية والطائفية التي يجب على الحكومة العراقية والولايات المتحدة أن تتعامل معها. وهذا يظهر مدى ضآلة تأثير أي انتصار ضد «الدولة الإسلامية» ما لم يتبنى العراق برنامجا إصلاحيا أوسع بكثير وأكثر فعالية من ذلك الذي اقرحه رئيس الوزراء «العبادي» حتى الآن، وأن هذه المشكلات في الحكم والاقتصاد والتعامل مع مشكلات العراق الأوسع نطاقا مع مواطنيها الشيعة والاكراد يشكلون تهديدا أكثر خطورة على كل من العراق والولايات المتحدة أكثر من «الدولة الإسلامية».

المصدر | أنتوني كوردسمان، مركز الدراسات الاستراتيجية
عرض التعليقات
تحميل المزيد