منذ تصنيف الولايات المتحدة الأمريكية «الحرس الثوري الإيراني» منظمة إرهابية، تناثرت المزاعم حول فرار بعض كبار قادة الحرس إلى بلدان أخرى، واعتقال آخرين بتهمة التجسس. في الوقت ذاته، حدثت العديد من التغييرات الهيكلية والشخصية داخل الحرس الثوري الإيراني، ربطها «مركز القدس للشؤون العامة» بالمشكلات الداخلية التي يشهدها «الباسدران».

«الحرس الثوري ليس جمعية خيرية».. هكذا يسدد الأسد فاتورة حرب إيران لصالحه؟

فرار واعتقال وتهديدات بالقتل

أفادت تقارير نشرتها المعارضة الإيرانية باللغة الفارسية أن محمد طوالي، نائب قائد «إدارة الشؤون الإستراتيجية والمراقبة» في «الحرس الثوري الإيراني»، اعتقل في إيران بعد أن أظهر تحقيق استمر لمدة عام أنه ساعد «الموساد» الإسرائيلي في تهريب الأرشيف النووي إلى خارج إيران وتسريبه إلى إسرائيل.

استنادًا إلى معلومات «حصرية» وصلت إلى علي جافانماردي، مؤسس موقع «Avatoday.net»، مصدرها على ما يبدو شخصيات بارزة في كردستان العراق، يبدو أن التحقيقات المحمومة في إيران منذ تهريب الأرشيف إلى إسرائيل قد أوصلت رؤساء المخابرات الإيرانية إلى استنتاج أن طوالي هو الشخصية الإيرانية البارزة التي تعاونت مع إسرائيل. وأفاد جافانماردي، الذي يعيش في المناطق الكردية شمال العراق ويعمل مراسلًا باللغة الفارسية لإذاعة «صوت أمريكا»، بأن طوالي اعتقل مؤخرًا بعد مراقبته لفترة. ويقول الإيرانيون في المنفى إن طوالي شعر بالخطر، وكان يستعد لمغادرة إيران حين ألقت السلطات القبض عليه.

وقال الناشط السياسي الإيراني، رضا عليجاني، لراديو «فاردا» العام الماضي: إن العديد من أعضاء الحرس الثوري المكلفين بجمع المعلومات الاستخباراتية عن العمليات الإسرائيلية أُعدموا بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، بالإضافة إلى المزيد من التقارير المشابهة عن مسؤولين آخرين.

قبل عدة أسابيع، ذكرت شخصيات إيرانية معارِضة أن الجنرال علي ناصري، الذي كان حتى ذلك الحين رئيس جهاز «أنصار المهدي» التابع لـ«الحرس الثوري»، فر من إيران بمعلومات حساسة للغاية حول «الحرس الثوري الإيراني» حتى يتمكن من تقديمها إلى «دولة أجنبية» مقابل حصوله على اللجوء السياسي. لكن الإعلام الإيراني أنكر هذه المعلومات بعد أيام قليلة من نشر التقرير، ونشر صورة لناصري وهو يحضر حفل تعيين حسين سلامي قائداً له.

Embed from Getty Images

احتفالات بيوم القدس العالمي برعاية الحرس الثوري

لكن قبلها بيومٍ واحد، جُرِّد ناصري من منصبه، وحل مكانه قائد آخر يدعى فتح الله جمري، كان يشغل سابقًا منصب قائد وحدة الحرس في محافظة يزد وسط إيران. لا تزال المعارضة الإيرانية تدعي أن ناصري فرّ في وقت سابق إلى دولة مجاورة بمعلومات أمنية حساسة، وأن النظام الإيراني، الذي يدرك الخطر الكبير المترتب على ذلك، يحتجز عائلته كرهينة في إيران بينما يهدد ناصري بأنه إذا لم يرجع على الفور فستكون حياتهم في خطر. ويبدو أنه عاد، وأجبر على حضور الاحتفال الذي التقطت فيه صورته.

منذ ذلك الحين، اختفى أثر ناصري مرة أخرى، على الرغم من ادعاءات النظام الإيراني بأنه يواصل خدمته داخل «الحرس الثوري الإيراني» لكن في منصب آخر.وفي أبريل (نيسان)، نشرت وكالة «فارس» للأنباء، المرتبطة بـ«الحرس الثوري الإيراني»، ملفًا صوتيًا ينفي فيه ناصري هروبه من إيران، ويؤكد إعادة تعيينه في منصب آخر، كجزء من إجراء روتيني، وينفي أن أن يكون هذا التغيير نتيجة خلاف بينه وبين قائد «الحرس الثوري الإيراني» السابق علي جعفري.

تواصلت مزاعم المنفيون الإيرانيون، فقالوا إن الجنرال مصطفى ربيع، رئيس منظمة «حماية الاستخبارات»، فر من إيران منذ وقت ليس ببعيد. لكن في 8 مايو (أيار) 2019، أعلنت مواقع إخبارية إيرانية رسمية أن ربيع انتقل إلى وظيفة مختلفة، وحل محله رضا سليماني.

وفي ضوء التقارير الكثيرة حول انشقاق وهروب كبار قادة الحرس الثوري الإيراني، أصدر المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني رمضان شريف بيانًا رسميًا في 11 يونيو (حزيران) 2019، ينفى المزاعم القائلة بأن كبار القادة اعتقلوا أو فروا من إيران. وقال البيان: «في محاولة لتشويه الحرس الثوري الإيراني، والتقليل من الدعم الواسع الذي يتمتع به في صفوف الرأي العام الإيراني وخارجه، لجأ أعداء إيران إلى تكتيك مألوف للغاية يتمثل في استخدام وسائل إعلام وشبكات اجتماعية غير موثوقة لنشر الشائعات حول قادة «الحرس الثوري الإيراني» وكبار المسؤولين وعلائلاتهم، خاصة في ضوء التعيينات الجديدة داخل المنظمة.

وذكر البيان صراحة أسماء القادة علي ناصري ومصطفى ربيع ومحمد طوالي، مؤكدًا أن «هؤلاء القادة الأعزاء هم أشخاص جيدون، وأعضاء نشطون في الحرس الثوري الإيراني، يؤدون أدوارهم الجديدة، وتصدر تقارير عن نشاطهم من حين لآخر». ومنذ تعيين حسين سلامي كقائد لـ«الحرس الثوري الإيراني»، ورفع رتبته إلى لواء، شهدت المنظمة تغييرات كثيرة على مستوى الأفراد. ففي 16 مايو (أيار) 2019، وعين المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي يشغل أيضًا منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإيرانية، علي فدوي (القائد السابق لسلاح البحرية في الحرس) نائبًا لقائد الحرس، ومحمد رضا نقدي نائبًا لمنسق قيادتها العليا.

تغييرات هيكلية في صفوف «الحرس الثوري الإيراني»

في الظاهر، يبدو أن «الحرس الثوري الإيراني» مجموعة موحدة ومتجانسة تسير وفق هدف وجدول أعمال محددان. لكن داخل الهيكل التنظيمي وخلف الكواليس، توجد اختلافات في الأسلوب وكذلك في الاستراتيجيات. تحول «الحرس الثوري»، الذي يضم 125 ألف عضو، إلى مجمع صناعي عسكري واسع منذ أنشأه آباء الثورة الإسلامية التي أطاحت بالشاه قبل 40 عامًا.

ويقدم الحرس تقارير مباشرة إلى آية الله خامنئي، ويتمتع بنفوذ عميق في السياسة والاقتصاد، ويمتلك سلاح جو وبحرية واستخبارات. يزيد حجم «الحرس الثوري الإيراني» في زمن الحرب إلى ثلاثة أضعاف حجمه في زمن السلم. ومثل الجيش النظامي الإيراني، يتكون الحرس من مهنيين ومجندين وأفراد احتياط. كما أنه مسؤول عن تطوير الصواريخ البالستية الإيرانية، ويدير «قوة القدس» التي تنفذ عمليات في لبنان وسوريا والعراق.

لمن لا يعرفون الكثير عن تعقيدات هذه المنظمة الضخمة، قد لا يُحدِث تعيين حسين سلامي قائدًا أعلى للحرس الثوري أي فارق موضوعي، لكن التحليل المنشور في «أتلانتك كاونسل» يرجح أن له آثار مهمة على صعيد التحول في الاستراتيجيات التي يخطط النظام الإيراني لاتخاذها. بمعنى آخر، يعتمد تعيين قادة جدد على تقييم الوضع الحالي، والاستعداد للأحداث القادمة.

لم يكشف المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، سبب إزاحته قائد «الحرس الثوري»، اللواء محمد علي جعفري، الذي كان يشغل هذا المنصب منذ عام 2007. واكتفى إعلان تغيير القيادة «المفاجئ وغير المتوقع والسابق لأوانه» بالقول إن السيد خامنئي شكر الجنرال جعفري «على جهوده القيمة». قبل تغيير رأس القيادة بيوم، أقيل رئيس الأمن في الحرسالجنرال علي ناصري بعد أن قضى سنة ونصف في منصبه.

كان الناصري مسؤولا عن قسم «الحماية» الذي يشرف على أمن المسؤ ولين الإيرانيين الرئيسيين والمراكز والمنظمات الهامة، وكذلك المطارات في جميع أنحاء البلاد. ثم في 19 أبريل (نيسان)، زعمت وزارة الاستخبارات الإيرانية أنها تعرفت على 290 من جواسيس «وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)» في أنحاء البلاد خلال العام الماضي، بعد أن تمكن بعضهم من التسلل إلى «مراكز حيوية» داخل إيران.

Embed from Getty Images

مظاهرة في طهران ضد العقوبات الأمريكية على الحرس الثوري

بعدما صعد سلامي إلى رئاسة الحرس، اختفى العديد من القادة ولم يعد يسمع صوتهم؛ وهو ما ربطته صحيفة «جيروزاليم بوست» بتقارير نشرت خلال السنوات الماضية حول اتهامهم بالتجسس لصالح إسرائيل، وإعدامهم لاحقًا بسبب انشقاقهم. هذه السلسلة من الأحداث ليست من قبيل الصدفة، حسبما خلص تحليل نشره «أتلانتك كاونسل»، بل إن تغيير قيادة الحرس الثوري الإيراني يشير إلى أن طهران تستعد لتبني نهج هجومي جديد، في إطار سلسلة الاستعدادات التي اتخذتها مؤخرًا للتكيف مع بيئة التهديد الناشئة.

ويرى «مركز القدس للشؤون العامة» أن التقارير المتعلقة بفرار شخصيات بارزة في الحرس الثوري الإيراني، والجهود الكبيرة التي يبذلها كبار مسؤولي المنظمة لنفيها، والتغيرات الهيكلية التنظيمية الأخيرة، قد تعكس خلافات وصراعات داخل صفوف «الحرس الثوري». وتشير المؤسسة البحثية الإسرائيلية إلى أن هذه الخلافات قد تكون مرتبطة بالنزاعات الداخلية حول كيفية التعامل مع زيادة الضغوط الأمريكية، والتأثير المتفاقم للعقوبات على الشعب الإيراني الذي يشعر بالاضطراب.

كيف يؤثر تغيير القيادة على الاستراتيجية الإيرانية؟

في ظل الظروف الخطيرة الراهنة، يشير تعيين سلامي إلى تحول محتمل في الاستراتيجية، وقد يكون أحد السيناريوهات هو تركيز الحرس الثوري بشكل أكبر على الشؤون الأمنية والعسكرية- في الداخل والخارج- وبدرجة أقل على الاقتصاد. ذلك أن أحد الاختلافات الرئيسية بين سلامي وسلفه، هو أن تدريبه أكثر ملاءمة للقيادة العسكرية واستراتيجية الهجوم الدفاعي. بصفته عضوا مخضرما انضم إلى «الحرس الثوري الإيراني» بعد وقت قصير من اندلاع الحرب بين إيران والعراق، كرس سلامي حياته المهنية منذ ذلك الحين لدراسة إدارة الدفاع وبناء عقيدة الحرس العسكرية. كما ترأس «كلية أركان الحرس الثوري الإيراني» خلال 1992-1997 وابتكر «دورة الحرب العالية» الشهيرة.

سلامي معروف بتصريحاته المثيرة للجدل حول موقع إيران في العالم، وضد أعداء الدولة، خاصة إسرائيل والولايات المتحدة.  وأكد في خطاب تنصيبه على وجوب «أن نوسع نطاق سلطتنا من المنطقة إلى العالم كله، حتى لا يكون هناك مكان آمن للعدو في جميع أنحاء العالم». وفي أكثر من مناسبة، رحب سلامي بالحرب مع الولايات المتحدة، حتى أنه اقترحها في الفترة التي سبقت الاتفاقية النووية لعام 2015.

تصاعدت حدة تصريحات الجنرال سلامي مؤخرًا المناهضة لإسرائيل، وحذر في يناير (كانون الثاني)، من أن «إسرائيل إذا اتخذت أي خطوة لبدء حرب جديدة، دون شك، ستكون هذه الحرب هي الحرب التي ستنتهي بمحوها من الوجود». في الآونة الأخيرة، في أعقاب الضربات الجوية الإسرائيلية المكثفة ضد المواقع الإيرانية في سوريا، حذر سلامي في أواخر يناير (كانون الثاني) من أن «استراتيجيتنا هي إزالة إسرائيل من الجغرافيا السياسية في العالم» وأنه إذا اندلع صراع عسكري «لن يجد الإسرائيليون حتى مقبرة في فلسطين لدفن جثثهم».

كما هدد سلامي أوروبا في فبراير (شباط) بسبب ضغوطها على إيران لاحتواء برنامجها الصاروخي الباليستي، مشددًا على أنه سيتعين على طهران تعزيز مدى صواريخها إلى ما وراء الحدود الحالية إذا كان الأوروبيون يضغطون من أجل «نزع سلاح الصواريخ». وفي حين ركّز جعفري على تحسين الهيكل التنظيمي للحرس -بما في ذلك إنشاء فيلق منفصل لكل محافظة في عام 2008- ظل سلامي منشغلا بالتهديدات الخارجية وصياغة عقيدة عسكرية للحرب غير النظامية وغير المتماثلة لتعويض القوة الجوية الإيرانية الضعيفة والمتقادمة.

ومن المعروف أن حسين سلامي، الذي شغل منصب نائب القائد الأعلى منذ 10 سنوات، لديه مزاج مختلف مقارنة بسلفه اللواء جعفري. سلامي متشدد، وخطابه عدواني وصريح. وخطابه هو مثال على ما يعرف في الجمهورية الإسلامية بأنه «جاد ومقاتل».

من بين أمور أخرى، ساعدت إعادة الهيكلة على تعزيز مكانة رجل الدين والقائد الأعلى حسين طيب، الذي شغل لسنوات منصبًا مهمًا كقائد لجهاز الاستخبارات في الحرس الثوري الإيراني. و«بالنظر إلى الأضرار التي لحقت بصورة الحرس الثوري الإيراني نتيجة للتصنيف الأجنبي وفضائح الفساد الداخلي، فإن هذا التعديل الهيكلي يعني أن «الحرس الثوري» سيسعى إلى لعب دور أكثر نشاطًا في حملة ما يسمى بكسب العقول والقلوب»، على حد قول سعيد جولكار، زميل «مجلس شيكاغو للشؤون العالمية».

«فورين بوليسي»: تعرف إلى الجنرال الإيراني الذي ضمن للأسد بقاءه

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد