تعيشُ الجزائر هذه السنة صيفًا ساخنًا على عدّة مستويات، فعلاوة على ارتفاع درجات الحرارة القياسية، والتي تسببت في حرائق مهولة في شمال الجزائر؛ إضافةً إلى الحراك المستمر منذ أكثر من ستة أشهر، زاد النقص الحاد والانقطاعات المتكررة في التزود بالمياه الصالحة للشرب من لهيب احتجاجات الجزائريين، لتدخل البلاد في أزمة جديدةٍ؛ بعد أن بلغت الاحتجاجات معظم الولايات والبلديات الجزائرية، بسبب الانقطاع والحدّة في التزود بالمياه طيلة أيام عيد الأضحى، في هذا التقرير نسلط الضوء على واقع الأزمة الجديدة التي تعيشها الجزائر ومستقبلها، ونستطلع الأسباب الحقيقية وراء أزمة المياه في الجزائر. 

«عرّابة الانقلابات في أفريقيا».. هل تقود فرنسا قريبًا انقلابًا في الجزائر؟

من رحيل بن صالح إلى ترجّي الماء الصالح

قبل ستة أشهر، وبالضبط في 22 فبراير (شباط) الماضي؛ خرج الملايين من الجزائريين في معظم الولايات والبلديات الجزائرية، للتعبير عن غضبهم ورفضهم لترشّح الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة لعهدةٍ رئاسيةٍ خامسة، في مشهدٍ أثار إعجاب الجميع نظرًا إلى كونها المرّة الأولى التي يجتمع فيها الجزائريون حول مسألةٍ واحدةٍ منذ انقلاب يناير (كانون الثاني) عام 1992.

مع دخول صيف 2019 وارتفاع درجة حرارته؛ وجد الجزائريون أنفسهم مجتمعين في قضيةٍ ثانية – بعيدًا عن الحراك الشعبي- لم تستثن واحدًا منهم، وهي مشكلة التذبذب في توزيع المياه الصالحة للشرب، بعد أن انخفض مستوى استهلاك الفرد الجزائري من المياه من 202 لتر يوميًّا سنة 2018 إلى أقل من 90 لترًا، في وقتٍ وصل فيه حسب المراقبين نصيب الفرد الجزائري من المياه يوميًّا إلى مستوى 20 لترًا. 

أزمة المياه في الجزائر

أزمة المياه في الجزائر

وأمام هذا الانخفاض الرهيب في مستوى استهلاك الجزائريين للمياه الصالحة للشرب؛ تحوّلت مطالب الكثير من الجزائريين من رحيل رئيس الدولة المؤقت عبد القادر بن صالح، إلى المطالبة بتوفير الماء الصالح؛ وشهدت عديد من الولايات الجزائرية احتجاجات واقتحامات يومية لمقرات «الجزائرية للمياه» – الشركة المسؤولة عن توزيع المياه بالجزائر- على خلفية أزمة العطش الحادة التي تعيشها الجزائر هذا الصيف.

ففي ولاية سطيف (شرقي الجزائر) أغلق سكان منطقة أولاد عدوان، صبيحة اليوم الأحد الماضي، الطريق الوطني رقم 9 بالحجارة والمتاريس، وقال المحتجون في حديثهم مع «ساسة بوست» إنهم قاموا باحتجاج مماثل منذ نحو شهر، لكن من دون أي رد من السلطات المحلية، وأن المنطقة تعاني من نقصٍ شبه كلي في التزود بالمياه، إذ تصل المياه إلى حنفيات السكان مرّة في الأسبوع.

بدورهم خرج سكان ولاية غارداية في حركة احتجاجية أمام مقر الولاية للتعبير عن غضبهم من انقطاع المياه في جلّ أحياء وبلديات الولاية؛ وفي جولةٍ استطلاعية أجرتها «ساسة بوست» أعقبت الحركة الاحتجاجية، التي قام بها سكان الولاية، أعرب جلّ من التقيناهم من السكان الذين يعانون من انقطاع المياه عن سخطهم الكبير من تعامل السلطات مع أزمة المياه، مطالبين بحلٍّ عاجلٍ للأزمة قبل تفاقمها وانزلاقها؛ كون الولاية تعاني منذ أزيد من شهر من هذه الأزمة.

كذلك لم ينج سكان مدينة الأخضرية بولاية البويرة (شرق الجزائر) من أزمة العطش، رغم امتلاكهم لثاني أكبر سدٍ في الجزائر، إذ خرج سكان الأخضرية في احتجاجات عارمة قاموا على إثرها بغلق الطريق السيار شرق غرب، للمطالبة بتوفير المياه الصالحة للشرب. 

وعن أسباب هذه الأزمة؛ أكّد ياسين م. أحد عمال «شركة الجزائرية للمياه» المسؤولة عن تسيير وتوزيع المياه بالجزائر في حديثه مع «ساسة بوست» أنّ «درجة الحرارة والاستهلاك الكبير للمواطنين في الفترة السابقة، إضافةً إلى الانقطاعات في التيار الكهربائي، هي أحد أسباب هذا التذبذب في التوزيع»، مضيفًا أنّ السلطات تعمل جديًّا من أجل عدم تفاقم الأزمة.

أزمةٌ حقيقيةٌ أم مفتعلة؟

طيلة هذا الصيف عاشت أكثر من 30 ولاية جزائرية على وقع الاحتجاجات، كان النقص في التزود بالمياه الصالحة للشرب سببها المباشر. ومع تزامن هذه الموجة من الاحتجاجات مع الحراك الشعبي والأزمة السياسية، التي تعيشها الجزائر منذ أزيد من ستة أشهر؛ تصاعد الجدل حول الأسباب الحقيقة لأزمة العطش التي تجتاح الجزائر.

فما بين من يربط أزمة المياه بالوضع السياسي؛ متهمًا أطرافًا لها علاقة بالنظام السابق بمحاولة تأجيج الأوضاع، وجرّها نحو الانزلاق، وذلك باللعب بملف المياه الحساس، وهو الرأي الذي يذهب إليه أستاذ القانون الدولي بـ«جامعة غارداية» ياسين مقبض، في حديثه لـ«ساسة بوست» بالقول «هذه الأزمة غير بريئة، وتحمل بصمات أطراف تريد الشر بهذا البلد؛ وذلك بجرّ الجزائريين إلى الشارع للصدام مع الأمن، وهذا ما شهدناه في بعض المناطق من الوطن للأسف».

ويضيف مقبض: «العصابة تستغل هذا الوضع للترويج للعصيان المدني، الذي تنوي خوضه، بداية من المديرية العامة لمؤسسة المياه والتطهير «سيال» تتاح الموسم الاجتماعي القادم، وذلك باللعب بمصدر مهم من مصادر الحياة».

وكانت نقابة عمال المديرية العامة لمؤسسة المياه والتطهير «سيال» منعت زيارة لوزير القطاع إلى الشركة بحجّة أن الوزير غير شرعي، كما اضطرّ وزير الموارد المائية إلى إجراء زيارات سريّة لمختلف ولايات الوطن للوقوف على واقع قطاعه، وذلك خوفًا من الاحتجاجات التي تلاجق وزراء بدوي.

نقص هطول الأمطار سبب نقص في المياه

نقص هطول الأمطار سبب نقص في المياه

وكان قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح قد اتهم من سماهم بالأطراف التي تتبع العصابة بمحاولة عرقلة الجهود الرامية إلى الدفع باستقرار البلد، عبر إثارة الأزمات التي تشهدها الجزائر، في إشارة منه إلى الأزمات التي تعيشها البلاد. 

من جهة أخرى يربط البعض أزمة العطش التي تجتاح ولايات كثيرة من الجزائر بالتغيرات المناخية غير الطبيعية التي تشهدها البلاد، بدايةً من النقص الحاد في هطول الأمطار، وكذا هطولها غير المنتظم، والذي أثّر في مستويات امتلاء السدود.

وفي تعليقه على الموضوع أبرز شارف جمال الدين، مسؤول علم المناخ السابق بالديوان الوطني للأرصاد الجوية لـ«ساسة بوست» أن «النقص الملاحظ في التساقطات المطرية هذه السنة عبر البلاد يعد ظاهرة غير عادية لكنها ليست استثنائية»، مضيفًا أنّ المشكل يكمن في «التوزيع الزمني غير المنتظم للأمطار»، مؤكدًا أن كميات الأمطار التي كانت تسجل سابقًا في ظرف شهر أصبحت تسقط الآن في ظرف ثلاثة أيام أو أربعة وهذا ما يؤثر بالضرورة في مستويات امتلاء السدود التي تعتبر المورد الأساسي للمياه لغالبية الجزائريين. 

كما يعدّ الارتفاع القياسي لدرجة الحرارة خلال الصيف أحد أهم العوامل المساهمة في تفاقم أزمة العطش التي تضرب الجزائر، ففي الوقت الذي وصلت فيه درجات الحرارة بالجنوب 50 درجة، وتسببت في حرائق مهولة اجتاحت مناطق واسعة من غابات الشمال، وهو ما أثر في استهلاك الجزائريين للمياه، إضافةً إلى الانقطاعات المتكررة للكهرباء التي زادت من تفاقم الأزمة.

استثمارات ضخمة وجودة ضعيفة.. تعرف إلى صناعة المياه المعدنية في العالم العربي

وتعزي الحكومة الجزائرية أسباب أزمة العطش إلى عدّة عوامل، تقوم بتكرارها وزارة الموارد المائية في كّل مناسبة، وهي العوامل التي ذكرها وزير الموارد المائية علي حمام في تصريحاته لوسائل الإعلام بالقول إن: «أزمة العطش، التي تتكرر كل سنة عبر مختلف أرجاء الوطن تعود لعدة أسباب»، يعود أبرز سبب -حسب الوزير علي حمام- إلى سوء التسيير، إذ قال إن: «غياب صيانة الأنابيب وتجديدها ساهم كثيرًا في طمرها وانسدادها؛ مما عرقل مرور المياه عبرها».

علي حمام، وزير الموارد المائية

وقال حمام أيضًا إن: «الثروة المائية موجودة بما يكفي من أجل تغطية حاجيات المواطن، ولكن يبقى سوء التسيير عاملًا في عدم وصولها إلى المواطن»، ومبرزًا أن: «هنالك عوامل أخرى مثل تراكم الديون على مؤسسة الجزائرية للمياه، إذ إن ديونها لدى «مؤسسة سونلغاز» وحدها تفوق 7 مليارات دينار جزائري».

وكان إسماعيل عميروش المدير العام للجزائرية للمياه دق ناقوس الإنذار بخصوص سرقة المياه، مبرزًا أنّ «50% من المياه موجهة إلى استعمالات أخرى خارجة عن استعمالات الإنسان».

العطش يهدد صاحبة أكبر احتياطي للمياه الجوفية في العالم

«الجزائر على شفا العطش».

قد تجد الكثير من الغموض والتناقض في هذه الجملة، كون الجزائر تمتلك أكبر خزان إحتياطي من المياه الجوفية في العالم، غير أنّ تقرير جديد صادر عن «معهد الموارد العالمية»، وضع الجزائر ضمن «الخانة الحمراء»، لأكثر الدول التي تواجه مستويات عالية من الضغط على الموارد المائية المهددة بالجفاف وقلة توفر المياه مستقبلًا، في المرتبة 29.

اعتمد معهد الموارد العالمية في تقريره على 13 مؤشرًا لمخاطر المياه – ما في ذلك المخاطر المتعلقة بالجودة والكميات والسمعة- ، إضافةً إلى إعتماده على معايير العرض والطلب المتكاملين للمياه، و معيار نمذجة المياه السطحية والمياه الجوفية، والاستبانة المكانية الأعلى، وكذا سلسلة زمنية شهرية تتيح توفير النتائج الشهرية للمؤشرات المختارة.

حذر التقرير أيضًا من أن الجزائر مهددة بجفاف حاد بسبب ندرة المياه وارتفاع درجة الحرارة بشكلٍ غير مسبوق، إلى جانب الاستنزاف الكبير للموارد المائية، مبرزًا أن الجفاف الذي يضرب المنطقة راجع بالأساس إلى أن الاحترار العالمي يدفع نشاط الأعاصير إلى التحرك نحو القطب الشمالي، بعيدًا عن البحر الأبيض المتوسط، وعندما تتحرك العواصف شمالًا، فإن المناطق المعتدلة في خطوط العرض الوسطى، من إسبانيا إلى تركيا -والتي تتواجد بها الجزائر- ستشهد دفئًا وعواصف أقل في فصل الشتاء.

وكان المعهد نفسه قد أطلق تحذيرًا للجزائر قبل أربع سنوات بالموازاة مع الخطط الحكومية التي كانت تعدّ للبدء في مشاريع استغلال الغاز الصخري؛ مؤكدًا أن الجزائر ستكون أمام خطر مواجهة الجفاف بسبب مخاطر استغلال الغاز الصخري على الثروات المائية.

مبرزًا أن العديد من دول العالم تعاني من ندرة المياه في حين تتوفر على ثروات كبيرة من الغاز الصخري، مضيفًا أن الجزائر من بين أكبر 20 دولة تتوفر على مخزون هائل من غاز الصخري ستكون معرضة للجفاف أو شح في امدادات المياه، إذ تستعمل كميات كبيرة منها لاستخراج الغاز الصخري، وفقا للدراسة التي أطلقها المعهد، فإنه لحفر بئرٍ واحد بتقنية التكسير يستوجب استهلاك 5 ملايين جالون من المياه في المتوسط.

جديرٌ بالذكر أنّ عدّة تقارير إعلامية كشفت أن الجزائر شرعت منذ سنوات في استغلال الغاز الصخري في عدّة مناطق بالجنوب وسط تعتيمٍ كبيرٍ بسبب الاحتجاجات الشعبية التي رافقت إعلان الاستغلال.

من يشعل حرائق الجزائر.. «المافيا» أم «الطبيعة»؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد