لعدة أيام، ودون توقف؛ تشتعل بالنيران واحدة من أهم الغابات المطيرة في كوكب الأرض؛ غابات الأمازون في البرازيل، وتأكل في طريقها كل الكائنات الحية التي تعيش في تلك الغابة، من نباتات، وحيوانات وبشر أيضًا من السكان الأصليين للبرازيل والذين يعيشون في قبائل منعزلة وسط تلك الغابات.

«إن منزلنا يحترق حرفيًا، غابة الأمازون المطيرة –الرئة التي تنتج 20% من أكسجين كوكبنا- تشتعل فيها النيرات، إنها أزمة دولية» ذلك كان تعبير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من خلال حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»؛ مؤكدًا على أهمية تحرك مجموعة الدول الصناعية السبع «G7» لمناقشة تلك الأزمة والبحث عن حلول سريعة لها.

الأمر الذي لم ينل إعجاب الرئيس البرازيلي جاير بولسونارو، ورد عليه في تغريدة على حسابه الشخصي على نفس الموقع قائلًا: «اقتراح الرئيس الفرنسي بمناقشة قضية الأمازون خلال اجتماع مجموعة السبع دون دعوة الدولة المعنية بالأمر؛ يستحضر عقلية استعمارية لا مكان لها في القرن الواحد والعشرين».

تلك التصريحات وردود الأفعال عليها؛ تخبرك نبذة قصيرة عن الكواليس السياسية في البرازيل، والتي يسير عليها الرئيس البرازيلي، والتي يرى البعض أنها قد تكون المُسبب الأول لتلك الحرائق التي يصعب تقدير خسائرها على البشر حتى تنتهي، في هذا التقرير نخبركم بتلك القصة ونطرح سؤال: هل تحرم سياسيات الرئيس البرازيلي الأرض من الأكسجين؟

هذا ما سيفعله الاحتباس الحراري في منطقة الشرق الأوسط خلال القرن الحالي!

20% من أكجسين الأرض ينهار 

غابة الأمازون المطيرة، هي الوعاء الذي يحوي كمية كبيرة من الأكسجين ويمنحها للعالم يوميًا؛ تتعرض مؤخرًا لحرائق لم يرها العلماء من قبل بحسب تقديرات، و«سجل المعهد الوطني لأبحاث الفضاء (INPE)» أن هُناك ما يزيد عن 74 ألف حريق وقع في غابات الأمازون خلال العام الجاري فقط 2019، بزيادة 84% عن العام الماضي، وهو أعلى رقم سجله الخبراء منذ أن بدأ تسجيل حرائق الأمازون في العام 2013. 

ما يثير فزع المهتمين بالبيئة، والخبراء الذين يدركون أبعاد هذا الحريق؛ أن غابات الأمازون من أكثر الأسلحة الفعالة التي يمتلكها البشر في مواجهة الاحتباس الحراري؛ لقدرتها على امتصاص كميات هائلة من الكربون الموجود في الهواء، وغالبًا ما يُشار إليها بكونها «رئتي الأرض»؛ حيث تنتج ما يزيد عن 20% من الأكسجين الموجود على كوكب الأرض.

وفي المنطقة التي يشتعل بها الحريق؛ البرازيل، يكمن ما يزيد عن 60% من مساحة غابات الأمازون، حيث تضم تلك المساحة حياة برية أكثر من الموجودة في أي مكان آخر على كوكب الأرض، وما أكده العلماء الذين بحثوا في أسباب اشتعال النيران؛ أن تلك الحرائق ليست طبيعية، وإنما بفعل البشر؛ سواء عن قصد أو مجرد حادثة عارضية. 

المُدافعون عن البيئة، يشيرون بأصابع الاتهام إلى الرئيس البرازيلي جاير بولسونارو، مصرحين أن سياساته تدعم واحدة من أهم المخاطر التي تواجه كوكب الأرض؛ وهي إزالة الغابات، ولكن من جانبه صرح الرئيس البرازيلي بأن البيانات المنشورة عن زيادة الحرائق في غابات الأمازون أثناء فترة رئاسته والتي بدأت في يناير (كانون الثاني) من العام 2019؛ زائفة ومبالغ فيها. 

وألقى الرجل اللوم على المنظمات غير الحكومية في إشعال تلك الحرائق بسبب منع الدعم المالي عنهم؛ بغرض لفت نظر الرأي العام الدولي للسياسات في البرازيل ودعوتها للتدخل، ولكنه رغم ذلك لم يدعم –الرئيس- اتهاماته بأية دلائل مادية، ولم يصرح أيضًا بالإجراءات التي تحدث عنها، والتي من المفترض أن حكومته تعمل عليها بغرض وقف تلك الحرائق والحد من أعدادها.

المعدل الذي تنتشر به تلك الحرائق في غابات الأمازون يعد مثيرًا للقلق، ووفقًا لـ«الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي»، فعادة ما كانت تلك الغابات «مقاومة للحريق» على مدار تاريخها البيئي، ولكنها قد تتعرض لطقس حار من حين إلى آخر.

 ولكن ما أكده الباحثين في معهد «INPE» أنه لا يوجد أي محفز مناخي يؤدي إلى تلك الكمية من الحرائق في هذا الوقت من العام، وصرح البرتو سيتزر الباحث في المعهد، أن الجفاف أحيانًا سبب رئيسي في تلك الحرائق، ولكن تلك المرة الحريق تم بفعل فاعل، وعادة ما يُلقى اللوم على بعض الأنشطة البشرية في تلك المنطقة مثل الزراعة والتعدين والحفر، والتي يحتاج كل منها لإزالة الغابات حتى تفسح الطريق لهم.

«لن أترك لهم شبرًا واحدًا»

المزارعون في البرازيل يشعلون الحرائق عمدًا لإزالة الغابات وإفساح المجال أمام نشاطاتهم الزراعية، وهو الأمر الذي لا يحدث بشكل قانوني في كل مرة، ويقدر «الصندوق العالمي للحياة البرية» أن أكثر من ربع الأمازون سيكون بدون أشجار بحلول عام 2030 إذا استمر المعدل الحالي لإزالة الغابات.

الرئيس البرازيلي جاير بولسونارو

وإذا وضعنا في الاعتبار وعود الرئيس البرازيلي في حملته الانتخابية، حينما تعهد بتطوير المنطقة الزراعية والتعدين في مقابل انتخابه، وقارناه بمعدل زيادات الحرائق التي وقعت منذ أن تولى الحكم في البرازيل؛ يمكنك أن تتفهم المخاوف التي تنمو في أوساط المدافعين عن البيئة.

خاصة وإن أخذنا في الاعتبار تصريحاته الواضحة والصريحة حول رغبته في حرمان القبائل التي تعيش في عزلة بتلك الغابات، مصرحًا في أكثر من لقاء تلفزيوني «لن أترك لهم شبرًا واحدًا يعيشون عليه»؛ مع العلم أن تلك القبائل ليس لديها مكان آخر تعيش فيه سوى غابات الأمازون؛ ما دفع الكثير منهم في الخروج بمظاهرات ضد الرئيس البرازيلي في منتصف شهر أغسطس (آب) الجاري؛ قبل اشتعال الحرائق بأيام قليلة.

ومنذ فترة طويلة، وقبل اشتعال حرائق الأمازون، وأصابع الاتهام توجه للرئيس البرازيلي، عندما اتهمه المحافظون على البيئة إهماله للحرب العالمية التي يشنها العالم ضد تغير المناخ، وسياساته التي تعرض الغابات المطيرة للخطر.

 وسبب هذا النقد الدولي الذي يتعرض له الرئيس البرازيلي هي جملته الانتخابية التي اعتمدت في جوهرها على تأييد قطاع الأعمال في البرازيل، مرددًا الكثير من الوعود باستعادة اقتصاد البلاد من خلال إيجاد استخدامات أخرى لغابة الأمازون، وبعد ساعات قليلة من توليه المنصب؛ أثبت أن وعوده صادقة، وأمر بتغيير العديد من القوانين والتي تعود بالنفع على المجتمع الريفي الذي يحتاج لإزالة الغابات من أجل فتح الطريق امامهم لممارسة نشاطهم الزراعي، والتي تقف غابات الأمازون عقبة أمامه.

وصرح كارلوس ريتل الباحث في المرصد المناخي «كليوميروا دو كليما» مؤكدًا أن علماء البيئة يلقون باللوم على قيادة بولسونارو فيما يحدث من حرائق بغابات الأمازون، وليس الحريق الهائل المشتعل الآن فقط، بل الحرائق التي تزداد بنسب خرافية منذ أن تولى رئاسة البرازيل في بداية العام 2019.

 والدليل على هذا –بحسب ريتل- هي الجهود التي بذلها الرئيس ووزير البيئة في البرازيل بغرض تفكيك إدارة البيئة البرازيلية وتحييد الهيئات التنظيمية التي قد تلجأ لحماية الغابات؛ حتى تتاح لهم الفرصة كاملة بإزالة الغابات –رئتي الأرض- من أجل المزيد من الزراعة والصناعة في البرازيل.

الحرائق في غابات الأمازون المطيرة بالبرازيل ما زالت مشتعلة حتى وقتنا الحالى؛ مهددة مصير كوكب الأرض وفاتحة المجال للاحتباس الحراري حتى يسيطر على «منزلنا» الوحيد كما وصفه الرئيس الفرنسي، وفي المقابل يرفض الرئيس البرازيلي أي تدخل دولي لإنقاذ الموقف، ولكنه أيضًا لم يستطع هو وحكومته السيطرة على الحرائق المستمرة لعدة أيام والتي تزيل في طريقها واحدة من أهم الغابات على كوكب الأرض.

«هنا غويانيا».. حين تسبب لصان في مأساة كادت أن تصبح تشيرنوبل جديدة

 

المصادر

تحميل المزيد