في مايو (آيار) الماضي، بدأت شبكة «HBO» في عرض حلقات المسلسل الذي هز العالم «Chernobyl» أو «تشرنوبل»، والذي يروي قصة انفجار المفاعل النووي رقم 4 في محطة «تشرنوبل» النووية بأوكرانيا، التابعة للاتحاد السوفيتي آنذاك. كانت مشاهد المسلسل الأشهر والأكثر تقييمًا على موقع «IMDB» تحبس الأنفاس وهي تستعرض الآثار البشعة للحادثة المروعة، على البشر والأطفال أولًا، ومن ثم على الحيوانات، حتى تحولت منطقة «تشرنوبل» إلى منطقة مهجورة ومرعبة، تشبه الموت وهي الموت ذاته، ملوثة بالإشعاعات وتعرف بـ«المنطقة المحظورة» حتى يومنا هذا.

أثار المسلسل القصير والذي استمر لخمسة أسابيع الجدل؛ إذ أعلن التليفزيون الروسي عن إنتاج نسخته الخاصة من «تشرنوبل»، وذلك للرد على ما جاء في مسلسل «HBO»، مُشيرًا إلى أن النسخة الروسية من المسلسل ستتناول تورط المخابرات المركزية الأمريكية في الحادثة، فهل حقًا كان للولايات المتحدة دور في تفجير المفاعل النووي؟

ما الذي حدث ليلة السادس والعشرين من أبريل 1986؟

في كتابها «صلاة تشرنوبل»، تحكي الكاتبة والصحافية سفيتلانا أليكسييفيتش -الحائزة على جائزة نوبل للآداب- قصة الكارثة كاملة، شهادات لمن حضروا الواقعة، من الجنود، ورجال الإطفاء، والعلماء الذين عملوا على تدارك الأزمة؛ للزوجات، والأمهات المكلومين أيضًا. في محاولة منها لتوثيق ما شاهده المهمشون، ولتسجيل مشاعرهم وخيباتهم. فتقول زوجة أحد أفراد فرقة مكافحة آثار الحادث: «انتشرت شائعات، أن أجساد التشرنوبليين «تبرق» حتى بعد الموت. يتصاعد الضوء من مقابرهم في الليل. وقرأت أن الناس يتحاشون المرور بالقرب من مقابر رجال الإطفاء التشرنوبليين، ممن فارقوا الحياة بمستشفيات موسكو، حتى أنهم لا يدفنون موتاهم هناك. الموتى يخافون الموتى؛ فما بال الأحياء».

«في السادس والعشرين من أبريل (نيسان) عام 1986، في الساعة الواحدة، و23 دقيقة، و45 ثانية، دمرت سلسلة من الانفجارات المفاعل بالمبنى الذي يحوي وحدة الطاقة رقم 4 في محطة تشرنوبل الذرية، ما أدى إلى ضياع 485 قرية ومستوطنة، دفنوا تحت الأرض، وإلى الأبد». *صلاة تشرنوبل

في الساعات الأولى من صباح السبت 26 أبريل، كان مهندسو «تشرنوبل» على وشك أن يقوموا بإختبار أمان في الوحدة رقم 4، وكان الاختبار بهدف إيجاد طريقة لتبريد قلب المفاعل في حالة الطوارئ. كانت مفاعلات «تشرنوبل» تستخدم الماء مبردًا، إلا أن وحدة التبريد تعطلت داخل المفاعل النووي، نتيجة لانقطاع التيار الكهربائي، أعقب ذلك ارتفاع الضغط وزيادة درجة الحرارة داخل المركز، وبمجرد الضغط على زر الإغلاق الطارئ للمفاعل «AZ-5» حدث الانفجار.


ينص القانون السوفيتي، على أن المحاكمة يجب أن تعقد بالقربِ من مكان الجريمة. بعد الانفجار، أراد الجميع معرفة الجناة، ممن تسببوا في إخلاء عدة مدن، لن تصبح صالحة للحياة إلا بعد أكثر من 100 ألف سنة. وكانت تشرنوبل، هي مكان المحاكمة. وفي يوليو (تموز) من عام 1987، كانت المدينة الميتة جاهزة لتعاقب من قتلوها.

تقول أليكسييفيتش في كتابها: «من داخل تشرنوبل، عقدت المحاكمة. وداخل قفص الاتهام، جلس ستة أفراد: مدير المحطة الذرية فيكتور بريوخانوف، وكبير المهندسين نيكالاي فومين، ونائب كبير المهندسين أناتولي دياتلوف، ورئيس الوردية باريس راجوجكين، ورئيس المفاعل ألكسندر كافالينكا، ومفتش الرقابة الذرية يوري لاوشكين».

تشير أليكسييفيتش إلى أن المدينة خلت من البشر، لا مصورين ولا قنوات أو صحافيين غربيين، ولهذا السبب اختاروا المدينة لعقد المحاكمة، منطقة محظورة، لا شهود عيان ولا ضجيج. مجموعة من أكباش الفداء، بحسبها، قُدموا للمحاكمة، وحُكم على كل من بريوخانوف وفومين ودياتلوف بالسجن 10 سنوات.


يقول المخرج أليكسي مرادوف، مخرج المسلسل الروسي «تشرنوبل»، والذي لم يخرج للنور بعد: «سأروي ما حدث حقًا في هذه الليلة». لكن هل يعرف أحد ما حدث حقًا؟ بالنسبة إلى الاتحاد السوفيتي، كان هناك تكتم على الأخبار، وذلك حتى ليلة التاسع والعشرين من أبريل، أي بعد ثلاثة أيام من وقوع الانفجارات؛ إذ وفي ذلك اليوم بالتحديد، اضطرت الحكومة السوفيتية الخروج عن صمتها وإعلان الحادثة، وذلك بعدما سجلت أجهزة القياس معدلات عالية من الإشعاع في بولندا، وألمانيا، والنمسا، ورومانيا، أي بعدما صار العالم أجمع يعلم. «خطأ بشري»، هكذا سجلوا أسبابها.

أما بالنسبة إلى المخرج مرادوف، فيقول إن هناك نظرية مفادها أن الأمريكيين تسللوا إلى «محطة تشرنوبل» للطاقة النووية، مُشيرًا إلى أن العديد من المؤرخين لم يستبعدوا احتمالية وجود عميل للمخابرات المركزية الأمريكية، يعمل في المحطة النووية، ليلة الحادثة.

كان الأمر مختلفًا بالنسبة إلى سكان «تشرنوبل» ذاتها؛ فتروي زوجة أحد رجال الإطفاء، تفاصيل لحظة الانفجار قائلة: «لم أرَ الانفجار نفسه. رأيتُ ألسنة اللهب فقط. ملأ الوهج المكان وصفحة السماء بالكامل. لهب إلى حد السماء، دخان أسود وحرارة رهيبة». تذكر بعدها محاولات إخماد النار، ورجال الإطفاء يدفعون قطع الجرافيت الملتهب بأرجلهم، ويرتدون بذلاتهم العادية. فتقول: «استدعوهم كما يفعلون عند حدوث حريق عادي، لم يحذرهم أحد بشأن طبيعة الحريق».

هل تحامل مسلسل «تشرنوبل» على الاتحاد السوفيتي؟

«تشرنوبل دعاية أمريكية لتشويه صورة الاتحاد السوفيتي، ومؤامرة لتقويض الوكالة الذرية الروسية الحالية». نُشر هذا الرأي عن المسلسل الأمريكي بإحدى الصحف الروسية، ونقلته وكالة «BBC» الإخبارية. في الحقيقة، شهد مسلسل «تشرنوبل» عدة مبالغات، كان لها بالغ الأثر في تحديد صورة قاسية للاتحاد السوفيتي.

يبدأ المسلسل بحادثة انتحار العالم ليجاسوف، وذلك بعد مضي عامين على الكارثة، وبشريط صوتٍ يردد جملة، أصبحت شعارًا لتلك الدراما التلفزيونية: «ما هي تكلفة الأكاذيب؟». خطاب انتحار حول أكاذيب الدولة السوفيتية التي تشبه خيوط عنكبوت تلتف حول مواطنيها، يقول فيه ليجاسوف: «الخطر الحقيقي، هو أن نسمع مزيدًا من الأكاذيب، بدرجة كافية، تجعلنا نعجز عن تمييز الحقيقة». لكن هل كان خطاب الانتحار حقيقيًا؟

عندما مات ليجاسوف، ترك وراءه خطابًا، لم يتحدث فيه عن الأكاذيب، بل تحدث عن عمليات التصفية التي قادها، من خلال عمله في تطهير المنطقة من المواد المشعة، عقدة الذنب هي ما قتله.

«إن الحريق الذي نشاهده الآن يبعث أضعاف الإشعاعات الناتجة عن قنبلة هيروشيما، كل ساعة» *ليجاسوف، مسلسل «تشرنوبل»

سمعنا على لسان العالِم ليجاسوف أيضًا، في أكثر من إشارة، أن حادثة «تشرنوبل» أكثر بشاعةً وقسوة وتدميرًا من «هيروشيما»، بحسب صحيفة «بيزنس إنسايدر»، كان الحديث عن «هيروشيما» لا معنى له، أُقحم داخل النص للمبالغة من وقع الحادثة، أو للتقليل من تأثيرات «هيروشيما» المدمرة؛ إذ كانت تأثيرات قنبلة «هيروشيما» مروعة للغاية، وذلك نظرًا لكثرة عدد الأشخاص الذين تعرضوا بغتةً للإشعاع المباشر، في حين أن حادثة «تشرنوبل»، من ناحية أخرى، تشتَّت فيها المواد المشعة داخل الغلاف الجوي، وآثارها الصحية كانت غير مباشرة وطويلة الأجل.


في الحلقة الثانية شاهدنا تحطم طائرة هليكوبتر فوق المفاعل المحترق، في الحقيقة، كان هناك بالفعل حادث تحطم طائرة هليكوبتر عقب الانفجار، إلا أنه وقع في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، أي بعد أكثر من خمسة أشهر على حادثة المفاعل النووي.

ومن ناحيةٍ أخرى، رأينا  شخصية زاركوف، رجل السلطة البلشفي، كبير السن، وهو يأمر بقطع خطوط الهاتف والتكتم على ما حدث، إلا أن بحسب صحيفة «بيزنس إنسايدر»، كان هذا الأمر ملفقًا؛ إذ على الرغم من جهود الاتحاد السوفيتي للتستر على الحادث والحد من نشر المعلومات، إلا أنه ليس هناك من دليلٍ دقيق عن موقف الحكومة السوفيتية عقب الحادث.

كان من ضمن المبالغات أيضًا أن حذرت عالمة الفيزياء أولانا خوموك من انفجارٍ ثانٍ، ينتج عنه مزيد من المواد المشعة والقاتلة تقريبًا لكل سكان كييف ومينسك أوكرانيا السوفيتية وبيلاروسيا، وتؤثر على ليتوانيا وبولندا وتشيكوسلوفاكيا ومعظم دول شرق ألمانيا، ما يعني أن التأثير تقريبًا على كل بلدان أوروبا، وهو أمر، بحسب الصحيفة، مبالغ فيه، وذلك نظرًا لصعوبة التكهن بالآثار الناتجة عن انفجارٍ ثانٍ.

كانت شخصية أولانا خوموك من وحي خيال المؤلف؛ إذ أراد تكريم هيئة العلماء المجهولين الذين ساعدوا في احتواء الكارثة، والحد من آثارها، وذلك بتخليد ذكراهم عن طريق شخصية الأنثى العالمة، المتطوعة بالذهاب إلى «تشرنوبل» من أجل عملية التطهير وكشف الحقيقة.

من تمرد التكنولوجيا إلى الصراع النووي.. هل رأى «ستانلي كوبريك» كوابيس المستقبل؟

 جاسوس أمريكي وراء الكارثة؟!

«أؤمن بالتاريخ. أؤمن بمحكمة التاريخ. لم ينته تشرنوبل. إنه لا يزال في بدايته». *شهادة فاسيلي بوريسوفيتش، صلاة تشرنوبل

ما نعرفه بالتأكيد، هو أن المفاعل النووي في وحدة الطاقة 4 قد انفجر، ومات جراء ذلك 47 شخصًا من التأثيرات المباشرة للإشعاع، و4 آلاف ماتوا في السنوات اللاحقة جراء أمراض السرطان. عن ذلك يشير فيليب جروسمان، لأحد البرامج العلمية، وهو مهندس مدني أمريكي عُرف عنه هوسه بالحادثة، إلى الدرجة التي قادته لخوض رحلة وسط الإشعاعات عام 2017، وذلك في محاولة منه للبحث عن حقيقة ما حدث في «تشرنوبل» والمناطق المحيطة بها. يقول جروسمان أن منطقة المفاعل كانت وسيلة لتوليد كميات كبيرة من الطاقة الكهربائية، وذلك لتلبية الاحتياجات اليومية للمجتمع الروسي الحديث.


ويشير إلى أن المفاعل كان قريبًا جدًا من رادار هائل، يستخدمونه في الكشف عن الصواريخ القادمة، إلا أنه قد وجد أدلة تشير إلى أن الرادار له قدرات هجومية، فيقول: «كان بإمكانه إطلاق صواريخ، وليس رصدها فقط». وبالقربِ من الوحدة 4، كان هناك مصنع قديم، يقوم بصناعة بعض السلع الاستهلاكية، مثل الساعات المنبهة، إلا أن المصنع جرى بناؤه فوق مخزن مغلق ومختبر، وفيه خزنت العديد من المواد الكيميائية التي استخدمت في صناعة المواد النووية.

عن ذلك يقول جروسمان: «كان بإمكاني رؤية موقع إطلاق صواريخ محتمل، ومختبر لإنتاج مواد نووية، ومحطة طاقة نووية -تشرنوبل- والتي بإمكانها إنتاج طاقة تكفي لتلبية احتياجات المدنيين، وفي الوقت ذاته، أسلحة نووية»، يضيف جروسمان أن ما رآه من ترسانة أسلحة سرية، جاهزة وفي حالة تأهب تكفي إن تحولت «الحرب الباردة» إلى حربٍ حارة.

كل ذلك كان يفسر الصمت السوفيتي عقب الحادثة، وكأنهم دفنوا أسرارهم أرضًا، جنبًا إلى جنب المواد المشعة. كانت قراءات جروسمان حول سبب الحادثة تشير إلى وجود عيب في التصميم. زر «AZ_5»، والذي كان مصممًا للإغلاق في حالة الطوارئ. هذا إلى جانب الخطأ البشري في الحفاظ على معايير السلامة أثناء اختبار الأمان.

لم تقتصر شهادة جروسمان عند هذا الحد، بل أشار إلى أن هناك احتمالية بأن تكون وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، أرادت تخريب هذا المفاعل؛ وذلك لتحييده. يضيف المهندس المدني الأمريكي أن وكالة المخابرات الأمريكية قد سعت بالفعل إلى تقويض التكنولوجيا السوفيتية إبان فترة الحرب الباردة، وذلك من خلال زرع برامج ضارة على أنظمة الكمبيوتر الخاصة بهم، فهل من الممكن حقًا أن تأخذ نظرية المؤامرة هذا المنحنى الخطير؟

(انفجار المفاعل النووي تشرنوبل)

هناك بعض الأقاويل المنسوبة إلى رئيس الأركان السابق للمنطقة الخاصة بمحطة الطاقة النووية «تشرنوبل»، ف. بارانوف، والتي تشير إلى أن تفجير المفاعل النووي بالوحدة 4، كان عمدًا من قبل عميلٍ أجنبي، في وقتٍ كانت فيه إدارة الطاقة النووية، وأكاديمية العلوم ومعاهد البحث غير جاهزة لهذه الكارثة غير المتوقعة. وعلى الرغم من عدم ثبوت صحة هذا الشائعات، إلا أنها تناولت تشرنوبل باعتبارها «محرقة مدبرة»؛ مع تأكيدات على أن المفاعلات النووية كانت تتمتع بمستوى عالٍ من الثبات، وإشارة إلى احتمالية أن تكون مبردات المفاعل النووي ومضخات المياه  قد توقفت بفعل فاعل.

«بعض الناس يقولون أنه لم يكن حادثًا، بل كان تخريبًا واسع النطاق ضد الاتحاد السوفيتي السابق، أدى في النهاية إلى انهيار تلك القوة العظمى العالمية».

يشير بارانوف، بحسب ما نُسب إليه، أن الأقمار الصناعية الأمريكية قد التقطت صورًا حية ودقيقة لانفجار المفاعل النووي وقت وقوع الحادث، مضيفًا: «أي صدفةٍ هذه أن تكون الأقمار الأمريكية فوق مدار الوحدة الرابعة لمفاعلات تشرنوبل، في هذا الوقت تحديدًا، تلتقط صورًا».

أصحاب هذا الرأي، والذي يخضع لنظرية المؤامرة، يؤكدون أن الولايات المتحدة قد عمدت تدمير مفاعل «تشرنوبل»؛ وذلك لكسر شوكة  الاتحاد السوفيتي، وتدميره اقتصاديًا، وإظهار الحكومة السوفيتية حفنة من المهملين ومعدومي الخبرة، واستخدموا في مخططهم خصوم الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية، مما أدى في النهاية إلى تفكك الاتحاد السوفيتي، فهل توافقهم هذا الرأي؟

الهولوكست المنسي.. حين حولت فرنسا الجزائر إلى حقل للتجارب النووية الإسرائيلية!

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد