بعد أزمة إسقاط القوات التركية طائرة سورية قالت إنها اخترقت المجال الجوي التركي، ورد دمشق عليها باعتبار أن فعل تركيا يمثل اعتداءً سافرًا على سوريا، ودعمًا واضحًا لما أسمته دمشق “الجماعات الإرهابية”، وعلى نفس الصعيد يذهب بعض المحللين إلى أن تركيا قامت بضرب الطائرة بأمر من رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ليس لأنها اخترقت المجال الجوي التركي وإنما لأنه على أعتاب انتخابات محلية ستقام في30 مارس الحالي. فهل سيسقط بشار الأسد؟

بشار الأسد: من العمليات الجراحية إلى العمليات العسكرية

رغم أن سوريا جمهورية بالأساس، إلا أنها – شأنها شأن بعض الدول العربية – تتشابه مع الأنظمة الملكية عبر شكليات ديمقراطية آلية، هذا ما حدث مع الرئيس السوري بشار الأسد؛ حيث كان الرئيس الأسد طبيبًا للعيون ومارس عمله بعد تخرجه كطبيب، ثم ذهب إلى بريطانيا ليكمل دراسته في مجال طب العيون، في تلك الأثناء كان أخوه باسل يتحسس خطواته في مطابخ السياسة السورية وميادين الجيش وبدأ يظهر بشكل قوي، ما جعل البعض يتحدث عن كونه وريثًا لوالده حافظ الأسد.

إلا أن ذلك لم يدم، فقد قُتِلَ باسل في حادث سيارة ما زالت ملابساته غامضة حتى الآن، وعاد بشار الأسد إلى سوريا سريعًا قبل أن يتم دراسته في طب العيون، ليكون بديلاً لأخيه باسل. وبدأ بشار الأسد في الظهور سياسيًّا ودخل الجيش السوري برتبة نقيب ثم ترقى فيه إلى رتبة رائد، وظل يترقى في الجيش السوري حتى صار قائدًا للجيش السوري والقوات المسلحة في11يونيو من العام 2000، بعد يومٍ واحدٍ من وفاة والده.

يعتبر المحللون أن بشار قد ورث أبيه

عندما توفي والده بشار الأسد كان هناك عائق دستوري يعيق ترشحه لرئاسة سوريا، فاجتمع البرلمان السوري في اليوم الذي توفي فيه والده ليعدَّل الدستور ليعبد الطريق أمام الأسد للحكم، ولم يعرف الأسد ولم يعرف أبيه أو أيٍّ من السوريين واللاعبين الإقليميين – الذين وجدوا فيه وجهًا إصلاحيًّا – أنه سيقودُ حرباً ضد شعبه يستخدم فيها الكيماوي، ويتجاوز فيها عدد الضحايا 160000 قتيل وأكثر من ثلاثة ملايين لاجئ سوري في دول الجوار، حسب بعض الإحصائيات.

الثورة السورية، البداية والمآلات:

بدأت الثورة السورية بداية طفولية جدًّا، حين بدأ مجموعة أطفال (15طفلاً) في مدينة درعا السورية كتابة شعارات تنادي بالحرية وتطالب بإسقاط النظام السوري

بدأت دعوات للنزول ضد النظام في يوم 15 مارس2011، على صفحة فيس بوك لا يعرف حتى الآن من منشئها، ونزل الشعب السوري ليطالب بحريته على غرار ثورات تونس ومصر وليبيا، إلا أنَّ الشعب السوري لم يكن يعرف أنَّ ثورته ستكلفه كل هذه التكلفة، ولم يعلم أن النظام السوري كان أقوى بكثير من أنظمة تونس ومصر وحتى ليبيا، فقد واجه الأمن المظاهرات بوحشية شديدة. ما أدى إلى ظهور منشقين عن الجيش السوري واجهوا عنف الأمن و”الشبيحة” والجيش السوري بسلاحهم.

المظاهرات السلمية في سوريا تحطم تمثال حافظ الأسد في بدايات الثورة

تشعبت الأزمة بين النظام والمعارضة المسلحة، وتدخلت أطراف إقليمية منها من كان في طرف الأسد ومنها من كان في الطرف الآخر، وفي ظل الحديث عن ضربة عسكرية لسوريا بالاتفاق مع بعض دول الخليج وتركيا، واجه النظام شعبه بالكيماوي، ما أدى إلى التراجع عن ضرب سوريا ضربة عسكرية، وفتح السبيل تجاه الحل الدبلوماسي للأزمة.

لم يتخذ السوريون الخيار العسكري إلا بعد استخدام نظام العنف مع المظاهرات الشعبية وانشقاق لواءات من الجيش النظامي وانضمامهم للمحتجين

التنظيمات المسلحة في سوريا:

بدأت المعارضة المسلحة للرئيس بشار الأسد في وقتٍ لاحق لبداية الثورة السورية باعتبارها ثورة سلمية، كردة فعل على عنف النظام في التعامل مع المظاهرات الشعبية، إلا أنَّ هذه التنظيمات لم يجمعها تنظيم واحد يجمعها على أهداف واحدة، إذ تعمل كل جبهة أو تنظيم منها منفصلاً عن الآخر تمامًا، وفي الشهور الأخيرة شاهدت الساحة السورية تغيرًا نوعيًّا على أرض المقاومة، إذ نشبت بين الفصائل المعارضة وبعضها مناوشات مسلحة.

وشهدت الشهور الأخيرة من يونيو2013 وحتى الآن قتالاً شرسًا بين فصائل المقاومة، وقام ما سُمِّيَ بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) بعدة هجمات على فصائل أخرى مقاومة للنظام السوري، في ظل الحديث عن علاقة النظام السوري بهذا التنظيم لمحاولة اختراق المقاومة المسلحة وضربها ببعضها، وقد صرح وزير الخارجية التركي داوود أوغلو بهذا في وقتٍ سابق، وأحد أمثلة هذا الاقتتال مقتل أبو سعد الحضرمي أمير جبهة النصرة في الرقة، وحسب بيان الدولة كان حكم الإعدام بسبب أن الحضرمي مرتد، وكان اعترافه بأنه يتعاون مع الإئتلاف الوطني السوري كفيلاً بإطلاق حكم الردة وتطبيقه عليه.

سوريا أزمة إقليمية/دولية:

“بإمكاني أن أشعل حربًا وأن أقلب الشرق الأوسط رأسًا على عقب خلال ستّ ساعات”؛ هذا كان تصريح بشار الأسد بثقة لوزير خارجية تركيا أحمد داوود أوغلو في بدايات الأزمة السورية.

كانت هذه الحرب ستقوم من خلال مهاجمته إسرائيل على جبهة هضبة الجولان ومن خلال ضرب إيران لقواعد أمريكية في الخليج في الوقت نفسه، ما كان حسب محللين سيقود إلى حرب عالمية خصوصًا أن حربًا مثل هذه من شأنها أن تمنع النفط عن الدول الكبرى التي تحتاجه بشدة.

أهم القوى المؤيدة لبشار:

إيران: منذُ بداية الأزمة والجمهورية الإسلامية تدعم الأسد بقوة، ليس فقط عبر وضع ثقلها السياسي والإستراتيجي خلفه وإنما عبر تزويده بالسلاح أيضًا، بل إنَّ الحرس الثوري الإيراني يساعد القوات السورية في قمع المعارضة المسلحة، وتتحفظ أمريكا على إشراك طهران في أية محاورات في الشأن السوري، لعلمها بسابق رأيها أنها لن تتخلى عن الرئيس الأسد أو دعمه، حتى النهاية، إذ يَعتبِرُ خبراء إستراتيجيون الأسد أمنًا قوميًّا بالنسبة لطهران لن تجازف به، وقد صرح أحد المسؤولين الإيرانيين أنهم ليسوا فقط يفضلون نظام الأسد بل إنهم يفضلون شخص بشار الأسد في حد ذاته. وقد وصفت إيران المعارضة بالإرهاب أكثر من مرة.

رغم صعود التيار الاصلاحي المنفتح في إيران إلا أنه لم يغير من سياسات طهران تجاه سوريا

حزب الله:

يعتبر حزب الله أحد أهم اللاعبين السياسيين/ العسكريين في لبنان وسوريا وفلسطين. والتعاون بين حزب الله وسوريا له تاريخ طويل، منذُ الحرب الأهلية اللبنانية (1990:1975) التي كان فيها حزب الله مؤيدًا للوجود السوري في لبنان. وما زال حزب الله يؤيد بشده الأسد. ويساعده في قمع المعارضة المسلحة. بل إن زعيم حزب الله حسن نصر الله صرح أن حزب الله موجود في سوريا إلى جانب النظام في العمليات العسكرية.

روسيا والصين:

كانت روسيا والصين الطرفين الأكبر والأكثر ثقلاً سياسيًّا وإستراتيجيًّا وديبلوماسيًّا وتأييدًا لبشار؛ حيثُ عارضت روسيا في وقتٍ سابق وبشدة أية محاولة للتدخل العسكري في سوريا، ووصفت المعارضة المسلحة بالإرهابيين، وحسب محللين تعتقد روسيا أن الثورات العربية صنيعة أمريكية تسعى من خلالها أمريكا لتغيير الخارطة السياسية وبسط نفوذها في الشرق الأوسط، خصوصًا في ظل صعود الصين وروسيا من جديد، ولا زالت روسيا علي موقفها منذُ بدايات الأزمة في 2011. بل إن اجتماعات ومحادثات جمعت وزراء خارجية طهران وموسكو ودمشق للتنسيق فيما بينهم على ما يبدو في مواجهة المعارضة السورية والتكتل المناوئ للأسد مثل أمريكا والسعودية، وقد هددت روسيا والصين باستخدام الفيتو ضد أي هجوم عسكري على سوريا، والذي كانت تتبناه أمريكا.

تمثل روسيا مع إيران حلفًا قويًّا للأسد

بعد أزمة أوكرانيا وتوجيه روسيا ضربة قوية لأمريكا من خلال ضمها لإقليم القرم، ربما تشهد الأرض السورية تطورًا ما، إذ يبدو أن الولايات المتحدة تجهز ضربة لروسيا على الأراضي السورية، حسب محللين، ويذكر أن روسيا تمد الأسد بمعدات عسكرية أيضًا.

على الجانب الآخر المعسكر المناوئ لبشار الأسد والذي يسعى للإطاحة به، والجدير بالذكر أن هذا المعسكر يُتهم من قبل الأسد والأطراف الإقليمية المؤيدة له بتمويل المعارضة ماليًّاً وعسكريًّا ودبلوماسيًّا، ويضم هذا المعسكر:

الولايات المتحدة:

وهي الحليف العالمي الأكبر للمعارضة السورية ضد الرئيس الأسد، وتتسم العلاقات بين أمريكا وسوريا بالتوتر منذُ حكم الرئيس حافظ الأسد، والد بشار، وكانت الولايات المتحدة قد رأت في بشار وجهًا إصلاحيًّا جديدًا في سوريا، إلا أنَّ هذا التفاؤل سرعان ما تلاشى، فقد اعتُبِرَ بشار أحد أهم الأنظمة المناوئة لأمريكا “دول الممانعة”، وقد اتهمته أمريكا بأنه يؤوي المقاومة الفلسطينية، كما اتهمته أثناء الحرب على العراق بأنه يصدر “الإرهابيين” للعراق.

وزير خارجية أمريكا جون كيري مسئول عن الملف السوري في الإدارة الامريكية

تبنت أمريكا في وقتٍ سابق تدخلاً عسكريًّا في سوريا، للإطاحة بالأسد، إلا أنَّ الأطراف المؤيدة القوية لبشار (روسيا والصين) ووالوضع الراهن في الشرق الأوسط (خصوصًا وضع إيران وعلاقتها بالسعودية وإسرائيل التي تتسم بالتوتر) منعتها من هذه الضربة العسكرية. مكتفيةً بتدمير الأسلحة الكيماوية لدمشق والتي ستتم خلال شهور بالاتفاق مع دمشق وموسكو.

السعودية:

تعتبر السعودية أقوى حليف إقليمي للولايات المتحدة. عبر شراكات سياسية واقتصادية وعسكرية بدأت في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وتحاول السعودية التقليص من وجود طهران في الشرق الأوسط والخليج العربي، باعتبارها الدولة الأكثر منافسةً لنفوذها وباعتبارها المعقل الشيعي الأكبر في العالم الإسلامي، باعتبار السعودية المعقل السني الأكبر في العالم أيضًا. إلا أنَّ حرب النفوذ بينهما امتدتْ من خلال تعاون السعودية مع الولايات المتحدة ضد إيران والدول الحليفة لها في المنطقة.

تعرفُ السعودية بالعلاقة المتوترة مع نظام الأسد منذُ زمن ليس بقريبْ، وقد كانت أحد أهم الممولين للضربة التي كانت تتبناها أمريكا ضد الأسد. وترى السعودية أن إنهاء حكم الأسد، سيقلل من نفوذ إيران بقوة وسيمنع الوجود الروسي والصيني في المنطقة، الذي تعارضه بطبيعة تحالفاتها مع الولايات المتحدة والمعسكر الغربي.

الإمارات وقطر:

من خلال علاقتهما المتوترة بطبيعة الحال مع نظام الأسد وإيران بالتخصيص (الحليف الأقرب للأسد)، وتعتبر الدولتان النفطيتان من أهم الدول التي تدفع باتجاه إسقاط الأسد، وإن بدرجة اقلّ من السعودية.

تركيا:

رغم العلاقات التركية/ السورية التي كانت تتجه في اتجاه إيجابي بالنسبة للبلدين قبل الثورة السورية وبداية الأزمة، ورغم أن أردوغان كان يعتبر الأسد حليفًا إستراتيجيًّا قويًّا ومهمّا بالنسبة لدمشق، عبر علاقة ود متبادلة بين أردوغان والأسد شخصيًّا، إلا أن حرب المصالح بينهما قد فرقت هذا الودْ.

كانت تجمع أردوغان وبشار الأسد علاقة صداقة قوية، لكن فرقت بينهما السياسة

حاول داوود أوغلو، وزير الخارجية التركي، العمل على حل للأزمة منذ البداية، ومع صعود الحديث عن ضربة عسكرية لدمشق يبدو أن مصالح تركيا كانت تصب في هذا الاتجاه، إذ لم تجد فائدة في الارتباط بنظام مستبد في طريقه إلى النهاية، وبعد تصاعد الأزمة بين تركيا وسوريا صرح أردوغان أنَّ على الأسد أن يترك السلطة.

تعتبر تركيا المأوي المفضل بالنسبة للمعارضة السورية، بل إن الائتلاف الوطني السوري يعقد اجتماعاته في تركيا، كما أنَّ تركيا تضم أكثر عدد لاجئين سوريين باعتبارها على الحدود مع سوريا.

وفي وقتٍ سابق زار الرئيس الوزراء أردوغان أحد المخيمات السورية للاجئين السورين علي الحدود.

“تفاقمت الأزمة بين أنقرة ودمشق بعد إسقاط تركيا طائرة سورية في وقتٍ سابق من الشهر الجاري”

بعد هذين الفريقين تبرز لبنان، وفي لبنان الوضع معقد وتنقسم لبنان إلي مؤيدين لسوريا ومعارضين لها، وقد كان للوجود السوري أثناء الحرب الأهلية اللبنانية وما بعدها وحتي العام 2005 أثر في الأحداث الحالية، إذ أنَّ بشار الأسد كان مسئولاً عن الملف اللبناني في العام 1995 وقد لعب الأسد خلال العام 1998 دورًا بارزًا في تنصيب الرئيس المؤيد لسوريا إميل لحود رئيسًا للبنان.

بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في بيروت عام 2005 اتهمت لبنان سوريا في هذا الاغتيال، إلا أن أصابع الاتهام في وقتٍ لاحق وجهت تجاه حزب الله فقط.

 هل من حل؟

تبدو الأزمة السورية حتى الآن دونَ حلّ، فمن جانب ذهبت المعارضة إلى مؤتمر جنيف2 بعد تردد وانقسام داخلها، ما حدا بروسيا لانتقاد المعارضة بشكلٍ حاد، وخلال المؤتمر صرح وزير خارجية النظام بأن الأسد خطٌ أحمر، إضافةً إلى تصريح الأسد أنه سيترشح في الانتخابات المزمع انعقادها في العام الجاري.

“تبدو إيران – رغم انفتاحها على الغرب وقيامها بالاتفاق الجزئي حول ملفها النووي – متمسكةً بالأسد تمسكاً لا يتزحزح

على الجانب الآخر فإنَّ روسيا تدعم الأسد بقوة، وتنعت المعارضة المسلحة أيضاً “بالإرهابيين”. كما أنَّ الصين وإن كانت أقل دعماً لبشار إلا أنها تضع ثقلها معه في مواجهة أية ضربة عسكرية.

في ظل وضع إقليمي معقد، فيما يبدو أنَّ هناك ما يشبه الحرب الباردة خلف الكواليس بين أمريكا وروسيا الإتحادية، خصوصاً أن الأخيرة تسعي منذُ سنوات لاستعادة دور الإاحاد السوفيتي، وفي وقتٍ سابق كانت روسيا قد صرحت بأن العالم يجب ألا يكون أحادي الإتجاه، في إشارة منها إلي التدخل الأمريكي في دول العالم دون وجود من يردعها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد