تقدم سريع لقوات جيش بشار الأسد في المعارك التي تخوضها في آخر معاقل المعارضة شمال غرب سوريا، هذه الاشتباكات هي الأعنف على الإطلاق منذ انطلاق الثورة السورية في مارس (آذار) 2011، والتي خلفت مئات القتلى والجرحى في صفوف المدنيين جراء القصف العنيف من قبل قوات النظام وروسيا والميلشيات الإيرانية، وأيضًا مئات القتلى والجرحى من مقاتلي الطرفين الذين سقطوا في هذا الحرب المستمرة منذ أكثر من ستة شهور، والتي تبدو وكأنها لن تبقي في طريقها حجرًا على حجر.

هذه المعارك تشارك فيها قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية بدعم عسكري قوي من روسيا من جهة، وفصائل المعارضة السورية وهيئة تحرير الشام بدعم من الجيش التركي الذي يتواجد في إدلب بكثافة عالية من جهة أخرى، ولكن على ما يبدو أن الكفة تميل لصالح الفريق الأول، فهل النظام السوري وجيشه وقواته بهذه القوة، أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟

يتباهى النظام السوري بسرعته وقوته التي مكنته من استعادة السيطرة على غالبية سوريا، بعد أن كان يسيطر على أقل من 20% من البلاد عام 2016، بينما الآن باتت أكثر من 62% تحت سيطرته، إذ انقلب المشهد تمامًا وبات جيش بشار الأسد يتقدم بسرعة في المناطق الخارجة عن سيطرتهم، مع تركيزهم بشكل أساسي على مناطق المعارضة السورية المسلحة في شمال غرب سوريا، والتي باتت مناطقهم تنكمش وتتقلص في كل ساعة مع تواصل المعارك.

الشيطان يكمن في التفاصيل

تأسس الجيش العربي السوري النظامي بشكل رسمي سنة 1948، وبلغ عدده عام 2011 نحو 230 ألف مقاتل و300 ألف مجند، ويصل عدده عند التعبئة إلى 650 ألف عسكري؛ إذ برز دور هذا الجيش في عدد من المعارك التي خاضها ضد إسرائيل في أربع حروب خسر فيها الجولان، وأجزاء من القنيطرة في حربي الـ67 والـ73، مع وجود معارك أثناء تلك الحروب استطاع فيها تقديم أداء مبهر بالأخص في حرب 1973.

 لكن بدأ وجه آخر يطرأ على دور هذا الجيش النظامي بشكل أكبر، خلال حكم عائلة الأسد عندما تم تدمير مدينة حماة بعد تحصن جماعة الإخوان المسلمين فيها، حيث نفذ الجيش أحد أشهر المجازر قضى فيها عشرات الآلاف من القتلى من المدنيين، ومع انطلاق الثورة السورية زج النظام السوري بهذا الجيش إلى داخل المدن والقرى والأحياء الثائرة لقمع الانتفاضة المطالبة بإسقاط الأسد.

تصر وسائل إعلام النظام السوري على تصوير جيش الأسد أنه القوة المسيطرة على الأرض وأن له الفضل المباشر في إستعادة السيطرة على سوريا، والتأكيد أن هذا الجيش هو الذي يكون دائمًا في المقدمة وعلى الجبهات المباشرة في محاربة المعارضين، أما المليشيات المساندة له ليست بالكبيرة وليست ذات أهمية في ترجيح كفة ميزانه، ولكن الواقع يمكن في التفاصيل.

جراء الانشقاقات بصفوف جيش بشار الأسد التي حدثت مع بداية الثورة السورية وانضمام العديد منهم إلى تشكيلات عسكرية معارضة، وهروب الآلاف من المجندين إلى خارج سوريا ورفض آلاف آخرين الالتحاق بصفوف هذا الجيش، بات جيش بشار الأسد يعيش أسوأ أيامه وأصعبها مع عدم وجود خزان بشري يستطيع تغطية كل الجبهات المشتعلة من شمال سوريا إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها. قام النظام في عام 2012 وبدعم من رجال الأعمال السوريين أمثال رامي مخلوف وبقيادة إيرانية مباشرة بإنشاء ما عرف باسم ميلشيا «الدفاع الوطني» والتي بلغ عددها عام 2015 أكثر من 100 ألف مقاتل.

ومع ذلك لم يكن عديد ميليشيا الدفاع الوطني يكفي لتغطية جميع الجبهات مع ازدياد قوة فصائل المعارضة السورية المتنوعة وخاصة ذات التوجه الإسلامي، الأمر الذي دق ناقوس الخطر لدى النظام الذي قام باستقدام عشرات الآلاف من المقاتلين الذين يغلب عليهم الطابع الطائفي من الطائفة الشيعية من إيران والعراق ولبنان وأفغانستان، وزاد عدد هؤلاء مع ظهور تنظيم «داعش»، ومن ثم تضاعفت بشكل أكثر مع التدخل الروسي العسكري المباشر عام 2015، والذي كان المغير الأهم والأساسي لخارطة السيطرة في سوريا.

سياسة

منذ 3 سنوات
كيف استطاعت روسيا أن تَهزِم الجميع في حلب؟

أردوغان يهاجم.. لكن الأسد لا يتوقف 

كان وما زال التدخل والتواجد العسكري التركي في سوريا مرفوضًا رفضًا قاطعا من قبل النظام السوري، الذي اتهم تركيا بدعم من وصفهم بـ«الإرهابيين والمسلحين» الذين كانوا يحاولون إسقاطه، ولكن هذه الاتهامات لم تمنع الأتراك من التدخل واستندت في تدخلها على اتفاقية أضنة التي تعطيها قانونية وشرعية لتواجدها في سوريا، كما أن الاتفاقيات التي وقعتها مع روسيا سمح لها بالتواجد العسكري في مناطق المعارضة.

تدخلت تركيا عسكريًا في سوريا ثلاث مرات، حيث كانت المرة الأولى ضد تنظيم «داعش» بعملية أطلقت عليها اسم «درع الفرات»، وكانت الثانية والثالثة ضد وحدات حماية الشعب الكردية العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية «قسد» في عمليتي «غصن الزيتون» و«نبع السلام»، أما تواجدها في مناطق المعارضة السورية فهو من ضمن الاتفاقيات التي تم توقيعها في العاصمة الكازاخية أستانة «نور سلطان حاليًا»، والتي تم بموجبها إنشاء 12 نقطة مراقبة تركية، ولكن التصعيد العسكري من قبل النظام وروسيا، غيّر المعادلة تمامًا.

بعد أن تخلت روسيا عن التنفيذ العملي لجميع الاتفاقيات الخاصة بأستانة بما يخص مناطق خفض التصعيد، وسيطرت عسكريًا على درعا، والقنيطرة، والغوطة، الشرقية، وحمص، والقلمون، وغيرها، وبعد ذلك توجهت إلى إدلب التي أصبحت آخر معاقل الانتفاضة السورية، وشكل التهديد الروسي في سبتمبر (أيلول) 2018 بشن هجوم على إدلب منعطفًا خطيرًا في العلاقات الثنائية بين روسيا وتركيا، إذ اجتمع الرئيسان ووقعا على اتفاقية اطلع عليها اتفاقية «ادلب أو سوتشي»، التي لم يلتزم بها الجانبان أيضًا، فلم تتمكن روسيا من وقف هجمات النظام السوري، ولم تتمكن تركيا من فتح الطرق الدولية ولا إنهاء «هيئة تحرير الشام»، كما لم يتمكن الطرفان أيضًا من إنشاء منطقة خالية من السلاح.

وجراء ذلك فقد شن جيش بشار الأسد هجومًا عنيفًا بغطاء جوي روسي وبمشاركة آلاف المقاتلين من المليشيات الإيرانية، وأجبرت فصائل المعارضة على الانسحاب من عشرات المدن والبلدات والقرى خلال معارك عنيفة مستمرة منذ أكثر من ستة أشهر، كما أن هذه الحملة العسكرية حاصرت خمسًا من نقاط المراقبة التركية الرئيسة، وست نقاط حديثة وباتت داخل مناطق سيطرة النظام، الأمر الذي أغضب أردوغان وأعلن عن مهلة لنهاية فبراير (شباط) الجاري لانسحاب النظام إلى حدود إتفاق سوتشي، وأعلنت تركيا عن إرسال الأرتال تلو الأرتال المحملة بالدبابات والعربات المصفحة وعشرات الجنود، ولكنها لم توقف النظام من التقدم إلى الآن.

خريطة تظهر نقاط مواقع نقاط المراقبة التركية في إدلب «الأحمر مناطق سيطرة النظام والأخضر مناطق سيطرة المعارضة» المصدر: شبكة أخبار المعارك

من الأقوى.. الجيش التركي أم جيش بشار الأسد؟

تمكنت قوات النظام السوري من السيطرة على كامل الطريق الدولي «إم 5» الرابط من حلب إلى الجنوب السوري، كما سيطرت على أهم مدن المعارضة (معرة النعمان، وسراقب، وخان شيخون، ومورك)، وتراجعت المعارضة السورية على الرغم من الدعم الذي تلقته من القوات التركية.

دولي

منذ 5 شهور
«إم 4» و«إم 5».. سر الطريقين اللذين نفذت روسيا 5 مذابح الشهر الماضي لأجلهما

الدعم التركي كان من المفترض أن يشكل دفعة قوية لفصائل المعارضة لإستعادة ما خسرته، إلا أن ذلك لم يشكل أي فارق ولم يوقف تقدم النظام السوري، حيث تمكن الأخير أول أمس من صد هجوم على بلدة كفر حلب بريف حلب الغربي، وتمكن من صد هجوم عنيف للغاية قبل ذلك على بلدة النيرب بريف إدلب، على الرغم من مشاركة المدفعية التركية بشكل مكثف، وإسقاط المعارضة لطائرة مروحية، وكادت تصيب طائرة حربية بصواريخ مضادة للطائرات يبدو أن تركيا قد زودتهم بها، هذا الفشل الذريع للمعارضة في إحراز أي تقدم في مواجهة النظام أظهر تركيا بمظهر الضعيف.

نعود إلى سؤال العنوان الرئيس للتقرير، هل جيش الأسد قوي فعلًا؟ ولماذا المعارضة ضعيفة على الرغم من الدعم التركي العسكري لها في المعارك التي تخوضها؟ يقول أحد النشطاء في صفوف المعارضة في محافظة إدلب «رفض الكشف عن اسمه»، أن «المعارضة أنهكت بشكل كبير وتم استنزافها على مدى الأشهر الماضية، وقُتل العشرات منهم بالإضافة لإصابة العديد بإصابات في الأطراف والتي لا تسمح لهم بالعودة إلى ساحات القتال»، وفي الحقيقة فإن الخزان البشري الذي كانت تملكه فصائل المعارضة تناقص بشكل كبير، أما قوات الأسد فإن خزانها البشري في ارتفاع، وذلك بعد أن فرضت سيطرتها على مساحات واسعة من سوريا، خاصة درعا، وريف، دمشق، وحمص، وحلب.

يضيف الناشط «أ. ن» في حديثه لـ«ساسة بوست»، أن «فصائل المعارضة لا تقاتل جيش النظام فقط، بل تقاتل ميليشيات شيعية من جنسيات مختلفة وهم بالآلاف»، وأشار «أن الهجوم الذي تم صده في بلدة النيرب كان بفضل عناصر من مرتزقة فاجنز الروسية الذين أجبروا الفصائل على الانسحاب»، وأكد أن «الطيران الروسي الحربي وأيضًا الاستطلاع الدقيق في إصابته للأهداف كبد فصائل المعارضة العديد من القتلى والجرحى، وتدمير عدد من آلياتهم وعرباتهم».

دولي

منذ 3 شهور
«جيوش احتلال» من نوع جديد.. خريطة انتشار «المرتزقة» في أفريقيا

وعن الدعم التركي المقدم للمعارضة، يقول الناشط: «إن الدعم التركي للمعارضة والدعم الروسي للنظام لا يقارن بأي شكل من الأشكال، فالدعم التركي محصور فقط في التمهيد المدفعي والصاروخي وربما بضعة صواريخ مضادة للطائرات، ولا يتم إطلاقها، إلا بعد أوامر صارمة حتى لا يتم إسقاط أي طائرة روسية بها، أما الدعم الروسي اللامحدود للنظام فيتمثل بغطاء جوي كامل، وتمهيد مدفعي، وصاروخي لا يتوقف، وخطط عسكرية محكمة، وعدد من الضباط الروس الذين يتابعون سير المعارك على الأرض».

هذا الدعم الروسي أدى لتنامي قوة النظام وتحديها لتركيا بشكل مباشر؛ إذ قامت الطائرات والمدفعية التابعة للنظام  باستهداف نقاط المراقبة التركية في ادلب أكثر من مرة؛ ما أدى لقتل 14 من عناصر الجيش التركي وجرح 41 آخرين، وبالتأكيد أن هذا الأمر تم بموافقة روسية، وذلك حسبما قال أردوغان في تصريحات له: «إن النظام السوري لا يحرك ساكنًا دون علم الضامنين».

صور متداولة لما يقال إنها آليات عسكرية تركية تعرضت للاستهداف من قبل مدفعية النظام السوري في منطقة الترنية غربي مدينة سراقب بإدلب (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي).

رد تركيا على مقتل جنودها جاء سريعًا، إذ أعلنت وزارة الدفاع التركية أن قواتها قصفت 115 هدفًا للنظام السوري، ما أسفر عن تحييد 101 من عناصره وإعطاب ثلاثة دبابات ومنصتي مدفعية واصابة مروحية، ولكن أيضًا هذا التهديد التركي لم يثن النظام عن التقدم والسيطرة على الأرض، بل زاد على ذلك بالتأكيد أن قواته ضربت الجيش التركي عمدًا، إذ قال مصدر في الخارجية السورية: «إن الجيش التركي تلقى ضربات مباشرة له وللإرهابيين»، وذلك على عكس ما بررت به روسيا في وقت سابق أنه بسبب عدم التنسيق. 

وفي المجمل لا يمكن القول إن تركيا تحارب جيش بشار الأسد بشكل مباشر، وإذا حدث ذلك بشكل مباشر فالمقارنة قد تكون صعبة بين ثاني أكبر جيش في الناتو وبين قوات النظام السوري، لكن حتى إذا تخيلنا دخول تركيا بكل ثقلها، فالحديث هنا لن يكون عن جيش بشار الأسد وحده في المواجهة، وإنما من الضروري معرفة ماذا سيكون موقف الجيش الروسي في مواجهة افتراضية كهذه، فهذا يغير الكثير من عناصر الأمر. 

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد