اهتمام الصين بالعالم العربي، ظهورها كوجهة لأكثر من رئيس عربي، ظهورها من ناحيةٍ أخرى كبديل أحيانًا للولايات المتحدة، أو كمحاولة للمناورة بالتهديد بفتح آفاق تعاون كبيرة بين بعض الدول العربية والصين للضغط على الولايات المتحدة. مؤخرًا بدأ الحديث عن تواجد عسكري قادم في الخليج، فهل هذا صحيح؟

يتحرك التقرير بناءً على عدة ملاحظات أولية:

1ـ أنَّ دول الخليج جميعًا ترتبط بعلاقات قوية و”متينة” مع الولايات المتحدة، إلا دولة واحدة هي إيران.

2ـ بالحديث عن الخليج، يتم الحديث وبشكل لا إرادي عن إيران والسعودية ثمّ الإمارات في المرتبة الثالثة، بينما تعتبر بقية دول الخليج تابعة، فيما عدا دولة قطر.

3ـ لمحاولة الإجابة عن سؤال التواجد العسكري للصين في المنطقة، لا بدّ من المرور عبر بعض المقدمات عن علاقات الصين بدول الخليج بشكل عام.

خريطة توضح التواجد الصيني الخارجي

علاقات تعتبر قوية

بالحديث عن علاقات العالم العربي مع الصين تعتبر العلاقات قوية نوعًا ما، تتعلق أكثر ما تتعلق بالتجارة والتبادل السلعي وحقلي النفط والطاقة وإنشاء المصانع والمنشآت والكباري والمترو، بينما تتخطى هذه المجالات إلى المجالات العسكرية مع دولة واحدة فقط تقريبًا هي إيران!

حسب جريدة الأهرام المصرية فإن حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية يبلغ – بشكل تقريبي – 200 مليار دولار، بينما تضطلع منطقة الخليج بـ 50% من استخدام الصين للبترول، تضطلع السعودية فقط بنسبة 20% من النفط الذي تستخدمه الصين، بما يقارب مليون برميل يوميًا يتم تصديرهم من المملكة، كذلك تضطلع إيران بنسبة 17% من البترول الذي تستخدمه الصين.


ولي العهد السعودي في زيارة للصين 2014
بشكلٍ عام، فإن الصين ترى في الدول العربية سوقًا جيدة لمنتجاتها، بينما ترى دول الخليج في الصين سوقًا للبترول والغاز خصوصًا أنَّ الصين تنافس أمريكا في نسبة استخدام البترول والغاز حول العالم، لكن الصين على خلاف أمريكا لا تنتج نفطًا أو غازًا.

تقوم العلاقات الصينية بدول الخليج على معادلة: مقايضة السلع والخدمات والتكنولوجيا الصناعية الصينية، في مقابل النفط والغاز الطبيعي من إيران.

على الجانب الآخر تحاول الصين حجز مقعد لها في المنطقة، من خلال بناء قاعدة عسكرية في جيبوتي، ستتولى الإشراف على العمليات “التجارية والاقتصادية والأمنية” للصين. ليس هذا فقط وإنما تقدم الصين للحكومة الجيبوتية دعمًا قويًا ومتينًا في خدمات تطوير الموانئ وغيرها. ما يعني أن هذه القاعدة حجر أساس لتواجد عسكري أقوى للصين في المرحلة القادمة.

علاقات اقتصادية

بالطبع تمثل العلاقات الاقتصادية أحد مقدمات التواجد العسكري “المأمول” للصين في المنطقة، أقوى العلاقات الصينية مع دول عربية تنتمي لدول الخليج، نبرز هذه الدول بشكل مختصر كالتالي:

إيران: الحليف الأهم

علاقات الصين بإيران علاقات وثيقة ومتينة، ربما كأحد أقوى وأهم الأوراق للصين في المنطقة، وفي الخليج بالطبع. يتجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 45 مليار دولار سنويًا. وقَّع البلدان العديد من الاتفاقات الاقتصادية والعسكرية، فخلال الحرب العراقية الإيرانية زودت الصين إيران بصواريخ باليستية كانت نواة القوة الصاروخية الإيرانية فيما بعد.

أبرمت شركات النفط الصينية عقودًا ضخمة جدًا لاستكشاف حقول الغاز والنفط، واستثمار ما يقارب 4.7 مليار دولار لتطوير حقل “بارس” النفطي فقط، على مرحلتين، كان هذا عام 2013

الرئيس الإيراني مع الرئيس الصيني، في زيارته إلى الصين، مايو 2014

وقع البلدان أيضًا اتفاقًا للطاقة وصف “بالعملاق” لمدة 25عامًا في أكتوبر 2004 بقيمة 70مليار دولار. تزوِّد بموجبه إيران الصين بالغاز المسال NG والنفط وتتولى مجموعة “سينوبك” الصينية – ثاني أكبر شركة صينية في صناعة النفط – تطوير حقل ياوران الإيراني العملاق للنفط، والذي تقدر احتياطاته النفطية بنحو ثلاثة مليارات برميل.

بشكلٍ عام تحتاج إيران علاقاتها بالصين لاعتبارات سياسية واقتصادية عديدة. منها احتياجها لظهير دولي قوي في مواجهة الولايات المتحدة، خصوصًا بالتواجد الأمريكي القوي في الخليج عبر قواعده المنتشرة فيه. ظهر هذا الظهير عام 2012 باستخدام حق الفيتو لصف النظام السوري.

في فترات فرض العقوبات على إيران كانت الصين تمثل بابًا آخر تستطيع إيران من خلاله نفض غبار العقوبات عن كاهلها، باعتبار أن الصين هي الشريك الأقوى اقتصاديًا لإيران. بالمبادلة تحتاج الصين لنفط وغاز إيران إضافة إلى احتياجها لظهير قوي في المنطقة، والتي تبدو أنها ستصبح في القريب العاجل مسرحًا لصراع النفوذ بين أمريكا وروسيا والصين.

السعودية: 20% من النفط الذي تحتاجه الصين

كما أسلفنا تضطلع السعودية بنسبة 20% من النفط الذي تستخدمه الصين بمجمل حوالي مليون برميل نفط يوميًا. في نهاية الثمانينات تحديدًا عام 1988 عقد البلدان صفقة سلاح مهدت لشراكة قوية بين البلدين لحقول أخرى كالطاقة والتجارة والتبادل الثقافي، وكإيران – بالنسبة للاقتصاد فقط – توفر السعودية للصين نفطها مقابل توفير الصين للسعودية سلعًا استهلاكية وإلكترونية.

لا يبدو أن العلاقات تأثرت بين البلدين بسبب موقف الصين المؤيد للنظام السوري، رغم انتقاد الملك عبد الله للموقف الصيني. وقد بلغ التبادل التجاري بين البلدين 73.4 مليار دولار خلال العام 2012 فقط بزيادة عن الأعوام السابقة تجاوزت 10%. وحققت في ذلك العام الصين مؤشرًا هامًا باعتبارها أكبر شريك تجاري للسعودية. وتعتبر الصين ثاني أكبر مصدر لواردات المملكة.

الامارات: قلصت علاقتها بتايوان لأجل الصين!

تتنامى الشراكة بين البلدين بشكل كبير حيث بلغت التجارة بينهما 35 مليار دولار العام الماضي، ويتوقع أن يصل حجم التجارة إلى مائة مليار دولار خلال العام القادم، والصين هي ثاني شريك اقتصادي للإمارات بعد الهند. ويعد سوق التنين الصيني في دبي أكبر مجمع تجاري صيني خارج الصين.

مدخل سوق التنين الصيني في دبي

أهمية الخليج بالنسبة للصين

لا تتمثل أهمية الخليج بالنسبة للصين فقط في كونه سوقًا كبيرًا وهامًا للسلع الصينية، خصوصًا بعد ارتباط الصين ارتباطًا شبه عسكري مع دول خليجية كإيران. البُعد الآخر، وغير المباشر، هو النفوذ الذي تسعى له الصين في المنطقة لمحاولة زحزحة الولايات المتحدة وإثبات نفسها كلاعب إقليمي ينافسها. البعد الآخر هوَ محاولاتها لضمان تدفق النفط من الخليج إليها خصوصًا أنها تعتمد على 50% من نفطها على دول الخليج. بالطبع وجود حليف إقليمي قوي كإيران أحد أهم المكاسب التي تحقق للصين مآربها في المنطقة.

البعد العسكري

ذكرنا في ثنايا التقرير، معاملات عسكرية بين الصين والسعودية وإيران. التعاون الأكبر كان بالطبع مع إيران. في نهاية سبتمبر الماضي زارت مدمرة وفرقاطة صينيتين ميناء بندر عباس الإيراني، ثمّ بدأتا تدريبات مشتركة مع القوات البحرية الإيرانية لمدة أربعة أيام، هذه هي الزيارة الأولى لسفن بحرية صينية لإيران.

لم يكن هذا هو الظهور الوحيد للبحرية الصينية في الخليج، في العام 2010 رست سفن صينية في ميناء زايد في الإمارات. هذه السفن التي زارت إيران والإمارات تشارك في عمليات مكافحة القرصنة في خليج عدن. في العام 2010 أيضًا قامت طائرات صينية بالتزود بالوقود من إيران في طريقها إلى تدريبات في تركيا. كانت هذه الزيارة أول زيارة تقوم بها طائرات حربية أجنبية لإيران منذ الثورة 1979.

ترحيب ضباط البحرية الإيرانية بالسفن الصينية، 20سبتمبر 2014

عرض التقرير بعض المقدمات التي قد تبرهن على نية الصين مدّ وتوسيع وجودها العسكري أكثر في المنطقة من ذي قبل، يؤيد هذا القاعدة المنشأة في جيبوتي منذ وقت قصير وعلاقاتها القوية والدائمة مع إيران لأكثر من ثلاثين عامًا. حسب مايكل سينغ، الكاتب والمحلل السياسي الأمريكي، ينبغي على الولايات المتحدة ان تأخذ حذرها من تحركات الصين خصوصًا أن لها مشروعات اقتصادية عملاقة في العالم العربي وخصوصًا في دول الخليج تعتبر ممهدًا لتواجد عسكري.

يبقى السؤال الأكثر قلقًا: إذا ما استطاعت الصين التواجد العسكري في الخليج إلى جانب أمريكا، فكيف ستكون المنطقة ملغومة؟ وبأيّ شكل؟

المصادر

تحميل المزيد