في قمة منتدى التعاون الصيني-الأفريقي التي انعقدت يومي الثالث والرابع من شهر سبتمبر (أيلول) 2018، تعهدت الصين بتقديم حزمة مساعدات بقيمة 60 مليار دولار إلى دول القارة، تنفق على التمويل والاستثمار والمنح والقروض الميسرة.  تحكي هذه الحزمة من المساعدات قصتين: التنمية الاجتماعية والاقتصادية الاستثنائية في الصين والركود والفقر المدقع في أفريقيا. وبينهما مفارقة أن الصين في عام 1960 كانت أكثر فقرًا من معظم البلدان الأفريقية، لكنها اليوم تثقل القارة السمراء بالديون.

في عام 1960، كان دخل الفرد في الصين يبلغ 89 دولارًا. وكانت كل من الكونغو وكوت ديفوار وغانا وكينيا وليبيريا ونيجيريا والسنغال وجنوب أفريقيا أغنى من الصين. ثم دارت الأيام، وأصبحت أفريقيا اليوم المنطقة الأكثر فقرًا في العالم، حيث يعيش 430 مليون من أبنائها في فقر مدقع، من بين مليار نسمة.

وبعدما كانت الصين قبل 50 عامًا بلدًا فقيرًا، قليل التأثير في المجال الدولي، لا تمتلك مقعدًا في الأمم المتحدة، أصبحت اليوم قوة اقتصادية لها دور رائد على الساحة العالمية بفضل نموها الاقتصادي السريع.

وهناك أكثر من 10 آلاف شركة مملوكة للصين تعمل في أفريقيا، وفق تقرير «McKinsey & Company» الصادر في يونيو (حزيران) 2017، يفترض أنها تساهم في تنمية القارة، لكن يتهمها أمثال بانوس مردوكوتاس في مجلة فوربس بـ«استغلال الناس وأخذ مواردهم. مثلما فعل المستعمرون الأوروبيون، باستثناء أن الشركات الصينية تحاول تحويل أفريقيا إلى قارة صينية أخرى». فهل هذا صحيح؟

من يتحكم في الاتحاد الأفريقي.. الصين أم أمريكا؟

هكذا تزيد ديون الصين فقراء المحيط الهادي فقرًا

يمكن أن يُقال الكثير عن الفوائد التي تأتي مع 5.8 مليار دولار التي تعهدت الصين بإنفاقها في ربوع منطقة المحيط الهادي، أو 3.5 مليار دولار التي وعدت بكين بتخصيصها لبابوا غينيا الجديدة من أجل مد شبكة طرق جديدة انطلاقًا من عاصمتها بورت مورسبي. لكن أجراس الإنذار لا بد وأن تُقرَع حين تصل ديون جمهورية جزر فيجي للصين إلى نصف مليار دولار، وتبلغ ديون مملكة تونجا للصين أكثر من 160 مليون دولار، أي ما يوازي ثلث ناتجها المحلي الإجمالي، ثم تتجه بكين بموازاة ذلك إلى إنشاء قاعدة عسكرية في جمهورية فانواتو.

وإذا كانت تونجا قد اعترفت بأنها قد تفشل في سداد ديونها؛ يجدر بالمخاوف أن تحتشد في المحيط الهادي لتحذر دولًا صغيرة أخرى من خطورة الانزلاق إلى أزمة ديون خطيرة، والوقوع تحت وطأة ضغوط بكين الدبلوماسية.

يعتبر مشروع تطوير ميناء هامبانتوتا في سريلانكا بمثابة نموذج تحذيري لأي شخص يعتقد أن قروض الصين تأتي بدون شروط، على حد قول شون مانتيسو في شبكة «إيه بي سي» الأسترالية. اندلعت الاحتجاجات في عام 2017 عندما اضطرت سريلانكا إلى نقل السيطرة على الميناء إلى شركة «ميرشانتس بورت» القابضة الصينية- بموجب عقد إيجار مدته 99 عامًا- لتسوية ديونها التي تقارب مليار دولار لدى بكين. وفي مقابل تأكيد وزير المواني السريلانكي ماهيندا ساماراسينغي على أن ميناء هامبانتوتا الواقع على بعد 240 كلم جنوب العاصمة كولومبو لن يكون قاعدة عسكرية لأي بلد، أعربت الولايات المتحدة والهند واليابان عن مخاوفها من أن تستخدم الصين الميناء كقاعدة بحرية.

والنتيجة أن الصين أصبحت تتمتع الآن بالسيطرة على ميناء رئيسي على عتبة منافستها الإقليمية الهند، ولديها موطئ قدم استراتيجي على طول ممر مائي تجاري وعسكري رئيسي. وجدير بالذكر أن 45% من السريلانكيين يعيشون على أقل من خمسة دولارات في اليوم، و22.1% ممن لا يجدون ما يكفي لسد رمقهم، و4.4% ممن يفتقرون إلى الكهرباء. لكن في المقابل، انخفض معدل الفقر المدقع خلال الفترة ما بين عامي 2006 و2016 من 15.3% إلى 4.1%، وهو من أدنى معدلات الفقر في المنطقة.

التهام أصول زامبيا الوطنية

إذا كانت الصين تسيطر باستثماراتها على أبراج الاتصالات في زامبيا، فهذا يعني أن جميع وسائل الاتصال بما في ذلك المتعلقة بالجيش والشرطة ومجلس الوزراء تمر تحت سمع الصينيين وأبصارهم، حسب تحذير موقع «Zambian Watchdog». ورغم السمعة السيئة التي تلاحق الشركات الصينية لتجسسها على الاتصالات -بحسب تقارير غربية تصفها الصين بالشائعات- سمحت زامبيا للصين بالوصول الشامل والتحكم الكامل في أبراج اتصالاتها، حتى قال الموقع الزامبي: «يفعل الصينيون ما يريدون، ويضحكون على غبائنا».

وفي نهاية المطاف، سيتعين على دافعي الضرائب في زامبيا دفع ثمن هذا التنازل عن السيادة على إذاعتهم الحكومية «ZNBC»؛ لأن الأموال المستخدمة لإنشاء هذه الأبراج (280 مليون دولار) مقترضة في الأصل من الصين.

كيف يتحمَّل شعب زامبيا هذا العبء وكاهله مثقل بالفعل؟؛ حيث يعيش حوالي 64% من السكان بأقل من دولارين في اليوم، ناهيك عمن يعيشون في فقر مدقع بأقل من 1.25 دولار وربع في اليوم. بل إن حوالي 6.6 مليون شخص يفتقرون إلى مرحاض مناسب، و4.8 مليون شخص لا يجدون المياه النظيفة، ويعتمدون على الأنهار والبحيرات الملوثة بالصرف؛ مما يؤدي إلى موت قرابة الألفي طفل دون سن الخامسة سنويًا.

لم يمر سوى عام واحد، حتى كشف موقع «Africa Confidential» أن زامبيا تخاطر بفقدان سيادتها هذه المرة على شركة الكهرباء الحكومية «Zesco»، محذرًا من أن الصين ستلتهم أصول البلاد الوطنية قضمة قضمة بمجرد تخلف الحكومة عن سداد القروض.

لكن رئيس زامبيا إدجار لونجو له رأي مخالف تمامًا، ويرى أن «الصين لن تستعمر زامبيا أبدًا؛ لأنها على العكس من دول أخرى، ليس لها تاريخ استعماري»، مضيفًا: «لن يثنينا أي قدر من الدعاية الخبيثة عن استغلال الفرص المتاحة التي تنتظرنا». ووصف وزير خارجية زامبيا كابينجا باند التحذيرات من تضخم الديون التي تضخها الصين إلى أفريقيا بأنها «ادعاء ظالم»، قائلا إنها «قروض ميسرة، ولا توجد شروط خطيرة أو صعبة مرتبطة بها».

ثمار يانعة حان وقت قطافها

يبلغ إجمالي ديون أفريقيا الخارجية 417 مليار دولار، نحو 20% منها مستحقة للصين. وهذا يجعل الصين أكبر دولة دائنة للقارة، حيث تقدر القروض الحكومية والتجارية مجتمعة بمبلغ 132 مليار دولارًا  بين عامي 2006 و 2017. وهناك 17 دولة أفريقية عرضة لخطر أزمة الديون (حيث تتجاوز نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 50%)، والعدد في ازدياد مع إبرام عقود جديدة وغياب الشفافية، حسبما حذر رئيس «البنك الدولي»، ديفيد مالباس، في أبريل (نيسان) 2019.

وتواجه 40% من الدول منخفضة الدخل خطر الوقوع في أزمة ديون شديدة أو هي تعاني منها بالفعل؛ نتيجة الاقتراض الكبير في ظل انخفاض أسعار الفائدة العالمية وارتفاع أسعار السلع، بحسب تقديرات «صندوق النقد الدولي». وفي عام 2015، حين حددت مبادرة البحث الصينية-الأفريقية في جامعة جون هوبكنز 17 دولة أفريقية ربما لا تستطيع سداد قروضها للصين، حذرت من أن الأزمة تتفاقم بشكل خاص في ثلاث دول بعينها هي: جيبوتي والكونغو وزامبيا.

وفي عام 2017، بلغت ديون زامبيا 8.7 مليار دولار، 6.4 مليار دولار  منها مستحقة للصين. و77% من ديون جيبوتي مستحقة للمقرضين الصينيين. وتقدر ديون الكونغو للصين بـ7 مليارات دولار. ويواجه ميناء مومباسا في كينيا مصير ميناء هامبانتوتا في سريلانكا، في ظل تعثر الحكومة الكينية عن سداد ديونها المتراكمة بالمليارات لبنك إكسيم الصينى. وتصنف كينيا من بين البلدان الأكثر تعرضًا لخطر فقدان الأصول الاستراتيجية لصالح الصين، بسبب الديون التي بلغت 558.8 مليار شيلينج كينى (5.55 مليار دولار).

يحلق القلق أيضًا فوق ميناء دوراليه، نظرًا لقربه من نقطة تفتيش بحرية وقاعدة عسكرية أمريكية، رغم تأكيد حكومة جيبوتي مرارًا وتكرارًا أنها وحدها التي تسيطر على الميناء ولا تخطط للتنازل عن أصولها البحرية لصالح المشغلين الصينيين.

لكن هل المؤسسات الغربية جهات خيرية؟

بالتأكيد لا «البنك الدولي» ولا «صندوق النقد» مؤسسة خيرية، ولمزهما الصين لا يخلو من مصلحة، ولا يمكن فصله عن الصراع العالمي على النفوذ، وإن كان لا يخلو أيضًا من صواب في بعض جوانبه. ولا أوضح على ذلك من أن 35% الباقية من الديون الأفريقية تستحوذ عليها مؤسسات متعددة الأطراف مثل «البنك الدولي»، و32% مستحقة للمقرضين من القطاع الخاص.

ومقارنة بمؤسسات مثل «صندوق النقد الدولي» و«البنك الدولي» ونادي باريس (مجموعة من 22 دولة دائنة لا تشمل الصين)، ترى معظم الحكومات الأفريقية أن القروض المقدمة من الصين أسرع وأرخص، وتأتي مع قيود أقل. لكن بعض النقابات العمالية وجماعات المجتمع المدني وشرائح أخرى من المجتمعات الأفريقية تنتقد الشركات الصينية؛ بسبب ظروف العمل السيئة والممارسات البيئية غير المستدامة والتشريد من الوظائف.

وحذرت هيئات مراقبة الحكم الرشيد من أن الصين تتفاوض على صفقات غير عادلة، وتستفيد من نقاط الضعف النسبية لدى الحكومات الأفريقية، وتعزز الفساد. وفي بعض البلدان، أدى الاستياء من الممارسات التجارية الصينية إلى احتجاجات شعبية وعنف ضد رجال الأعمال والمهاجرين الصينيين.

ولتهدئة مخاوف الأفارقة، عدلت بكين سياساتها من أجل تحقيق توازن أكبر في العلاقات الصينية-الأفريقية. تتضمن هذه التعديلات تركيزًا أكبر على «الاستدامة» في العلاقات الاقتصادية والتجارية، وتعزيز القوة الناعمة والثقافة والتبادل الشعبي، والمشاركة الاستباقية في أمن واستقرار مناطق النزاع في أفريقيا.

مصالح الصين الاستراتيجية في المناطق الأكثر فقرًا

لدى الصين أربعة مصالح استراتيجية في أفريقيا:

  • الوصول إلى الموارد الطبيعية، وخاصة النفط والغاز. تشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2020، سوف تتفوق واردات النفط العالمية على الولايات المتحدة. لضمان إمدادات الطاقة في المستقبل، تستثمر الصين بكثافة في قطاعات النفط في بلدان مثل السودان وأنغولا ونيجيريا.
  • قد تسهل الاستثمارات في أفريقيا، وهي سوق ضخمة للسلع الصينية، جهود الصين لإعادة هيكلة اقتصادها بعيدًا عن الصناعات كثيفة العمالة، خاصة مع زيادة تكاليف العمالة في الصين.
  • البحث عن الشرعية السياسية. إذ تعتقد الحكومة الصينية أن تعزيز العلاقات الصينية-الأفريقية يساعد على تعزيز نفوذ الصين على الساحة الدولية.
  • سعت الصين إلى القيام بدور أكثر فعالية في استقرار المنطقة، وذلك جزئيًا لتخفيف الأخطار الأمنية المحدقة بمصالح الصين الاقتصادية.

لكن وفقًا للاتجاهات الحالية، من المتوقع أن يظل نمو دخل الفرد في أفريقيا جنوب الصحراء عند أقل من 1% حتى عام 2021 على الأقل، مما يزيد من خطر زيادة تركيز الفقر المدقع في القارة. ورغم أن عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع -على أقل من 1.90 دولار في اليوم- قد انخفض إلى 700 مليون على مستوى العالم وفق أحدث إحصاء، لكنه آخذ في الارتفاع في أفريقيا جنوب الصحراء.

وبحلول عام 2030، سيكون تسعة تقريبًا من كل 10 أفارقة يعانون من الفقر الشديد، وسيعيش نصف فقراء العالم في أوضاع هشة ومتضررة بسبب النزاع؛ مما يعني المزيد من الضحايا المحتملين.

«ليس فخًا.. بل مجرد عولمة ذات خصائص صينية»

وجد عدد من الأكاديميين الذين درسوا الممارسات الصينية بالتفصيل أدلة قليلة على وجود نمط يشير إلى أن البنوك الصينية، التي تعمل بأوامر الحكومة، تتعمد الإفراط في الإقراض أو تمويل مشروعات خاسرة لتأمين مزايا استراتيجية للصين. حتى في الدول الأفريقية الغارقة لآذانها في الديون الصينية، يتورط حشد من البنوك العالمية وحملة السندات غير الصينيين: مثل مصرف «كريدي سويس» السويسري في موزمبيق، وشركة «Glencore» الأنجلو سويسرية للتعدين في تشاد.

وفي دراسة عام 2019 حول جهود الصين في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، خلص «مركز سياسة التنمية العالمية» التابع لجامعة بوسطن إلى ما يلي: بعيدًا عن «الاستثناء الهام المحتمل لفنزويلا»، فإن التمويل الصيني لا يبدو أنه وحده هو الذي يدفع المقترضين إلى تجاوز عتبة القدرة على تحمل الديون التي يحددها «صندوق النقد الدولي». بمعنى آخر، صحيح أن الإقراض الصيني ضخم في معظم بلدان أفريقيا وأمريكا اللاتينية، لكن المخاوف من أن الحكومة الصينية تفترس عمدًا البلدان المحتاجة لا أساس لها من الصحة، حسبما تؤكد ديبورا براوتيجام، أستاذة الاقتصاد السياسي الدولي بجامعة جونز هوبكنز، في صحيفة «نيويورك تايمز».

حتى قروض ميناء هامبانتوتا لم تكن تشكل سوى حصة ضئيلة من إجمالي ديون سريلانكا. عندما جرى التفاوض على بيع الميناء في عام 2016، كانت سريلانكا مثقلة بدين خارجي يبلغ 46.5 مليار دولار، 10% منها فقط كانت مستحقة للصين، وفقًا لما ذكرته «مؤسسة التمويل الدولية»، عضو مجموعة «البنك الدولي». وهو ما أكده الاقتصاديان دوشني ويراكون وسيسرا جاياسوريا، بالقول: «مشكلة ديون سريلانكا ليست مُصَنَّعة في الصين».

ينطبق هذا أيضًا حتى على فنزويلا، أكبر متلقٍ للقروض الصينية، بنحو 67 مليار دولار منذ عام 2007، كانت الحكومة الصينية تتوقع سدادها على هيئة صادرات نفطية، لولا أن الأسعار العالمية انخفضت بحدة بين عامي 2014 و 2016. ومع انزلاق فنزويلا إلى الفوضى السياسية، انهار إنتاج النفط. خلال السنوات القليلة الماضية، لم تدفع الحكومة سوى فائدة قروضها الصينية. ويؤكد مات فيرتشن، من مركز «كارنيغي-تسينغهوا للسياسة العالمية»، أنه لا يوجد دليل على أن الصعوبات التي تواجهها فنزويلا، بما في ذلك تعثرها في السداد، قد خدم مصالح الصين الجيوستراتيجية.

لكن هناك مشكلات من نوع مختلف في نهج الصين للإقراض الخارجي، إذ غالبًا ما تبرم الصفقات دون أي مناقصات مفتوحة، مما يتيح ثغرات للمحسوبية والعمولات، ويضفي مصداقية على الاتهامات الموجهة للمشروعات التي تمولها الصين. أما الفكرة القائلة بأن الحكومة الصينية تضخ الديون بشكل استراتيجي، من أجل مصلحتها، فلا تدعمها الحقائق. وكما تقول براوتيجام: «قد يكون البعض فقراء، لكن هذا لا يجعلهم غير واعين أو يفتقرون إلى الذكاء. والقروض الصينية ليست فخًا، بل مجرد عولمة ذات خصائص صينية».

هل تلحق الصين بها؟ هكذا خسرت اليابان حربها التجارية أمام أمريكا في الثمانينيات

المصادر

تحميل المزيد