انتشرَ مقطع فيديو على نطاق واسع على منصة «فيسبوك»، يقولُ إن لقاح فيروس «كورونا» يحملُ «رقاقة تتبع» تُحقن في الأفراد الذين يتلقون اللقاح. يعرضُ الفيديو مجموعةً من التقارير الإخبارية والتصريحات من المليونير بيل جيتس وزوجته ميليندا، وتصريحات لِجاك ما، الملياردير الصيني مالك ومؤسس موقع «علي بابا»، وتم اقتطاع التصريحات وتركيبها ليبدو وكأنهم يؤكدون أن اللقاح يحتوي على رقاقات تُزرع في البشر.

فما حقيقة زرع لقاحات في أجسام البشر الذين يتلقُّون اللقاح؟ وهل من الممكن أصلًا زرعها؟ وإلى أين وصلت هذه التقنية حتى اليوم؟

لا شرائح تتبع في اللقاح

يعرضُ الفيديو أجزاءً من مقابلة مع جاي ووكر، الرئيس التنفيذي لشركة «Apiject» لتصنيع الحُقن المعبأة مسبقًا، والتي حصلت على قرض بقيمة 590 مليون دولار لإنتاج الحُقن لتعبئة لقاح فيروس «كورونا» فيها.

سُئل ووكر في هذه المقابلة عن كيفية عمل «شريحة RFID»، وهي شريحة تحدِّد هوية الجسم المزروعة فيه باستخدام تردد الراديو، ويمكنُ أن تُلحق الشريحة بالحقنة (لا تُعطى مع اللقاح نفسه).

وفي رده، قارن ووكر هذه التكنولوجيا بتكنولوجيا «Barcode»، وأكد أن هذه التكنولوجيا لا تحتوي على أي معلومات شخصية. ووضَّح أيضًا أن الشريحة «اختيارية بحتة، ومع ذلك، فإن حكومة الولايات المتحدة لم تقرر حتى ما إذا كانت ستستخدمها».

المقطع المُضلل عن حقن شرائح في أجسام المُتلقِّين للقاحات فيروس «كورونا»  

وأكَّد متحدثٌ باسم شركة «Apiject» لوكالة «رويترز» أن هذه الشريحة «الاختيارية» لن تُحقن في الشخص الذي يتلقى اللقاح، وهي مصممة لتبقى في الحقنة نفسها.

وأكَّد المُتحدث باسم الشركة أن التقنية اختياريَّة، ولا يُلزَم بها أحد حتى الآن. وأضاف أن الشريحة «لا يمكنها جمع أي معلومات شخصية» وأنَّها مصممة بهدفين؛ أولهما مساعدة المُعالِج في معرفة أن الحقنة واللقاح فيها لم تنتهِ صلاحيتهما، وثانيًا التأكُّد من أن الحقنة ليست مزيفة، باستخدام «رقمٍ تسلسلي» خاص بكل حقنة.

يستعرضُ الفيديو المُضلل جزءًا من خطاب لجاك ما، قال فيه إنَّه «لا يستطيع أحدٌ أن يكون خبير المستقبل، فكلنا يجب أن نتعلم، ويجب أن نتبنى المستقبل، وأن نغير من عقلياتنا لاحتضان هذه الثورة المُقبلة»، أما ميليندا، زوجة بيل جيتس، فتقول في المقطع: «لخلق العالم الذي نريده»، ويقول المقطع إن هذه الأحداث تجهيزٌ لهذه الخطوة الكبرى: حقنُ البشر جميعًا برقائق إلكترونية للتحكم فيهم.

وأكَّدت وكالة «رويترز» أن هذه اللقطات تضليلية، أُخرجت بشكل انتقائي، وأن ادِّعاء أنَّ بيل جيتس يخطط لإطلاق «غرسات جلدية دقيقة» لمكافحة فيروس كورونا ادعاء كاذب.

وفي نهاية التقرير، أكدت وكالة «رويترز» أن حُقَن اللقاح يمكن أن تحتوي على رقائق «RFID» الدقيقة، ولكن لن تُحقن في الشخص الذي يتلقى اللقاح، وبأسلوب ساخر، يشير كتاب آخرون إلى أنَّ الحكومات بإمكانها تعقب المواطنين باستخدام الشريحة أو من دونها، فقط بتتبع الهاتف المحمول أو بيانات منصات التواصل الاجتماعي، أو بالوصول لأنظمة المراقبة الأمنية في منازل المواطنين.

هل يُمكن حقن الإنسان برقاقات إلكترونية؟

ولكن هل يمكن حقن البشر برقاقات أصلًا؟ يُجيب تقرير لصحيفة «الجارديان» عن هذا السؤال، ويتحدث عن حقن البشر والحيوانات بالرقائق، موضحًا أن هذه الفكرة ممكنة تقنيًّا اليوم.

في عام 1998، جرب كيفن وارويك، أستاذ علم التحكم الآلي في جامعة «ريدينج» البريطانية، أن يزرع رقاقة في يده، وأثبت أن حقن البشر برقائق إلكترونية مُمكن، وكانت هذه تجربة لتأكيد فكرة أنَّ دمج التكنولوجيا بالجسم هي الخطوة التالية الكبرى في تاريخ الإنسانية والبشر.

وباستخدام الشرائح المزروعة في الجسم اليوم، يمكنُ استخدامها لإجراء اتصالات هاتفية، ولفتح باب المنزل أو إرسال أوامر للطابعة لتطبع الأوراق المطلوبة، وتغيير كلمات سر البطاقات البنكية، والحسابات الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي.

هانز سجوبلاد، فردٌ في مجموعة تنشط في استخدام الشرائح، زرعَ العديد منها في جسده وربطها بهاتفه، وأصبح قادرًا على أكسدة الدم داخل جسده، وتغيير درجة حرارته، وأنماط معدل ضربات القلب، وأنماط التنفس لديه، ويقول سجوبلاد عن ذلك:«بالنسبة للمهتمين بتحسين صحتهم، سيغيَّر هذا (التطوُّر التقني) الصَنعَة بالكامل»، ولكن لنتخيل أن يصبح البشر مرتبطين بتطبيقات على هواتفهم والمرتبطة بدورها برقائق في أجسادهم، ماذا سيحصل إن اختُرقت هذه التطبيقات؟ هذا يمكِّن المخترقين من اللعب في العمليات الحيوية في الجسم، أو حتى القتل عن بعد.

تطرحُ شركاتٌ أخرى استخدامات جديدة لهذه التقنية، منها شركة «Dangerous Things»، التي تبيع مصابيح «LED» متعددة الألوان لتضيء تحت الجلد.

هذا التقدم التقني يذكِّر بشخصية الـ«سايبورج»، وهي شخصية سينمائية وكرتونية، تمزج بين جسد عضوي طبيعي، ومكوِّنات بيو-ميكاترونية، تجعل الشخصية خارقة، ويوجد في عصرنا الحالي «أشخاص السايبورج»، في بريطانيا والولايات المتحدة، والدول الإسكندنافية، وهم الأشخاص المحقونون برقائق إلكترونية، حوَّلوا الخيال إلى حقيقة.

وتاليًا مقطع مصوَّر لسيدة سويدية تستخدمُ شريحة مزروعةً في يدها، بشكل مبسَّط، لدخول مكان عملها والنادي الرياضي ولشراء تذاكر المواصلات:

حركة «ما بعد الإنسانية» وتحقيق نبوءات الخيال العلمي

لم تعُد عملية الحقن بالرقائق الإلكترونية وعمليات تطوير أجساد البشر لتمتلك «حواسًّا جديدة» أمرًا مقتصرًا على حالات قليلة من البشر. ففي عام 1998 أسس الفيلسوف السويدي نيك بوستروم، ومعه ديفيد بيرس، مؤسسة «ما بعد الإنسانية» العالمية، وهدفها تطوير القدرات الإنسانية باستخدام التقنيات الحديثة.

ومن أهم وجوه هذا التيار مارك أوكونيل، مؤلف كتاب «لتصبح آلة»، الذي تحدَّث عن أهداف حركة «ما بعد الإنسانية»، التي تكمن في: «استخدام التكنولوجيا لتقوية أجسادنا وعقولنا كبشر»، و«الاندماج مع الآلات وإعادة تشكيل أنفسنا» وأجسامنا، لتصبح «على صورة أرقى».

Embed from Getty Images

حوَّلت حركة ما بعد الإنسانية ثقافة دمج أجسام البشر بالتقنيات الحديثة، «مثل الرقائق الإلكترونية المدمجة في أجسام البشر»، من ثقافة مقتصرة على مجموعة من الأشخاص والعلماء المهووسين بتطوير قدرات البشر، إلى حركة عالمية، تدعمها تبنَّتها استثماريًّا شركات برؤوس أموال ضخمة، تعملُ على تطوير ابتكارات في هذا المجال.

من تلك الشركات على سبيل المثال، شركة «Seismic» الأمريكية، التي تعمل على تصنيع ملابس تُرتدى تحت الملابس العادية، وتمنح لابسيها قوة جسدية إضافية وتزوِّدهم بالطاقة للقيام ببعض الأنشطة السريعة.

هذا ليس سوى البداية بالنسبة لمناصري الحركة، ففي المستقبل القريب قد يتمكن الرياضيون من أن يستبدلوا بسيقانهم الطبيعية سيقانًا مكوَّنة من ألياف الكربون، وهذا سيسمح لهم بالتفوق على الذين يركضون بأرجل طبيعية، بل يتوقع أن بعض العدَّائين سيبترون أعضاءهم الطبيعية، «دون سبب طبي»، فقط ليستبدلوا بها أخرى صناعية.

وبعدَ دمج الأطراف الاصطناعية بأجسامنا، سننتقل للصناعات الدوائية والمستحضرات الطبية، فمثلًا، تُظهر إحدى الدراسات نتائج فعَّالة لاستخدام رقاقة «البوليمر» الدقيقة داخلَ الجسم الحي، لعلاج سرطان الدماغ؛ إذ يوضع علاج كيميائيٌّ لسرطان الدماغ على الرقائق الدقيقة، ثم تُزرع في جسم الإنسان.

وبالعودة إلى كيفن وارويك الذي تحدثنا عنه سابقًا، وهو عضو في حركة «ما بعد الإنسانية»، يحكي وارويك عن تجربته في توصيل جهازه العصبي بكمبيوتر، ليتمكن من تحريك يد جهاز آلي، ويقول إنَّه فعل ذلك بينما كان في أمريكا واليد الآلية في معملٍ في بريطانيا، وتمَّت التجربة بزرع رقائق في جسمه تُمكنه من ربطِ جهازه العصبي وربطها بالكمبيوتر.

وتعملُ شركة «نيورالينك» الأمريكية على زرع رقائق في الدماغ للتحكم في الجسم، وأثارت إحدى تجاربها نقاشًا واسعًا عالميًّا حول الرقاقات واستعمالها. شاركَ في التجربة قردٌ وُضعت شرائح في دماغه، ويلعبُ لعبة «Mind Pong»، وعلى الرغم من أن القرد تدرب على تحريك عصا التحكم، فإنه يتحكم في المضرب الآن ببساطة عن طريق دماغه، بمجرد التفكير في تحريك يده لأعلى أو لأسفل.

مالك الشركة ومؤسسها هو إيلون ماسك، رجل الأعمال الأمريكي وأحد أغنى أثرياء العالم، الذي نشرَ مقطع التجربة وعقَّب عليه في تغريدة على «تويتر» قائلًا: «أول منتج لنيورالينك سيُمَكِّن الشخص المصاب بالشلل من استخدام هاتف ذكي بذهنه، أسرع من أي شخص يستخدم الإبهام».

وفي هذا السياق، تُبشِّر حركة ما بعد الإنسانية باليوم الذي سيتحرر فيه البشر من قيودهم الجسدية وسيندمجون بالآلة ويتحوَّلون لمخلوق جديد، أرقى وأقوى، وهو ما تعكسه سردية كتاب «هوموديوس»، الذي يُبشِّر بـ«الإنسان الإله»، ويعتقد بعض أنصار الحركة أن وصول البشرية لهذا الوضع سيكون بحلول عام 2030.

المصادر

تحميل المزيد