الصرصور تلك الحشرة الضئيلة التي يؤرقنا وجودها في منازلنا، ونسعى جاهدين للتخلُّص منها، قد يصبح في المستقبلِ القريب من المستحيل قتلها. هكذا أوضحت دراسة علمية حديثة نُشرت في يونيو (حزيران) الماضي؛ إذ عززت تلك الحشرات دفاعاتها من أجل أن تصبح أكثر مقاومةً للمبيدات الحشرية. كانت الدراسة تتناول بعض أنواع الصراصير الألمانية، عندما اكتشفت قابليتها للتطور بسرعةٍ فائقة؛ مما أدى إلى حدوث طفرة جينية في أجساد تلك الحشرات الضئيلة أكسبتها مناعة ضد الكثير من المبيدات الحشرية المستخدمة على نطاقٍ واسع في العالم، إضافةً إلى بعض المواد الكيميائية التي لم تتعرض لها من قبل.

لم يكن هذا الخبر هو الوحيد المثير للاهتمام بشأن «الصرصور»؛ إذ اكتشف العلماء أن تلك الحشرة الموجودة تقريبًا في كل مكانٍ بالعالم يرجع وجودها وتطورها إلى ما قبل نشأة القارّات السبع، فما الذي لا نعرفه عنها أيضًا؟

«الصراصير».. قد تسيطر على العالم

تشير الدراسة إلى أن تلك الحشرة التي يدعسها أغلب الناس بأحذيتهم، تقترب يومًا بعد يوم من السيطرة على العالم؛ إذ اكتشف العلماء قابليتها للتطور بسرعةٍ مذهلة. عن ذلك يقول مايكل سكارف، أحد الباحثين: إنه لم ير شيئًا شبيهًا يحدث بهذه السرعة؛ إذ طوّرت «الصراصير» دفاعاتها في غضون جيلٍ واحد لثلاثة أنواع من المواد السامة، بالنسبة للحشرات، كان منها حمض البوريك، وقد فشل الباحثون في تقليل عدد الحشرات في الأحياء السكنية، موضوع البحث، والذي تناول عدّة مساكن تنتشر فيها الصراصير بصورةٍ كبيرة. وكانت الصدمة هي ازدياد أعداد الحشرات بنسبة 10%، وقد كون الجيل الجديد مناعة تقيه من المواد السامة التي تعرض لها آباؤه.

في النهاية كشفت الاختبارات المعملية أن نسبة كبيرة من «الصراصير» وذريتها قد أصبحت محصنة ضد العديد من أنواع المبيدات الحشرية. الجدير بالذكر أن تلك الحشرة يمكنها تكوين 50 ذرية خلال دورة تكاثر مدتها ثلاثة أشهر، ولذلك لا يحتاج الصرصور سوى جزء صغير من ذريته لتطوير دفاعاته من أجل ضمان البقاء على قيد الحياة، وتكوين ذرية جديدة.

(تقرير Science Insider عن الدراسة الأخيرة)

في نهاية الدراسة يشير الباحثون إلى أنه حتى وإن تكونت لدى تلك الحشرة مقاومة للمبيدات الحشرية، فإنها لم تتكوّن لديها مقاومة بعد تجاه الدعس بالأقدام، وأن علينا أن نكون حذرين بشأن استخدام المبيدات الحشرية؛ حتى لا نساعد في تطوّر الأجيال الجديدة من الصرصور؛ مما قد يجعل السيطرة على تلك الحشرة مستحيلًا.

«الصراصير» كانت تحيا هنا قبل 300 مليون سنة

هل تساءلت يومًا عن أصل «الصرصور» الذي يؤرقك وجوده بالمنزل؟ كم عمره ومن أين أتى؟ في الحقيقة قد تصدمك الإجابة، عندما تعرف أن وجوده يسبق وجود الإنسان على الأرض، بل وجود كثير من المخلوقات الأخرى. وأن تلك الحشرة الضئيلة التي تستهتر بها، وتستطيع إنهاء حياتها تحت قدميك، قد نجت من كل ما تعرضت له الأرض من أهوال، بما في ذلك تكوُّن القارّات السبع، والعديد من الانقراضات. أما ما قد يدهشك حقًّا فهو نجاتها مما لم تنجُ منه الديناصورات: ارتطام النيزك بكوكب الأرض. فكيف لكائنٍ هشٍّ وضئيل أن يتغلّب على العمالقة؟

Embed from Getty Images
لتعرف قصة «الصرصور» كاملةً، يجب أن تعود بالزمن 300 مليون سنة للوراء، عندما كانت الأرض عبارة عن قارّة واحدة عظمى. كتلة كبيرة أطلقوا عليها شبه جزيرة «بانجيا»، حيث عاش أسلاف تلك الحشرة القدامى، نوعًا واحدًا وعائلة واحدة. وفي أثناء الانفصال القاريّ الأول، الذي بدأ منذ حوالي 200 مليون سنة، تطورت الأنواع الأولى من «الصراصير»، وكونت عائلات، انحدرت منها كل البقايا التي وصلت إلينا اليوم في شكلها الحالي.

يشير العلماء إلى أن الانهيار القارّي، ونشأة القارات السبع، كان له أثر مباشر ومهم على ذرية الصراصير. وهو ما يشير إلى أن أسلافها قد كوّنت هي الأخرى دفاعاتٍ خاصّة بها، من أجل البقاء على قيد الحياة في بيئاتٍ مختلفة، تلك الدفاعات قد مكّنتها من النجاة مما تعرّضت له الأرض حينها من تغيُّرات. وكانت النتيجة حدوث تنوع في أجناس الصراصير التي عاشت في كل بقعة من بقاع الأرض. نتج عنه 119 نوعًا من الصراصير، مقارنةً بـ13 نوعًا لعائلات النمل الأبيض، على سبيل المثال.

مليار نازح بحلول عام 2050.. هل نشهد الآن حقبة موت الحضارة الحديثة؟

تخيّل مئات الآلاف من الصراصير منتشرة على كتلة الأرض الصلبة التي عرفت باسم «بانجيا»، وذلك أثناء حادثة الانجراف القاري، والتي انفصلت فيها الأرض إلى قاراتٍ أصغر. كائنات ضئيلة جدًّا بلا قدرة على الطيران بعيدًا، كيف يمكنها أن تنجو من حدثٍ كهذا؟ يجيب العلماء بأن الانفصال قد أدى إلى ابتعاد عائلات الصراصير بعضها عن بعض، وعن سلفها المشترك. إذ انتقلت كل مجموعة مع التيار، مرتبطة بقطعة الأرض التي تسكنها، وانتهى بها المطاف بعيدة كل البعد مكونة أسلافًا جددًا لما يعرف بـ«الصراصير الحديثة»، والتي تنتشر حفرياتها منذ حوالي 140 مليون سنة، وهو العصر الطباشيري.

يمكنك مقارنة التاريخ الجيني للصراصير مع التاريخ الجيولوجي لكوكب الأرض؛ إذ حدد الانجراف القاري التوزيعات العالمية للصراصير، وهو ما يتفق مع السجل الأحفوري.

أكبر من الديناصورات.. أصغر من عقلة الأصبع

يبدو أن غريزة البقاء التي تحدّث عنها داروين قد وجدت بقوّة في «الصراصير». يفسر داروين فلسفة هربرت سبنسر: «البقاء للأصلح»، واصفًا إياها بـ«عملية الانتقاء الطبيعي». والتي تشير إلى أن الطبيعة تختار الأكثر قدرة على البقاء فيها ومواجهة تحدياتها. في المستقبل قد تصبح تلك الحشرة هي الكائن الوحيد الأكثر ملائمةً للطبيعة، والقادر على البقاء، حتى بعد أن نفنى.

في عام 2001 اكتشف الجيولوجيون في جامعة ولاية أوهايو، أقدم حفرية كاملة على الإطلاق لواحدة من أسلاف الصراصير، عاشت قبل الديناصورات بحوالي 55 مليون سنة. عن ذلك يقول الباحث كاري ايسترداي: إن الصراصير قد عاشت قبل حوالي 300 مليون سنة، وذلك خلال الفترة التي أسماها علماء الجيولوجيا «الكاربونيريوس»، ويضيف: «في ذلك الوقت، كانت أوهايو عبارة عن مستنقعٍ عملاق».

Embed from Getty Images
يشير إيسترداي إلى أن فرص العثور على حفريات قديمة بهذه الدقة تكاد تكون منعدمة، إلا أن هذا الموقع بالتحديد الذي عثروا فيه على الحفرية كان غير عادي وخاليًا من العظام. وقد كانت الحفرية محتفظة بكل تفاصيلها. «صرصور يبلغ طوله 3.5 بوصة، تظهر فيه تفاصيل الأوردة والمطبّات الرقيقة التي تغطي أجنحة الحشرة، ذو أرجل مطوية حول جسده، وأجزاء من الفم واضحة تمامًا». فهل اختلفت أحجام أسلاف «الصراصير» عن الأجناس الحديثة؟

عندما قارن إيسترداي الصراصير الأحفورية التي عُثر عليها سابقًا في منجم «7-11» بولاية أوهايو عام 1979، وجدها تشبه تلك التي تعيش الآن في المناطق الاستوائية، وعلى الرغم من ذلك كان حجم الصرصور الأحفوري ضعف حجم الصراصير الأمريكية العادية. على الرغم من ذلك فإن نظرية الانتقاء الطبيعي لا تشير إلى قوة الكائن ولا ضخامته، لكن تعني قدراته اللامحدودة على النجاة، والصراصير قد تكون بحجمِ عقلة أصبع، إلا أنها أكبر من الديناصورات عمرًا. وقد نجت مما لم تنج منه الديناصورات.

يفنى البشر وتبقى «الصراصير»..

هناك مثلٌ قائل: «الصراصير قد وجدت على الأرض قبل الإنسان، ومن المرجح أن توجد بعده، عندما يفني البشر بعضهم بعضًا بالقنابل النووية».

في الحقيقة قائل هذا المثل مجهول، إلا أنها من أساطير ستينيات القرن الماضي التي أثبت العلم صحتها. فمع التغيُّر المناخي الحالي، وارتفاع درجات الحرارة، وذوبان الجليد، وما قد ينتج عن ذلك من ارتفاع مستوى سطح البحر. ووجود تكهناتٍ بأن الأرض تواجه الآن «الانقراض السادس»، في عمرها الجيولوجي. قد يكون من المرجح أن احتمالية نجاة «الصرصور» في حدثٍ كهذا تفوق احتمالية نجاة البشر.

في كتابه «أوراق صرصور: خلاصة التاريخ والعلم»، يشير الصحافي ريتشارد شويد إلى أنه وإبان الحرب العالمية الثانية، وعقب الانفجارات التي وقعت في هيروشيما وناجازاكي، انهارت أجساد البشر من الإشعاع النووي، ونجت الصراصير. وهو ما دفع البعض إلى الاعتقاد بأن الصراصير سترث الأرض وما عليها بعد الحرب النووية.

وفي مقالٍ نشر بـ«النيويورك تايمز» عام 1968، كتب روبرت سكوت: «إذا حدثت حرب نووية، الفوز لن يكون من نصيب الأمريكان ولا الروس ولا الصينيين، الفائز الوحيد للحرب العالمية الثالثة ستكون الصراصير». في ذلك الوقت، كانت أسطورة الصراصير قد بدأت في الانتشار؛ إذ أشار كثيرون إلى أن قدرة «الصرصور» الذي تدعسه بقدميك على البقاء، تفوق قدرة البشر. وأن تلك الكائنات التي ننظر إليها بتدنّ كمرتبةٍ أقل في السلم البيولوجي للكائنات الحية؛ هي من سيرث الأرض.

(فيديو توضيحي عن أسباب بقاء الصراصير حتى بعد فناء البشرية)

فأجساد الصراصير على سبيل المثال أكثر مقاومةً للإشعاع النووي مقارنةً بأجساد البشر، أو الحيوانات الأخرى. تلك الكائنات البسيطة جينيًّا، والتي تنقسم خلاياها ببطءٍ مقارنةً بالجسد البشري المعقد، في حالة وجود إشعاع نووي، تمنحها تركيبتها البسيطة الفرصة لإصلاح خلاياها من آثار الإشعاع قبل الانقسام، وبالتالي، تستطيع تفادي ما فشل البشر في تفاديه. وفي الوقت الذي يمكن لنسبة إشعاع ألف وحدة أن تميت كائنًا بشريًّا، يستطيع الصرصور النجاة بـ10 أضعاف هذه النسبة.

من ناحيةٍ أخرى كيّفت «الصراصير» أجسادها على النجاة خلال الأوقات الصعبة؛ إذ تستطيع العيش على المواد العضوية الميّتة والمتحلِّلة، كما يمكن للصرصور أن يعيش دون رأسه شهرًا كاملًا. وهي ظروف لا يستطيع الكائن البشري النجاة خلالها. إضافةً إلى ذلك تستطيع تلك الآفات تغيير كيميائها الحيوية بسرعة، وهو ما يعني قدرة هائلة على التكيف.

لم تكن تلك الأسباب وحدها ما جعل حشرة الصرصور أكثر قابلية للبقاء على قيد الحياة من الإنسان؛ إذ تختلف عملية التكاثر أيضًا عن غيرها من الكائنات؛ فيمكن للإناث أن ينجبن دون ذكور ما يصل إلى 40 و60 ذرية حية؛ مما يؤهل أنثى الصراصير لأن تحكم العالم. أضف إلى ذلك نظام التنفُّس الفعال الذي يختلف كليةً عن غيرها؛ فأجهزة التنفس لدى الصراصير تطورت عبر الزمن لتقيها من فترات الجفاف ونقص المياه، خلال ذلك استطاعت الصراصير أن تتحكم في دورة تنفُّسها، وتتوقَّف عن التنفس كليةً لمدة تصل إلى سبع دقائق كاملة.

قد يملك البشر من الذكاء والحيلة ما يمكنهم من التطوّر والتكيّف مع التغيرات التي طرأت على كوكب الأرض منذ نشأة البشرية وحتى الآن، إلا أن الصرصور يملك ما هو أكبر، القِدم. مئات الملايين من السنين في تطور مستمر وسريع، ولذلك يجب علينا أن نأخذ حذرنا منها.

الفيروسات المنقرضة قد تعود لتهاجمنا.. ماذا سيحدث لنا بعد ذوبان جليد القطب الشمالي؟

المصادر