شهد حزب العدالة والتنمية المغربي، ذو المرجعية الإسلامية، استقالات لعدد من أبرز قادته خلال الأسابيع الماضية، وسط انقسامات داخلية يعيشها الحزب الذي يرأس الحكومة المغربية حول عدد من القضايا أبرزها توقيع سعد الدين عثماني، رئيس الحكومة المغربية والأمين العام لحزب على اتفاقية التطبيع، في تناقض مع أهداف حزبه ومبادئه التاريخية، ومن أبرزها أيضًا تبنّي حكومة العدالة والتنمية لمشروع قانون حول الاستعمالات المشروعة للقنب الهندي.

انعكاسات توقيع العثماني على اتفاقية التطبيع وتبني مشروع القنب الهندي على الحزب، المحسوب على التيار الإسلامي، امتدت لانقسام بين مؤسسات الداخلية وقادته التاريخيين؛ ما أحدث رجّة داخلية كبيرة قد تُفقده توازنه مستقبليًا، خصوصًا مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية والمحلية.

يحاول التقرير التالي التعرف على أبعاد هذه الاستقالات والانقسامات القائمة بين قادة الحزب، ومآلات هذه الأحداث على توجهات الحزب ومرجعيته التي باتت تُشكل أزمة عند قطاع من أعضائه في القدرة على التكيف بين شعارات ومرجعية الحزب وسياسته كحزب حاكم.

شيوخ وشباب.. ماذا يحدث داخل حزب العدالة والتنمية المغربي ؟

على مدار الأسبوعيين الماضيين، طرقت الاستقالات أبواب حزب العدالة والتنمية المغربي، ليبدو التنظيم العصي على الانقسام، والمتباهي دومًا باستقراره، وتماسك هيكله التنظيمي، وتوحد أعضائه حول أهدافه الكبرى، في اختبار لكشف درجة هذا التماسك أمام التغيرات الكبرى التي عصفت به على مستوى أفكاره، وقادته.

كانت أولى هذه الاختبارات لتماسك الحزب هو توقيع رئيس الحكومة، والأمين العام للحزب سعد الدين العثماني، على اتفاقية التطبيع مع إسرائيل في 22 من ديسمبر (كانون الأول) 2020، الذى أحدث انقسامًا كبيرًا خرج للعلن بتقديم عبد العزيز العماري، استقالته من الأمانة العامة للحزب، وهو أيضًا عمدة مدينة الدار البيضاء، فيما قرر النائب المقرئ الإدريسي أبو زيد، تجميد عضويته في الحزب، وهو عضو سابق في الأمانة العامة للحزب للسبب ذاته.

مرت أسابيع على هذه الاستقالات، حتى عادت من جديد الأسبوع الماضي، بإعلان إدريس الأزمي استقالته من الأمانة العامة للحزب ومن رئاسة المجلس الوطني للحزب (أعلى هيئة تقريرية في الحزب بعد المؤتمر)، ومصطفى الرميد، وزير الدولة المكلف حقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان، من العضوية في الحكومة.

وجاء في رسالة استقالة الأزمي انتقادات لتوجهات الحزب الاخيرة معلنًا خلالها أنه لم يعد يتحمل ولا يستوعب «ما يجري داخل الحزب.. ولا أقدر أن أغيره، وعليه لا يمكنني أن أسايره من هذا الموقع، أو أكون شاهدًا عليه».

الأزمة الثانية التي طرقت باب الحزب هي مشروع قانون حول الاستعمالات المشروعة للقنب الهندي، والتي تصدر لها عدد من قادة الحزب ممن رفضوا المقترح لأسباب دينية، وتخوفهم من أن «تنفلت الأمور» بتجاوز استخدامات النبتة إلى شرعنة للمخدرات».

على رأس هؤلاء المعارضين كان عبدالإله بنكيران، الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية الحاكم، رئيس الحكومة السابق، الذي هدد بالانسحاب من الحزب «بشكل نهائي» إذ صادق نواب الحزب على مشروع قانون حول الاستعمالات المشروعة للقنب الهندي.

وقال في بيان مكتوب إنه بصفته عضوًا في المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، «وإذا وافقت الأمانة العامة للحزب على تبني القانون المتعلق بالقنب الهندي (الكيف)، المعروض على الحكومة للمصادقة عليه، فإنني أجمد عضويتي في الحزب».

غير أن الاستقالات لم تكن هي العامل الوحيد الكاشف للانقسام داخل الحزب، بعدما خرجت الخلافات بين قادته وهيئاته الداخلية والقطاع الشبابي داخل الحزب من الغرف المغلقة إلى العلن، والتي ظهرت في رفع شباب من الحزب لعدد من المطالب أبرزها عقد مؤتمر استثنائي لمحاسبة القيادة الحالية للحزب من خلال إطلاق مبادرة سموها «مبادرة النقد والتقييم». كما شملت هذه الخلافات محاولة بعض القيادات المحسوبة على جناح بن كيران انتقاد الأعضاء المحسوبين على رئيس الحكومة الحالية سعد الدين العثماني.

شهادة لـ«ساسة بوست» من داخل جدران الحزب عما يحدث

م.ع أحد القادة الشباب داخل حزب العدالة والتنمية المغربي، واحد من الآلاف الذين انجذبوا للحزب في بداية صباه، بخطابه عن القضية الفلسطينية والموقف من الاحتلال الأمريكي للعراق، لينضم للحزب وهو في عُمر 14 عامًا، وترقي سريعًا داخل هيكل التنظيم السياسي حتى أصبح من أبرز كوادره الشابة المنخرطة في العمل الطلابي خلال سنوات الجامعة، والعمل السياسي لاحقًا.

أثارت المواقف الأخيرة للحزب انطباعات وتقييمات عند الشاب حول الحزب والسياسة، والكيفية التي استقبل بها القرارات الأخيرة لقادته، والتي سجلها في شهادة خاصة لـ«ساسة بوست»، شريطة عدم الكشف عن هويته لأسباب تتصل بكونه شخص غير مسؤول عن التحدث لوسائل الإعلام.

في بداية الحديث يرى العضو الشاب ذو اللحية الخفيفة أن تجاوز الأزمة يتطلب بالضرورة تجديد على مستوى القيادة وتغيير طريقة الإدارة، لكن ليس في العام الجاري المقرر خلاله عقد الانتخابات، مؤكدًا أن شباب الحزب ليسوا على وفاق مع القيادة الحالية ومع منهجية تدبيرها للمرحلة.

وأكد الشاب الذي يشغل منصبًا قياديًا داخل الحزب أنه ليس هناك اتفاق على منهجية تدبير العثماني وشخصيته التي تعتبر أضعف من شخصية سلفه عبد الإله بن كيران من وجهة نظره، لكن ليس هناك خلاف حول أن العثماني شخص نزيه ووفي لمبادئ الحزب قدر استطاعته.

«كيف تقبل بهذه الازدواجية بين مبادئ الحزب وسياسته التي ناقضت مرجعيته وتحديدًا تجاه قضية التطبيع؟»، يجيب عن ذلك قائلًا: «كمناضل وطني وعروبي بمرجعية إسلامية لا أقبل مبررات الحزب، لكنني أتفهم أن نطاق اشتغال الحزب ضيق، والمشاركة في ظل نظام سياسي بالشروط الحالية أفضل من أن نكون على هامش الفعل السياسي، أو أن نكون في صدام مع النظام اتساقًا مع المثل الشعبي قطران بلدي أفضل من عسل البلدان الأخرى».

ويبرأ العضو الشاب قادة حزبه من اتفاقية التطبيع كون صنع القرار في السياسة الخارجية اختصاص«حصري» للملك محمد السادس بموجب الدستور؛ ويشرح ذلك قائلًا: «ليس لسعد الدين العثماني مجال لقبول أو رفض اتفاق التطبيع، فحينما يقرر الملك ما يدخل ضمن اختصاصاته على الآخرين إما أن ينفذوا أو ينصرفوا عن خدمته وخدمة البلد. في هذه الحالة اختار العثماني أن ينفذ ما أُمر به على مضض عوض أن يستقيل». ما يعيب فقط العثماني، من وجهة نظر العضو الشاب، هو مشاركته في مراسم التوقيع التي كانت خياراته بشأنها «محدودة جدًا».

«سلطة المللك» و«النخبة القيادية».. أوراق تماسك الحزب أمام الانشقاقات

يتبني العدالة والتنمية إستراتيجية دفاعية عن سياسات الحزب وقرارات الحكومة التي يرأسها سعد الدين العثماني أمام الانتقادات التي تطاله وانشقاقات عدد من أعضائه، وهي الإستراتيجية التي يعززها تمسك قادة الحزب المؤسسين بعضويتهم داخل الحزب السياسي ما يقلل من أثر الأزمات الداخلية.

وتتركز هذه الإستراتيجية الدفاعية على التزام الحزب «بسلطة الملك» الذي يقع في موقع «ولي الأمر» بما يستوجب طاعته، خصوصًا أن اتفاقية التطبيع تنحصر ضمن سياسة الملك الخارجية، ولا تقع ضمن اختصاصات سعد الدين العثماني، ممثل الحزب على رأس الحكومة.

ويشرح عضو آخر في اللجنة السياسية بحزب العدالة والتنمية هذه الإستراتيجية متحدثًا لـ«ساسة بوست» أن «حزب العدالة والتنمية له إيمان عميق بمركزية المؤسسة الملكية وضرورة استمرارها، في المقابل، فإن هذه المؤسسة لها التزام عن قناعة بضرورة عدم استخدام العنف من أجل تحجيم التيارات السياسية، وأن الحفاظ على الحد الأدنى من الممارسة الديمقراطية مهم جدًا من أجل تماسك المجتمع واستمرار الدولة واستقرارها».

«تُقلق» الاستقالات الأخيرة عضو الحزب؛ لأن وزن القيادات المستقيلة «ثقيل» ولأن ذلك سينعكس سلب،ا على التماسك الداخلي للحزب الذي قد يأخذ وقتًا طويلًا لاسترجاعه، بحسبه. غير أنه يستدرك قائلًا: «حزب العدالة والتنمية من صنف الأحزاب الوطنية التي تضعف لكنها لا تنتهي إلى الزوال أو التفكك أو الانقسام، لأن للحزب كتلة شعبية شبه ثابتة لا تؤثر المتغيرات والأزمات في ولائها السياسي له، وثالث،ا لأن الحزب يتصف بالمرونة، وله من التجربة ما يؤهله دائمًا لامتصاص الأزمات واستئناف دورة جديدة من حياته السياسية».

من جانبه، يقول مصطفى بوكرن، الباحث المغربي المتخصص في الحركات الإسلامية، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» أنه لطالما لم نشهد استقالات من النخبة القيادية من الحزب، وهم المجموعة القادمة من «حركة التوحيد والإصلاح الإسلامية»، فإن الحزب قادر على تجاوز أي أزمات داخلية يمر بها، موضحًا أنه إذا استقال بنكيران، وهو أحد القادة المؤسسين، على سبيل المثال، فإن الحزب سيعرض للاهتزاز الكبير وربما الانهيار فعلًا.

وحركة التوحيد والإصلاح هي الحركة الدعوية الإسلامية المغربية، التي تأسست في أواسط السبعينات، وهي التي خرج منها عدد من قادتها لممارسة السياسة والمشاركة في الحكم عبر تأسيس حزب العدالة والتنمية كذراع سياسية للحركة الدعوية، والذي يُشار لهم باعتبارهم «القادة المؤسسين» للحزب.

ويستبعد بوكرون استقالة أي من القادة المؤسسين للحزب وعلى رأسهم بنكيران الذي هدد بالانسحاب من الحزب حال تمرير مشروع القنب الهندي، قائلًا إن «بنكيران لا ينقصه الذكاء لكي يفعل ذلك، فالسلطة لازلت في حاجة إلى هذا الحزب»، بينما يعتبر استقالات الأعضاء الآخرين من الحزب «لا تؤثر نهائيًا» على بنية الحزب وتماسكه كما تكرر خلال السنوات الماضية دون تأثير حقيقي على بنية الحزب.

وكان الحزب قد شهد استقالات مماثلة على مر السنوات الماضية أبرزها كانت استقالة محمد الخليدي، أحد قادة الحزب مع عدد من الأعضاء، خلال رئاسة عبدالكريم الخطيب للحزب، عام 2006، لخلافات تتعلق برفض الخليدي ومجموعته سياسة الحزب التي تخالف مرجعيته الإسلامية في بعض الأمور من وجهة نظرهم، وأسس هو ومجموعته حزبًا جديدًا باسم «حزب النهضة».

وأضاف بوكرن، الذي يعمل في مركز دكتوراه المذهب المالكي والقضايا المعاصرة بكلية الشريعة أكادير، أن الحزب لا يمكن أن يتخلى عن المرجعية الدينية، لكنه يؤولها وفق معاركه السياسية التي يخوضها. ويشرح آلية تعامل الحزب معها قائلًا: «إنها تحضر تارة وتغيب تارة أخرى، حتى أننا يمكننا القول إن حزب العدالة والتنمية ليس حزبًا إسلاميًا، بل هو حزب كبقية الأحزاب المغربية، التي تردد قائلة: ما العيب أن نكون حزب الملك؟».

وحول آلية الحزب للتكيف بين مرجعيته الإسلامية وسياسته، خصوصًا في قضية التطبيع، أجاب بوكرون، قائلًا إن لثوابت هذه «القيادة المؤسسة» لهذا الحزب، والقادمة من الحركة الإسلامية، سنجد ثابتين أساسيين: الإسلام، والملكية. وإذا تعارض الرأي الفقهي والملكية في الممارسة السياسة، يتم ترجيح الملكية. وهذا الترجيح يؤول تأويلًا دينيًا، باعتبار الملك ولي الأمر، وينبغي أن يطاع في السراء والضراء، بشرط أن يكون الأمر صادرًا من الملك، لا من جهة أخرى.

ويؤكد الباحث المغربي أن الحزب بهذا الطرح ينسجم مع نفسه حين وقع العثماني على عودة التطبيع مع إسرائيل، وإن كان هذا يتناقض مع مبادئ الحزب، الذي كان يعتبر القضية الفلسطينية قضية «إيمان وعقيدة» ، لكن الملك هو من أمر العثماني، ولا يجوز للعثماني أن يخالف رئيسه، فبنكيران يعتبر رئيس الدولة ولي الأمر.

وعكس هذا التوجه حديث وزير الطاقة والمعادن المغربي، عزيز رباح، المنتمي لحزب العدالة والتنمية، الذي سُئل خلال برنامج «حديث مع الصحافة» في القناة التلفزيونية الثانية المغربية: «إذا اقتضت مسؤوليتك في الحكومة أن تزور إسرائيل، هل ستفعل أم لا؟»، فردّ قائلًا: «أنا أمثل الدولة المغربية، وسيكون واجبًا عليّ أن أتحمل المسؤولية»، مضيفًا: «في هذه الحالة سيكون من واجبي القيام بالزيارة»؛ لأن ذلك سيكون «في إطار مصلحة البلد». وزاد قائلًا: «أنا عبد العزيز رباح، كشخص، ليس لدي ما أفعله في إسرائيل، لكن كوزير، إذا تطلب الأمر أن أزورها، سأفعل».

يتقاطع مع الطرح السابق، اسماعيل حمودة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد بن عبدالله المغربية، الذي يستبعد تأثير كبير للاستقالات على بنية الحزب السياسية، مؤكدًا أن الحزب يعيش منذ إبعاد أمينه العام السابق بنكيران نقاشًا وتباينًا في الآراء، ويؤكد حمودة أن مرجعية الحزب الإسلامية لن تشكل أي عائق في ممارسته للسياسية لقدرته على التكيف دومًا، فضلًا عن كون النظام السياسي في المغرب له مرجعية دينية، وكل الأحزاب تعتبر الاسلام مرجع لها.

ويبرز عامل آخر يعزز من فرضية تماسك الحزب تنظيميًا أمام الاختلافات في الرؤي داخله والاستقالات الأخيرة، وهو موقف تحالف الأغلبية والمعارضة المناهض لحزب العدالة والتنمية في إطار محاولة منه لعزله و«حشره في الزواية» والإطاحة به من السلطة، بحسب، عبد القادر لشقر، باحث متخصص في القانون العام وعلم السياسة بجامعة فاس المغربية، الذي يؤكد أن ذلك سيفرض على الحزب، وسيدفع قادته إلى التماسك، وتوحيد جبهته الداخلية لتجاوز تحديات المرحلة.

وحول أثر الاستقالات الأخيرة، أجاب لشقر في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» قائلًا: «نعم قد تكون استقالات هنا وهناك . وقد يخسر الحزب المرتبة الأولى وبالتالي رئاسة الحكومة، ولكن في المحصلة النهائية سيبقى مشروع العدالة والتنمية قائمًا».

وجه آخر للانقسامات: صراع الأجنحة بين بنكيران والعثماني

 تعكس الانقسامات القائمة داخل حزب العدالة والتنمية المغربي صورة أعمق للخلافات بين جناحي الحزب اللذين يمثلهما بالترتيب عبد الإله بنكيران، الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية الحاكم، رئيس الحكومة السابق، وسعد الدين العثماني، رئيس الحكومة الحالي، والأمين الحالي للحزب.

وسعى بنكيران، أحد القادة المؤسسين للحزب، عبر سنوات حكم العثماني، لإثارة عدد من القضايا الدينية في بعض معاركه السياسية، وبحسب إسماعيل حمودة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد بن عبدالله المغربية، فإن تهديد بنكيرات بالاستقالة أمر متكرر بعد إعفائه من منصبه، ولا يؤخذ بجدية.

وأضاف حمودة أن الخلافات داخل الحزب تتكرر كلما تعرض للضغوط من البيئة السياسية المحيطة به، موضحًا أن الانقسامات ناشئة عن ظرفيات سياسية، وليست نابعة من داخل الحزب، لهذا فهو يحرص على الخروج منها دائما بأقل الخسائر.

سياسة

منذ 3 سنوات
دراسة لـ«كارنيغي»: كشف حساب لفترة حكم الإسلاميين في المغرب

المصادر

تحميل المزيد