التقى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، برئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يوم الاثنين الماضي الذي وافق 18 من سبتمبر (أيلول) 2017، في نيويورك في أول محادثات علنية بينهما، وذلك من أجل بحث عملية السلام في الشرق الأوسط، بحسب ما قاله مكتب الرئاسة المصرية.

وتابع بيان الرئاسة المصرية أن السيسي أكد على الأهمية التي توليها مصر لمساعي استئناف المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي من أجل التوصل إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية. وأضاف البيان أن السيسي شدَّد على أهمية التوصل إلى تسوية نهائية وعادلة للقضية الفلسطينية من أجل توفير واقع جديد في الشرق الأوسط تنعم فيه جميع شعوب المنطقة بالاستقرار والأمن والتنمية. وتم خلال اللقاء بحث سبل استئناف عملية السلام المتوقفة منذ عام 2014، وإقامة دولة فلسطينية وتوفير الضمانات اللازمة لنجاح عملية التسوية بين الجانبين.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد قام بزيارة إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة في مايو (أيار) الماضي؛ حيث أعلن خلال لقائه نتنياهو في نيويورك، الاثنين، أن اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين أمر ممكن، مؤكدًا أن إدارته ستبذل ما في وسعها للتوصل إليه رغم فشل كل المحاولات السابقة.

(لقاء السيسي ونتنياهو)

65 عامًا كاملة من حكم الجيش لمصر بعد سقوط الملكية المصرية عن طريق حركة الضباط الأحرار التي تزعمها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، كانت كافية لتكوين ثلاث مراحل رئيسية في تاريخ مصر الحديث؛ يمكن تصنيفهم بثلاث جمهوريات مختلفة. وبالرغم من وجود العسكريين دائمًا في سدة حكم مصر على مدار كل هذه السنوات، باستثناء عام واحد حكم فيه البلاد الرئيس المعزول محمد مرسي، عضو جماعة الإخوان المسلمين، غير أن الوضع في هذا العام فيما يخص الدور الإقليمي، والعلاقات بين مصر وإسرائيل، لم تختلف كثيرًا عن سابقتها.

لقاء الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يأتي في ظل تقارب غير مسبوق بين مصر وإسرائيل؛ حتى أنه يفوق ما كان عليه الوضع حينما عقد الرئيس المصري الراحل، محمد أنور السادات، معاهدة السلام الأشهر بين مصر وإسرائيل في كامب ديفيد. وتأتي الزيارة أيضًا في ظل تراجع شديد في الدور الإقليمي المصري، والخضوع لعدد من الدول والقوى المختلفة؛ كالمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وروسيا حينًا، والولايات المتحدة الأمريكية حينًا آخر. فهل يؤسس السيسي لجمهورية مصرية ثالثة؟ بدايةً.. ماذا عن الجمهوريتين الأوليين؟ يمكننا أن نضع معايير لما نقصد بمفهوم جمهورية على أساس: العلاقة مع إسرائيل، والدور القومي والدولي لمصر، والعلاقات مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج فيما يتعلق باستقلالية القرار المصري.

الجمهورية الأولى: جمال عبد الناصر.. العدو المُرّ لإسرائيل

حاولنا جديًا عقد سلامٍ مع عبد الناصر؛ عرضنا عليه أربع مرَّاتٍ أو خمسة بطرقٍ مختلفة؛ فلم يكن ثمة ما يدعونا لحربٍ مع مصر، لكنه رفض طول الوقت.

هكذا قال الرئيس الإسرائيلي السابق، شمعون بيريز، والذي تولى عدة مناصب قيادية في إسرائيل منذ حرب فلسطين عام 1948؛ حيث شغل منصب رئيس الوزراء الإسرائيلي بين عامي 1984 و 1986، ومنصب وزير الخارجية بين عامي 1992 و 1995، ومنصب وزير الدفاع بين عامي 1988 و 1990، ومنصب وزير الاتصالات بين عامي 1970 و 1974؛ أي أنه كان أحد القائمين على الحكم في إسرائيل لسنواتٍ طويلة، ولذلك فكان أحد العناصر الموجودة دائمًا في محاولات التواصل بين مصر وإسرائيل.

وعن علاقة عبد الناصر منذ البداية بإسرائيل؛ كانت أول معركة حربية له، في فلسطين خلال الحرب العربية الإسرائيلية سنة 1948؛ حيث تطوع في البداية للخدمة ضمن اللجنة العربية العليا بقيادة محمد أمين الحسيني، والذي التقى به الشاب جمال من قبل، وأُعجب به الحسيني، ولكن تم رفض دخول قوات اللجنة العربية العليا في الحرب من قبل الحكومة المصرية حينها.

وفي مايو 1948، أرسل الملك فاروق الجيش المصري إلى فلسطين؛ حيث خدم ناصر في كتيبة المشاة السادسة؛ حيث كان نائب قائد القوات المصرية المسؤولة عن تأمين الفالوجة. أصيب عبد الناصر بجروحٍ طفيفة في القتال يوم 12 يوليو (تموز) 1948. وبحلول شهر أغسطس (آب)، كان عبد الناصر مع فرقته محاصرين من قبل الجيش الإسرائيلي، ولكن الفرقة رفضت الاستسلام، إلى أن أدت المفاوضات بين إسرائيل ومصر أخيرًا إلى التنازل عن الفالوجة إلى إسرائيل.

مرت الأيام والسنوات، وسيطرت حركة الضباط الأحرار على الحكم في مصر معلنين قيام الجمهورية المصرية الأولى؛ فتولى محمد نجيب رئاسة مصر أول رئيس للجمهورية لبضعة أشهر، ثم تولى عبدالناصر الحكم من بعده. ومرت من بعدها الأيام والسنوات أيضًا حتى أعلن عبد الناصر تأميم قناة السويس عام 1956؛ مما أثار غضب فرنسا وبريطانيا وإسرائيل؛ فاتفقوا جميعًا على الهجوم على مصر واحتلال أجزاء منها والسيطرة على قناة السويس، وهو ما شرعوا في القيام به فيما عُرف باسم العدوان الثلاثي على مصر، والتي راح ضحيته حوالي 4 آلاف مصري من العسكريين والمدنيين، وجُرح 5 آلاف آخرين.

وبمرور الأيام، جاءت هزيمة يونيو (حزيران) 1967، والتي على إثرها قُتل ما يزيد عن 15 ألف مصري، واحتلت إسرائيل قطاع غزة، وشبه جزيرة سيناء، والضفة الغربية، وهضبة الجولان من سوريا، مما أدى إلى زيادة العداء بين مصر وإسرائيل، أي بين عبد الناصر وإسرائيل حينها.

(الأسرى أثناء النكسة في غزة – فلسطين – 5 يونيو (حزيران) 1967 (David Rubinger/GPO via Getty Images))

الدور الإقليمي المصري في عهد عبد الناصر لم يكن يتعلّق بإسرائيل فقط، وإنما بالدول العربية الأخرى؛ والتي وُصف ناصر بأنه «زعيمهم» في فترة من الزمان؛ حيث تعاطف العرب مع عبدالناصر في حربه ضد الغرب بعد العدوان الثلاثي، وساندوه، مما أدى بعد وقتٍ قليل لقيام الوحدة العربية بين مصر وسوريا عام 1958، في الوقت الذي تضامنت الدول العربية الأخرى مع عبدالناصر بطرقٍ مختلفة؛ مثل لبنان، والأردن، والمملكة العربية السعودية حينها؛ على الرغم من محاولات الرئيس الأمريكي حينها، دوايت أيزنهاور التقليل من نفوذ عبد الناصر من خلال ما عُرف باسم مبدأ أيزنهاور؛ والذي يقضي بأن أي دولة يمكنها طلب المساعدات الاقتصادية والعسكرية من الولايات المتحدة الأمريكية إذا ما شعرت بالتهديد من دولة أخرى في منطقة الشرق الأوسط.

الدور الإقليم القيادي البارز لمصر في عهد جمال عبد الناصر تضمَّن توطيد العلاقات مع الدول العربية والأفريقية؛ وحتى مع بعض الأخرى كالاتحاد السوفيتي؛ حيث كان لمصر قولٌ يهابه الجميع على مدار السنوات؛ وتأييدًا لبعض التغيرات في بضعة دول؛ كالاستقلال في الجزائر، والحكومات الجديدة في العراق، واليمن، وأيضًا في سوريا حتى بعد انفصال الجمهورية العربية المتحدة.

ثورة قامت يوم 26 سبتمبر، يوم 27 سبتمبر الملك سعود كان عنده حالة هيستيريا. هل يقبل الشعب العربي أن يرفع السلاح ضد الثورة؟ يمكن المأجورين بيرفعوا السلاح، يمكن المرتزقة بيرفعوا السلاح، ممكن الرجعيين بيرفعوا السلاح، يمكن أصحاب المصالح بيرفعوا السلاح، لكن الأحرار.. هل يرفعوا السلاح؟

هكذا قال عبد الناصر عن ثورة اليمن، وردًا على ما فعلته المملكة العربية السعودية بإرسال قوات إلى اليمن للوقوف ضد الثورة اليمنية خوفًا من امتدادها إلى المملكة والتأثير والتهديد على العائلة الحاكمة، وذلك في خطابه يوم 23 ديسمبر (كانون الأول) 1962.

العلاقات السعودية المصرية كانت قبل ذلك في حالة جيدة، وتحديدًا بعد العدوان الثلاثي على مصر، حيث دعمت المملكة العربية السعودية مصر بمبلغ 100 مليون دولار من أجل التعافي مما حدث؛ ولكن التوترات بدأت بدعم جمال عبد الناصر للثورة في اليمن، وهو ما لم يعجب المملكة العربية السعودية، في الوقت الذي كانت فيه الأردن داعمًا رئيسيًا للمملكة، ومؤيدة تقريبًا لكل ما تفعله؛ فيمكن تشبيه خضوع الأردن في عصر عبد الناصر للملكة العربية السعودية، بخضوعها للمملكة أيضًا في الوقت الحالي.

(جمال عبد الناصر)

لم يكن يخشى عبد الناصر أن يخرج ليسب ملك السعودية، أو ملك الأردن، وبرغم ذلك حافظ على مكانته زعيمًا للعرب، وحافظ على دور مصر الإقليمي في القضايا الإقليمية الكبرى، والأفريقية أيضًا؛ حيث لعب ناصر دورًا هامًا في تعزيز التضامن الأفريقي في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، وخلال هذه الفترة، جعل ناصر مصر ملجأ للقادة المناهضين للاستعمار، وسمح للعديد من البلدان الأفريقية ببث الدعاية المناهضة للاستعمار من القاهرة. وبدايةً من عام 1958، لعب ناصر دورًا رئيسيًا في المناقشات بين القادة الأفارقة التي أدت إلى إنشاء منظمة الوحدة الأفريقية في سنة 1963.

إحنا عندنا خسائر من أول يوم حتى الآن وصلت إلى 136 ضابط وعسكري؛ 21 ضابط، والجنود 115، كل واحد فيهم جزمته أشرف من تاج الملك سعود والملك حسين. *جمال عبد الناصر عن جنوده في اليمن.

ومما سبق يمكننا ملاحظة العداء الشديد من جمال عبد الناصر لإسرائيل، والذي في إحدى المناسبات أكد أنه ليس أنانيًا، وأنه لو كان كذلك لكان قبل أحد عروض إسرائيل باسترداد سيناء كاملة وعقد السلام، ولكنه أكد أنه مؤمن بالقضية الفلسطينية، وأنها هي القضية الأهم، ولا تنفصل عن قضية احتلال إسرائيل لسيناء. وفي الوقت نفسه، سعى عبد الناصر لنشر أفكاره في العالم العربي وأفريقيا، ودعم استقلال الدول المختلفة والشعوب، حتى لو كان على حساب علاقاته مع دول عربية أخرى كالمملكة العربية السعودية والأردن، كما سعى إلى مناهضة الاستعمار، ولم يكن يقبل إلا بالدور القيادي لمصر. أي أن مصر في الجمهورية الأولى في عهد عبد الناصر كانت: 1- اشتراكية، 2- معادية للغرب وأفكاره وسياساته، 3- معادية لإسرائيل، 4- ولها دور إقليمي ودولي كبير ومؤثر على جميع المستويات.

الجمهورية الثانية: السادات.. صديق إسرائيل وأمريكا

الجمهورية المصرية الثانية جاءت في عهد السادات؛ الذي قاد مصر في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973؛ والتي انتصرت فيها القوات المصرية على الجيش الإسرائيلي، والتي نجحت فيها القوات المصرية في عبور قناة السويس، وتدميرها لخط بارليف الإسرائيلي، وتدمير تحصينات الجيش الإسرائيلي بالضفة الشرقية للقناة، فضلًا عن التمهيد لتحرير سيناء كاملة ما عدا طابا.

مع الانفتاح الاقتصادي في مصر – الذي قاده السادات بعد الحرب -، وبداية دخول الرأسمالية إلى مصر، كانت العلاقات بين مصر وإسرائيل قد بدأت في التحسن بزيارة الرئيس محمد أنور السادات إلى الكنيست الإسرائيلي، ثم تدشنت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في أعقاب حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وتحديدًا بتوقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل بعد محادثات كامب دايفيد؛ حيث وقعت المعاهدة في واشنطن، في 26 مارس 1979 في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد لعام 1978. وقد وقع على المعاهدة المصرية – الإسرائيلية الرئيس المصري محمد أنور السادات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجن، وشهدها رئيس الولايات المتحدة جيمي كارتر، وتمت إقامة علاقات دبلوماسية وأصبحت لمصر سفارة في تل أبيب وقنصلية في إيلات، ولإسرائيل سفارة في القاهرة وقنصلية في الإسكندرية.

(رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجِن، والرئيس الأمريكي كارتر، والرئيس المصري السادات)

وبالنسبة لعلاقة السادات مع السعودية والخليج، فإنه حدث العكس تمامًا؛ فظلت العلاقات بين مصر والسعودية على أكمل وجه؛ وذلك بعد الدور الكبير الذي قام به الملك فيصل مع مصر، ومساعدتها في حرب أكتوبر، إلى أن وقَّع السادات على معاهدة السلام مع إسرائيل؛ حيث قررت السعودية في 23 أبريل (نيسان) 1979 قطع العلاقات الدبلوماسية مع مصر.

وجاء في قرار مجلس الوزراء السعودي، أنه نظرًا لأن حكومة مصر العربية، قد قبلت وعزمت على تبادل التمثيل الدبلوماسي مع العدو الصهيوني، وبدأت في إنشاء علاقات طبيعية معه دون مراعاة الحد الأدنى من المطالب التى تتطلع الأمة العربية من خلالها إلى تحقيق السلام العادل والشامل، فإن المملكة السعودية قررت قطع العلاقات الدبلوماسية والسياسية مع جمهورية مصر العربية.

في المقابل شن الرئيس أنور السادات، هجومًا على حكام السعودية، مؤكدًا أن موقف السعودية من حملة قطع العلاقات يعود إلى الاحتجاج على أمريكا، لأنها تخلت عن شاه إيران ويمكن أن تتخلى عنهم، وإثبات زعامة لا يستطيعون تحمل مسؤولياتها أمام العالم العربي.

الهجوم على السادات لم يكن من المملكة العربية السعودية فقط بسبب اتفاقية السلام، وإنما من دول الخليج أيضًا، الأمر الذي جعل السادات يسب دول الخليج في تسجيل شهير؛ الكويت، والبحرين، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، واصفًا إياهم بشيوخ القبائل الذين ظهروا ليجدوا بترولًا في بلادهم، ومؤكدًا فضل مصر على بلادهم في نشأة هذه البلاد، ورافضًا أي تطاول منهم على مصر؛ حيث قال السادات «مصر هي الدولة الوحيدة اللي ليها فضل على كل كلب من دول».

مرت الأيام والسنوات، وتم اغتيال السادات أثناء احتفاله بذكرى الانتصار في حرب أكتوبر، ليتولى رئاسة الجمهورية من بعده الرئيس المخلوع حسني مبارك. ظلت العلاقات متوترة بين مصر والمملكة العربية السعودية في بداية عهد مبارك، إلى أن عادت الأمور مرة أخرى إلى ما كانت عليه من قبل، ولكن من باب المصالح الشخصية لكلا البلدين، والتي غالبًا ما تصب في مصلحة الغرب في هذه الحالة، فمنذ عهد السادات، لم تعد المصالح العربية تختلف عن المصالح الغربية، وبالتالي، فلم تعد السعودية عدو إسرائيل كما كانت من قبل، مما أدى وساهم في رجوع العلاقات بسهولة بين مصر والمملكة في عهد مبارك.

فمبارك، أو كما أُطلق عليه من الصحافة الأجنبية لقب «الرئيس الطائر»، وذلك نظرًا لزياراته الخارجية العديدة؛ حيث كشفت إحصائية أعلنت عنها الهيئة المصرية العامة للاستعلامات عام 2010، أن مبارك أجرى 451 زيارة رسمية للعديد من البلدان منذ توليه الحكم وحتى عام 2006 فقط، منها 243 زيارة للدول العربية التي جاءت السعودية على رأسها.

(الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك)

وأوضح موقع سفارة المملكة العربية السعودية في القاهرة، أنه خلال فترة حكم مبارك، شهد البلدان العديد من الزيارات الرسمية المتبادلة نتيجة عمق العلاقات بين البلدين الشقيقين، حتى إن مبارك قام بأكثر من 30 زيارة للمملكة حتى عام 2007، وهو الرقم الذي ارتفع لاحقًا ليتجاوز 40 زيارة رسمية، وهي زيارات التقى خلالها بقادة المملكة لبحث واستعراض كافة القضايا العربية والدولية والمستجدات على الساحة العالمية.

وبالنسبة لإسرائيل، وبالرغم من وجود تقارب مصري مع إسرائيل؛ حيث تم استرداد مدينة طابا بالكامل في عهد مبارك، إلا أن هذا التقارب كان محدودًا، ومشروطًا؛ ففي لقاء تليفزيوني مسجل لمبارك مع أحد الصحفيين الإسرائيليين أكد مبارك أن إسرائيل تُعمِّق الكراهية بأفعالها في فلسطين، مشيرًا إلى أن هذه الكراهية ستظل موجودة، وسيرثها الشباب العربي، الذي لن يقبل بجرائم إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، وأن إسرائيل ستجد نفسها في لحظة من اللحظات في مواجهة 400 مليون عربي، وأنها لن تستطيع أن تقف أمامهم، مشيرًا إلى أنه في الوقت ذاته مستعد ويريد السلام مع إسرائيل، ولكن ينبغي على إسرائيل أن توقف أعمالها ضد الفلسطينيين.

وفي لقاءٍ آخر بعد مرور 25 عامًا على اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، انتقد مبارك القيادة الإسرائيلية مشيرًا أنها لا تفي بوعودها، وقائلًا إن «كان معروفًا عن اليهودي في مصر أن كلمته (وعده) أقوى من الورقة والإيصال، ولكن أنتم لا تفعلون ذلك؛ أنتم يهود مختلفون».

وفي عصر الرئيس مرسي أيضًا، لم يختلف الأمر كثيرًا، فالعلاقات مع إسرائيل ظلت كما هي؛ ففي يوليو (تمّوز) عام 2012؛ أُثير جدل حاد في الأوساط الصحافية والسياسية في مصر بسبب خطاب اعتماد السفير المصري الجديد في إسرائيل، عاطف سالم، الذي سلمه للرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، موقع من نظيره المصري، بسبب بداية الخطاب بـ «عزيزي وصديقي العظيم».

(خطاب الرئيس المصري المعزول محمد مرسي إلى الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز)

وظهر في الخطاب توقيع وإمضاء مرسي، وتوقيع وإمضاء وزير الخارجية محمد عمرو كامل، وأيضاً توقيع رئيس ديوان رئاسة الجمهورية. واحتوى النص على رغبة مرسي في تطوير علاقات المحبة التي تربط البلدين، وتعهد أن يبذل السفير الجديد صادق جهده، طالبًا من بيريز أن يشمله بعطفه وحسن تقديره، وختم الخطاب بـ«صديقكم الوفي محمد مرسي».

ومما سبق يمكننا ملاحظة أن الجمهورية الثانية لمصر تميزت بالانفتاح السياسي على العالم؛ سواء في عهد السادات، أو مبارك، أو حتى مرسي، بالإضافة إلى العلاقات الجيدة المشروطة مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، والغرب بشكلٍ عام، والانغلاق على الداخل المصري، فضلًا عن وجود محاولات هنا وهناك لإبراز دور مصر القيادي إقليميًا، ودوليًا، وأفريقيًا.

السيسي.. هل يؤسس حقًا لجمهورية مصرية ثالثة؟

يأتي الرئيس المصري الحالي، عبد الفتاح السيسي، في عصر ما بعد الانفتاح الاقتصادي والسياسي لمصر في الجمهوية الثانية،  وما بعد الربيع العربي. ولكن هل حقًا فترة السيسي يمكن اعتبارها جمهورية ثالثة؟ يمكننا اختبار العوامل الأساسية التي اتخذناها في حساب الجمهوريات الأخرى؛ العلاقة مع إسرائيل، والدور القومي والدولي، والعلاقات مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج فيما يخص الاستقلالية والقيادة.

فبالنسبة للعلاقة مع إسرائيل، يعتبر الرئيس السيسي هو الرئيس المصري الأقرب في العلاقات مع إسرائيل؛ فخلال أقل من عامين فقط، التقى السيسي برئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ثلاثة مرَّات كاملة؛ مرة واحدة منهم فقط في العلن.

(لقاء السيسي ونتنياهو)

أولى اللقاءات بين السيسي ونتنياهو تم في مدينة العقبة الأردنية، وتحديدًا في يوم 21 فبراير (شباط) 2016، فيما عُرف باسم قمة العقبة السرية، والتي جمعت السيسي بنتياهو، وبحضور وزير الخارجية الأمريكي السابق، جون كيري، والعاهل الأردني. التفاصيل التي أعلنتها صحيفة هآرتس الإسرائيلية بخصوص اللقاء أفادت بأن نتنياهو عرض في القمة ما أسماه «خطة النقاط الخمس»، وهي مجموعة خطوات لبناء الثقة مع الفلسطينيين مقابل قمة تجمعه بقادة السعودية ودول الخليج، وفق ما ذكرته الصحيفة التي حصلت على تفاصيل القمة من حوارات أجرتها مع موظفين كبار في إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وجاءت خطة النقاط الخمس كالآتي:

1- المصادقة على بناء مكثف للفلسطينيين ودفع مبادرات اقتصادية في المنطقة (ج) في الضفة الغربية، والتي تسيطر إسرائيل فيها أمنيًا ومدنيًا، ودفع مشاريع للبنى التحتية في قطاع غزة، وتوثيق التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية خاصة السماح بإدخال وسائل قتالية أخرى مطلوبة لأجهزة الأمن الفلسطينية.

2- نشر بيان رسمي يجري فيه التطرق بشكل إيجابي من جانب الحكومة الإسرائيلية لمبادرة السلام العربية عام 2002، من خلال الإعراب عن الاستعداد لإجراء مفاوضات مع الدول العربية حول بنود المبادرة.

3- دعم الدول العربية ومشاركتها الفاعلة في مؤتمر سلام إقليمي، بما في ذلك مشاركة ممثلين كبار من السعودية والإمارات المتحدة ودول سنية أخرى في القمة العلنية بمشاركة نتنياهو.

4- الاعتراف الأمريكي العملي بالبناء في كتل المستوطنات الكبيرة التي لم يرسم نتنياهو حدودها بشكل واضح، مقابل تجميد البناء في المستوطنات المعزولة في الجانب الشرقي من الجدار الفاصل. وتحدث نتنياهو عن التوصل إلى تفاهمات هادئة وغير رسمية حول الاعتراف بالبناء في الكتل وتجميد البناء خارجها.

5- الحصول على ضمانات من إدارة أوباما بصد خطوات معادية لإسرائيل في مؤسسات الأمم المتحدة، وفرض الفيتو على أي قرار يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني في مجلس الأمن.

اللقاء الثاني بين السيسي ونتنياهو جاء في القاهرة هذه المرة، وتحديدًا في أبريل (نيسان) من العام الماضي أيضًا، حيث أكدت هآرتس الإسرائيلية أيضًا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنتيامين نتنياهو، ورئيس الكنيست الإسرائيلي، إسحق هيرتزوج، وهو أيضًا زعيم المعارضة الإسرائيلي، رئيس حزب «المعسكر الصهيوني»، توجها سرًا إلى القاهرة للاجتماع مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وذلك في إطار بحث سبل إحياء عملية السلام؛ حيث قالت الصحيفة إن طائرة خاصة من إسرائيل وصلت القاهرة في أبريل (نيسان) 2016، وكان على متنها نتنياهو وهيرتزوج وبعض المستشارين، وتم استقبالهم في القصر الجمهوري، حيث التقوا الرئيس السيسي، مشيرةً إلى أن الاجتماع بحث محاولات دفع عملية السلام الإقليمي، والوساطة في التوصل لاتفاق بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل.

(لقاء السيسي والملك الأردني عبد الله الثاني)

الجدير بالذكر أن الصحيفة ذكرت أن هذا اللقاء جاء في إطار اتصالات سرية جرت لإمكانية ضم حزب «المعسكر الصهيوني» برئاسة هيرتزوج إلى الحكومة الإسرائيلية، لدعم نتنياهو في إتمام عملية السلام مع الفلسطينيين. وأمَّا عن اللقاء الثالث والأخير، فكان ذلك الذي تم منذ بضعة أيام، وتحديدًا يوم الاثنين الماضي 18 سبتمبر (أيلول) 2017، في إطار اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

لدينا في مصر تجربة رائعة وعظيمة في السلام معكم منذ أكثر من 40 سنة، ويمكن أن نكرر هذه التجربة، وهذه الخطوة الرائعة مرة أخرى. أمن وسلامة المواطن الإسرائيلي جنبًا إلى جنب مع أمن وسلامة المواطن الإسرائيلي.

هكذا عبَّر السيسي في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويبدو أن شدة التقارب بين مصر وإسرائيل في عهد السيسي جعلت منه يوجِّه كلمته ليطالب بأمن وسلامة المواطن الإسرائيلي بجانب أمن وسلامة المواطن الإسرائيلي أيضًا، الأمر الذي يبدو كما لو كانت «زلة اللسان» هي التي تذكر الحقيقة وتعبر عن الواقع.

وفيما يخص الدور القيادي لمصر في المحافل المختلفة، فيمكننا بسهولة ملاحظة غياب الدور المصري القيادي الحقيقي، وإنما كل ما هو موجود – يعتبره البعض – تدخلات بالوكالة عن دول أخرى؛ فحتى وجود مصر في مجلس الأمن الدولي باعتبارها أحد الأعضاء غير الدائمين بالمجلس لم يؤتِ ثماره حتى الآن، بالإضافة إلى دور مصر الأفريقي أيضًا، فلم تظهر أي نتائج إيجابية بخصوص هذا الشأن في عهد السيسي حتى الآن.

وفيما يخص العلاقات مع المملكة العربية السعودية، فلا تخفى صفقة بيع والتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير المصريتين للمملكة العربية السعودية في أبريل (نيسان) 2016، وبالإضافة إلى ذلك، هناك أيضًا أزمة اليمن، والتدخل المصري لصالح  السعودية هذه المرة؛ فلا أحد يعلم طبيعة دور القوات المصرية المشاركة في حرب اليمن، في ظلّ عدم تردد اسمها بشكلٍ مُكثّف ضمن بيانات التحالف العسكرية، فيما أن ما يُنشر فقط هو أن ثمة مشاركة مصرية في الحرب اليمنية، قد يتمثّل في تأمين بحري لمضيق باب المندب، أو المشاركة في حصار السواحل اليمنية.

غير أن اللواء أحمد العسيري، المتحدث باسم التحالف أكد منذ شهور أن الرئيس المصري عرض على المملكة مشاركة 40 ألف جندي في ساحة القتال، مما أثار ضجةً في المجتمع المصري، فأعلن تراجعه عن تصريحاته بعد ذلك. وعلى الرغم من أنّ عددًا كبيرًا من دول الخليج والدول العربية تشارك في التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، إمَّا بالدعم المعنوي، أو المادي، أو اللوجيستيّ، وذلك نظرًا لأن الوضع في اليمن قد لا يؤثر عليهم بشكل رئيس ومباشر. أمَّا مصر، وبالرغم من عدم تأثير الوضع في اليمن بشكل مباشر أيضًا عليها، إلا أنها تشارك في التحالف وتعرض زيادة المشاركة، من أجل مصالح  السعودية والمقابل المالي الذي يحظى به السيسي.

(لقاء السيسي والملك سلمان)

الأمر لا يتوقف عند المملكة العربية السعودية، بل إن مصر تقوم بالتدخل في عدد من الشئون الدولية، ولكن ليس لمصلحتها الشخصية، ولا حتى لمصلحة الشعوب العربية مثلما فعل أحيانًا عبد الناصر، ولكن من أجل مصالح للعائلات الحاكمة في دول أخرى؛ وقد يبدو ذلك بوضوح بالتدخل المصري والدعم الموجه لنظام بشار الأسد في سوريا من أجل بوتين تارة، ومن أجل ترامب تارة، وبالهجوم على نظام بشار الأسد ومقاطعته من أجل ترامب تارة أخرى. وبالإضافة إلى ذلك، التدخل في ليبيا عسكريًا من أجل تحقيق مساعي الإمارات في ليبيا، ودعم خليفة حفتر هناك.

هذا بالإضافة إلى صفقة القرن التي عقدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مع الملك سلمان، ملك السعودية، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بالإضافة إلى عدد من قادة ورؤساء وحكام الدول العربية الأخرى.

(السيسي وترامب وزوجته والملك سلمان في الرياض)

وبالتالي، وبنفس المعايير التي اتخذناها في تقسيم الجمهوريات في مصر، يمكن اعتبار السيسي مؤسسًا لجمهورية جديدة ثالثة، قائمة على الانفتاح السياسي، والاقتصادي بشكلٍ كبير، ومُوسَّع مع الغرب وإسرائيل، والولايات المتحدة وروسيا – معًا -، وتتميز بدور إقليمي متراجع للغاية، بالإضافة إلى ما يوصف عادةً بشهر العسل بين النظام المصري والإسرائيلي، فضلًا عن الأدوار الإقليمية شديدة الرجعية، والمحافظة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد