1,160

في تقرير قديم نشرته صحيفة «الجارديان» بعنوان «الخروج من العصور المظلمة» – يتحدث عن عقود من الاضطهاد واجهها مثليو الجنس في بريطانيا – تقول الكاتبة «جيرالدين بيديل»: «إن الحياة في بريطانيا قبل 40 عامًا كانت مختلفة تمامًا؛ فالوقوع في حب شخص مثلي، كان من الممكن أن يجعل منك مجرمًا، والابتسام لشخصٍ ما في الحديقة قد يقودك للاعتقال، حينها كانت المثلية غير قانونية، وكان هناك مئات الآلاف ممن يخشون أن يُظهروا ميولهم الجنسية؛ إذ كانت الشرطة تلصق الاتهامات حتى بمجرد الشكّ».

لكن في يوليو (تموز) من عام 1967 صدر قانون بريطاني يضفي الصفة الشرعية على العلاقات المثلية؛ فلم تعد المثلية حينها جريمة، لكن ذلك لم يوقف الاعتقالات، إلا بعد 37 عامًا آخرين؛ إذ تشير الكاتبة أن الوضع قد تغير تمامًا منذ عام 2005 في المجتمع البريطاني؛ فأصبح المثليون يستطيعون أن يحيوا حياة طبيعية، ولكن هل ذلك الادعاء حقيقي؟

«حَمَل ضائع مغطى بالعار»

قد يكون هناك الآن العديد من القوانين التي تحمي حقوق المثليين في الغرب وتضمن لهم حياة كريمة، وقد يكون المجتمع الأوروبي والأمريكي – على وجه التحديد – هو الأكثر انفتاحًا وتقبلًا للأشخاص ذوي الميول الجنسية المختلفة، ولكن هذا لا يعني أن مثليي الجنس لا يواجهون الاضطهاد على الإطلاق، ففي مقالٍ له عن المثلية الجنسية، وكيف يتعامل الآباء مع أبنائهم عندما يكتشفون ميولهم الجنسية، يقول الكاتب لي ساكلينج: «إن هناك الكثير من الحكايات المسكوت عنها؛ فكثيرًا ما نحتفي بالقصص ذات الطابع الإيجابي، تلك التي يدعم الآباء فيها ميول أبنائهم الجنسية أيًا كانت، لكننا لا نسمع شيئًا عن تلك التي يقاطع فيها الآباء أبناءهم؛ فمثليو الجنس حول العالم يناضلون من أجل أن يتقبلهم آباؤهم»، مُشيرًا إلى أن العائلات المتدينة هي الأكثر اعتراضًا على مثلية الأبناء.

عن ذلك تحكي براندي بورجيس ابنة مذيع الراديو الأمريكي ريك بورجيس، وكيف عانت مع والدها؛ بعدما أعلنت عن ميولها الجنسية المزدوجة، قائلة: «استخدمني أبي كقصة تحذيرية في برنامجه الديني، حاكيًا عن حَمَل ضائع مغطَّى بالعار»؛ إذ ألقى والدها مجموعة محاضرات في الإذاعة عن «خطيئتها»، مُخيرًا إياها بين أن تكون جزءًا من العائلة، وبين ميولها الجنسية.

كانت «بورجيس» تشعر أنها ممزَّقة بين حياتين، فقد نشأت في أسرة مسيحية متدينة، إذ يقدم والدها برنامجًا دينيًا يساعد الناس على إيجاد طريقهم في الحياة، ويحرص على أن تذهب ابنته إلى الكنيسة كل يوم أحد، حيث يجب أن تكون النساء جميلات، ولكن محتشمات ونقيات، وإلا ستقع فريسة للخطيئة، أما الحياة الأخرى، فكانت في مدرسة الفنون، حيث يعبر الجميع عن ميولهم الجنسية بحرية دون أية حساباتٍ أخرى.

وعن ميولها تقول بورجيس: «قمعتُ نفسي كثيرًا في محاولةٍ مني لكي أصبح فتاةً مثالية لعائلتي، وكلما شعرت بأن ميولي تزداد تجاه النساء، تكتمتُ أكثر وانغلقتُ على نفسي، ولكنني حينها فقط شعرتُ بأنني مُحتالة، كنت دائمًا مضطرة للاختباء ودفن رأسي؛ كي لا أواجه حقيقة من أكون»، وتستكمل بورجيس بأنها لا تريد أن تتخلى عن إيمانها بالله، فهي لم ترفض الله يومًا كما تفترض عائلتها، فهي لا تريد أن تُجبر على الاختيار ما بين ميولها الجنسية وعقيدتها، بل تعتقد أن الحب، والذي هو أساس الدين، يمكنه أن يخلق مساحة تعايش للجميع، على الرغم من اختلافاتهم.

اقرأ أيضًا: مُسيَّر أم مخير.. هل المثلية الجنسية لها علاقة بالجينات

فنلندا تُجبر المتحولين جنسيًا على تعقيم أنفسهم

على الرغم من أن فنلندا هي إحدى الدول الأوروبية التي تقع في شمال القارة، إلا أن قوانينها تختلف عن أغلب الدول الأوروبية المجاورة لها، خاصة فيما يتعلق بالمتحولين جنسيًا، وهم الأشخاص الذين يختلف جسدهم – سواء كانوا ذكورًا أم إناثًا – عن حقيقة ميلهم الجنسي، فيلجأ الكثير ممن يرفضون جسدهم الذي ولدوا به إلى إجراء جراحة تصحيحية تهيئهم للعبور إلى الجنس الآخر، ولكن في فنلندا لا تمر تلك الجراحة مرور الكرام؛ فهناك قانون يجبر المتحولين جنسيًا على تعقيم أنفسهم؛ حتى يفقدوا القدرة على الإنجاب، وهو شرط من شروط قبول إجراء الجراحة، وهو الأمر الذي يؤكده الناشط الفنلندي ساكريس كوبيلا لـ«ساسة بوست».

ساكريس هو طالب طب يبلغ من العُمر 21 عامًا، اكتشف في فترة مراهقته أن ميوله الجنسية تخالف صفاته البيولوجية، ولكنه اصطدم أيضًا بالقانون الذي يرفض أن يعترف به كرجل، دون إجراء تعقيم قسري يفقده القدرة على الإنجاب؛ وهو ما دفعه إلى العمل الحقوقي من أجل حقوق العابرين جنسيًا في فنلندا. فيخبرنا ساكريس عن تعرضه للمضايقات من المجتمع المحيط، والتي قد تصل أحيانًا إلى التحرش والتهديد.

الناس يخشون الاختلاف، وهذا الخوف يدفعهم إلى إلقاء اللوم على الآخرين؛ ورهاب المثلية الجنسية خير شاهد على هذا، وهو أمر عالمي لا يقتصر على بلدٍ بعينه؛ ففي فنلندا ينظر الناس إلى الشخص المثلي، أو العابر جنسيًا، على أنه عدو للمجتمع والقيم والتقاليد، وهو أمر غير صحيح؛ لأن كل ما نريده هو أن نعيش حياتنا في سلام، وأن نُحترم. – ساكريس في تصريحه لـ«ساسة بوست».

يرى ساكريس أن التمييز قد يكون سببه الأساسي هو نقص المعرفة، وأن التعليم والمناقشة قد يساعدان في تقليل الخوف، وبالتالي تزداد قدرة المجتمع على تقبل الاختلاف. وعن المجتمع الفنلندي، وكيف يتقبل مثليي الجنس والمتحولين جنسيًا بعيدًا عن القانون، يحكي ساكريس لـ«ساسة بوست» أن الأمر يختلف بالنسبة للمدن الكبيرة عن أطراف البلاد، ففي المدن الكبيرة من السهل أن يتقبلك الآخرون، وعلى الرغم من أن القانون الفنلندي يحمي الأقليات الجنسية في بعض جوانبه، إلا أن مشاعر الكراهية والعنصرية من المجتمع هي التي تحتاج للمزيد من العمل الحقوقي. فبالنسبة لساكريس كانت العقود الماضية في فنلندا هي التي شهدت الصراع الحقيقي، حين ناضل النشطاء من أجل أساسيات حقوق الإنسان، إلا أنه يرى أن أكبر انتهاك لحقوق الإنسان الآن في فنلندا هو قانون التعقيم الذي يواجهه العابرون جنسيًا عند تغيير الجنس القانوني.
في مواجهة هذا القانون يقول ساكريس: إنه «من غير العادل أن يخير الإنسان ما بين الاحتفاظ بجنس جسده الذي لا يعبر عن هويته الحقيقية وبين الإنجاب، وأنه لمجرد أن جسدك يحمل جنسًا خاطئًا، فهذا قد يعرضك لكراهية المجتمع وعنصريته، والتمييز خلال حياتك اليومية، خاصة في المصالح الحكومية، والتي قد تتهمك بالتزوير، أو بأن الأوراق الرسمية التي تحملها ليست لك حقيقةً».

يشير ساكريس – في نهاية حديثه معنا – إلى أن الدين أحيانًا يتم استخدامه في فنلندا كرادع أثناء سن القوانين التي قد تعطي للأقليات الجنسية مزيدًا من المساواة، قائلًا: «على مدى قرن من الزمان، كان يتم النظر للأقليات الجنسية على أنهم: إما مرضى عقليين، أو نفسيين، أو مجرمون أو عصاة، وأنه وعلى الرغم من تغيُّر تلك النظرة العامة الآن، إلا أن المجتمع الكنسي مازال يرفض تقبلهم واندماجهم مع المجتمع، كما أن السياسيين مازالوا يقتبسون من الكتاب المقدس كلما طرح قانون من شأنه أن يدعم المزيد من الحقوق والمساواة بين أفراد المجتمع والأقليات الجنسية».

القوانين الروسية تشجع «رهاب المثلية»

في بحثٍ ميداني تم نشره على موقع «Pew Research Center» عن تقبُّل المجتمعات حول العالم للأقليات الجنسية، كانت روسيا هي أكثر الدول الأوروبية عداءًا للمثليين الجنسيين بنسبة تعدت 74% للأشخاص عينة البحث، والحقيقة أن القوانين الروسية تجاه الأقليات الجنسية تؤيد تلك النظرة المجتمعية العدائية؛ إذ صدر قانون فيدرالي في عام 2013 يحظر نشر دعاية للعلاقات الجنسية غير التقليدية، أو إعطاء الأطفال أية معلومات بخصوص المثلية الجنسية، وهو ما أشاروا إليه على أنه يهدف إلى تكريس القيم المجتمعية المحافظة؛ مما أدى إلى زيادة حادة في أعمال العنف ضد الأقليات الجنسية الروسية، وعقب تمرير هذا القانون برلمانيًا؛ أُصدِر قانون آخر يسمح بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات في حالة الإساءة إلى المشاعر الدينية.

تم تمرير تلك القوانين عقب قيام ثلاثة نشطاء بعمل تظاهرات من أجل التضامن مع حقوق المثليين والقوانين المحلية التي تحول دون المساواة بين الأقليات الجنسية وغيرهم من أفراد المجتمع، حيث تم القبض على أحد النشطاء وهو يحمل لافتة تُصرح بكونه مثلي الجنس، وأخرى تقول: «المثلية الجنسية أمر طبيعي»، أما الآخرون فقد كانوا يعرضون لافتات أمام المكتبة العامة تحمل أسماء شخصيات روسية عظيمة يُعتَقَد أنهم مثليون، مصرحين: «الأطفال من حقهم أن يعرفوا أن هناك شخصيات عظيمة وتحمل ميولًا جنسية مثلية، وأن المثلية الجنسية أمر طبيعي ويحدث».

هذا الأمر اعتبرته السلطات الروسية دعاية للمثلية الجنسية؛ فتم تغريم الثلاث نشطاء لاختراق القانون؛ مما دفعهم لرفع قضية أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والتي صرحت بدورها أن السلطات الروسية تعزز الرهاب ضد المثلية، وهو ما لا يتفق مع مفاهيم المساواة والتعددية والتسامح.

أما الشيشان والتي تعتبر جزءًا من الاتحاد الروسي، فالوضع بها قد تفاقم ضد الأقليات الجنسية؛ إذ يعاني المثليون من الاختطاف والاختفاء القسري والتعذيب حتى الموت، فالعداء ضد المثلية والأقليات الجنسية مُستشرٍ ومنتشر وتغذيه الإدارة المحلية؛ إذ يرتكب الكثير من الأهالي جرائم الشرف في حق أبنائهم تحت مرأى ومسمع من المسئولين، وهو ما تغض موسكو النظر عنه أيضًا.
اقرأ أيضًا:  هل تقبُّل المثليين يؤدي إلى دمار الحضارات؟ 3 حضارات عريقة تجيبك

كيف تتفاوت المجتمعات في تسامحها مع المثلية؟

في الحقيقة هناك أكثر من 74 دولة حول العالم تعادي صراحة المثلية الجنسية، وقد يصل الأمر للقتل في بعض الأحيان؛ كعقوبة رادعة، وحتى القارة الأوروبية، والتي تعتبر الأكثر انفتاحًا، تواجه بعض مجتمعاتها الأقليات الجنسية باضطهادٍ قد يصل للعنف في بعض الأحيان، أما الولايات المتحدة فتعتبر أكثر الدول التي تشهد انفتاحًا للحرية الجنسية، على الرغم من اعتراض بعض فصائل المجتمع، فما الذي يحمل بعض المجتمعات على تقبل المثلية في حين يضطهدها البعض الآخر؟

Embed from Getty Images

على الرغم من أن بعض  الأبحاث التي تتناول التوجهات الجنسية للأشخاص، قد رصدت أن التوجهات الجنسية تحمل في تعددها وتنوعها قائمة بأكثر من 20 توجهًا جنسيًا معترفًا به علميًا، هذا بالإضافة إلى بعض الأبحاث العلمية التي تحدثت أن المثلية الجنسية ما هي سوى انحراف طبيعي، أو تغير في الحياة الجنسية للإنسان؛ تحده بعض العوامل الوراثية، أو الجينية، أو الاجتماعية، إلا أن الاضطهاد أو التصالح مع التوجهات الجنسية لا يخضع لمقاييس علمية تمامًا، فتبعًا لتقرير نُشر على الموقع الإلكتروني «Conversation» تحت عنوان «لماذا يختلف الرأي العام حول المثلية الجنسية» هناك أكثر من عامل يتحكم بالمجتمعات من أجل توجيه فكرها، سواء للاضطهاد أو للتصالح.

وللإجابة على هذا التساؤل تُشير أستاذة علم الاجتماع إيمي آدمزيك إلى أن الأمم هي التي تُشكل شخصيات ومواقف أفرادها، وذلك عن طريق اجتماع مجموعة من الخصائص الديموغرافية هي التي تؤثر في كيفية شعور العامة بالمثلية الجنسية، فطبيعة الأشخاص الذين يقطنون بيئة معينة، بالإضافة إلى طبيعة الدولة ذاتها، هي التي تخلق هذا الاختلاف في الرأي العام، لتشكل في النهاية رأي المجتمعات، وتستكمل: «قمت بتحليل بيانات أكثر من 80 دولة حول العالم، من حيث القيم والمعتقدات على مر الزمان، بالإضافة إلى مسح أكاديمي يشمل أفراد الدول الغنية والفقيرة على حدٍ سواء، وهو ما كشف عن أن الاختلاف في مواقف الشعوب تجاه المثلية الجنسية يرتبط ارتباطًا غير مباشر بالمعتقدات الدينية، والتنمية الاقتصادية، والديمقراطية».

وتضيف آدمزيك في تقريرها «أنّ الخطاب الحكومي لأفراد الأمة الواحدة يشكل أيضًا جزءًا من وعي أفرادها، سواء كان خطابًا يحمل مفاهيم حرة تهب المواطنين مزيدًا من حرية التعبير، أم خطابًا منغلقًا يحد من حرية المواطنين»، وهو ما يتماشى مع ما قاله الفيلسوف ميشيل فوكو في كتابه «الفرد والمجتمع» من أن الخطابات الحكومية تؤثر في تشكيل وعي الأفراد؛ لأنهم في كل حالٍ من الأحوال خاضعين لسلطة عليا تُشكل علاقاتهم بالمجتمع، تمامًا كما تُشكل علاقاتهم الخاصة، وتؤثر فيها.