هل تابعت مسيرة الرؤساء في باريس احتجاجًا وتنديدًا بالهجوم المسلح على الصحيفة الفرنسية شارلي إيبدو؟ وهل تعتقد بأن باريس هي عاصمة النور والحرية دومًا؟ لكنَّ بعض مواقف للحكومة الفرنسية قد لا تدعم هذه الرؤية، في هذا التقرير ستتعرف على بعض هذه المواقف.

 

ديودونيه السخرية جريمة في فرنسا؟

 

“يجب عدم تمكين أحد من استغلال هذا العرض للتحريض والترويج صراحة للأفكار المعادية للسامية” *الرئيس الفرنسي تعليقًا على حادث اعتقال ديودونيه.

إذا كنت في فرنسا لن تصبح سخريتك من الدين أو من نبيّ أمرًا ذا شأن، يمكنك فعل هذا ببساطة تحت بند “حرية التعبير” لكنك حين تهزأ من الساميَّة أو حين تسخر من الهولوكوست وتنكره، فإنك هنا مُطارد، ليست المطاردة بتهمة الازدراء أو السخرية، كانت التهمة هذه المرة “تمجيد الإرهاب”، لماذا؟ لأنَّ الساخر الفرنسي كتب تدوينة صغيرة على فيس بوك يسخر من مسيرة الرؤساء في باريس ضد الإرهاب. لكنَّ القبض على ديودونيه له جذور أخرى؛ فديودونيه له العديد من المسرحيات الأخرى التي ورطته أمام المحاكم كثيرًا لكنه خرج منها كلها سليمًا.

مسيرة الرؤساء في باريس

وزيرة الثقافة، التي يفترض أن تكون أكثر المدافعين عن الحرية؛ اعتبرت منع الساخر الفرنسي أمرًا مقبولًا ودافعت عن اعتقاله. السخرية من عواطف أكثر من مليار مسلم في العالم يندرج تحت “حرية التعبير”، لكن الرأي المقابل لهذه السخرية، ومن فرنسي من أصل كاميروني؛ اعتبر “معاداة للسامية” و “تمجيدًا للإرهاب”. كانت الشرطة الفرنسية قد ألقت القبض على ديودونيه وتم منعه من الوقوف على أكثر من مسرح في أكثر من مدينة فرنسية.

فرنسيون أعربوا عن تضامنهم مع ديودونيه، وفي مقابلة حملة “أنا شارلي” المدشنة منذ الاعتداء على شارلي إيبدو، دشنوا حملة “أنا ديودونيه” للتنديد باعتقاله من قبل الشرطة الفرنسية. إذا كانت السخرية من مشاعر أكثر من مليون إنسان تعتبر “حرية تعبير” فلماذا لا تعتبر سخرية ديودونيه من قبيل “حرية التعبير”؟ هذا ما لن تستطيع الحكومة الفرنسية أن تجيب عنه.

ديودونيه

ديودونيه

ديودونيه من أصل كاميروني ولد في فرنسا، وقدم عددًا كبيرًا من العروض المسرحية الساخرة، ديودونيه معروف بموقفه المعادي للصهيونية، حيث قدم أكثر من عرض في مواجهة الصهيونية، “اعتذاراتي: هجوم على الصهاينة الذين يستبيحون كل شيء” كانت مسرحيته للعام 2004. مسرحية أخرى عن العلمانية والحجاب، مسرحية “محمود” التي قدمها لتمجيد الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد عام 2010. أثبتت عليه التهمه الموجهة له بمعاداة “السامية”.

أنصار ديودونيه من اليهود المعادين للصهيونية، وعرب وفرنسيون غير مسيسين بالضرورة

 

 

فرنسا: أن تخاف من فيلم سينمائي

 

The Battle of Algiers

واحد من أكثر الأفلام السياسية تأثيرًا في التاريخ، هذا هو الفيلم الذي حظرت فرنسا عرضه في السينمات الفرنسية لمدة خمس سنوات منذ صدوره عام 1966 وحتى “الإفراج” عن الفيلم والسماح بعرضه عام 1971. بالطبع كان الفيلم ممنوعًا لأنه يجسد النضال الجزائري ضدّ الاستعمار الفرنسي الذي استمر طيلة 132 عامًا. يجسد الفيلم سنوات النضال في الخمسينات من القرن الماضي.


 

كلفت الحكومة الجزائرية المخرج الإيطالي جيلو بونتيكورفو بإخراج الفيلم، بلغت تكلفة الفيلم 800 ألف دولار. ليست المعضلة إذن في “حرية التعبير” وإنما للأمر معطيات وزوايا أخرى للتعامل معه، فالحرية بما هي حرية لـ “فرنسا” وليست بشكل مطلق كما هو منصوص عليه في الدستور الفرنسي.

 

حرية التعبير في فرنسا محاصرة مرة أخرى

 

المجلس الأعلى للإعلام المرئي والمسموع في فرنسا، والتابع للحكومة الفرنسية؛ رفع دعوى قضائية أمام مجلس الدولة عام 2003 ضد قناة المنار الشيعية، والمحسوبة على حزب الله اللبناني؛ لأنَّ القناة تقوم ببث مسلسل سوري يدعى “الشتات” يتناول بشكل تاريخي موثق نشأة دولة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية. الدعوى القضائية كلفت القناة منعها من البثّ على الأقمار الأوروبية في فرنسا، فقط لأنها تعادي السامية.

 

الهجوم على السينما بزجاجات المولوتوف!

 

هذه المرة لم تكن من قبل الحكومة، وإنما من قبل بعض المجموعات المسيحية “المتطرفة” من الفرنسيين. حين هاجموا السينما التي تعرض فيلم “الإغواء الأخير للمسيح” للمخرج الإيطالي مارتن سكورسيزي، صور سكورسيزي المسيح باعتباره بشرًا يتزوج من عاهرة، تأتيه مخيلات جنسية وهو معلق على الصليب، يعيش التردد والشك في الرسالة المسيحية. ظهر الفيلم عام 1988بالاعتماد على رواية “الإغواء الأخير للمسيح” للكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكي. كان الهجوم بزجاجات المولوتوف فأصيب ثلاثة عشر شخصًا منهم أربعة أصيبوا بحروق شديدة.

لا يملك أحد الحق في الصدام مع مشاعر الملايين الذين يعتبرون المسيح أهم من الأب والأمّ، كان هذا تعليق رئيس أساقفة باريس على الفيلم. لكنه بعد الهجوم أدان الهجوم.

المخرج الإيطالي مارتن سكورسيزي مخرج الفيلم

 

 

قام بالهجوم مجموعة مسيحية كاثوليكية فرنسية متطرفة. هذه كانت جولة في مواقف فرنسية تحاصر “حرية التعبير”. فهل حرية التعبير دون سقف؟ ولو أنها تخضع كذلك فلماذا تخضع بعض الآراء للحظر؟ في مدينة النور والحرية، باريس؟

المصادر

تحميل المزيد