“إن ما يحصل في سوق الذهب لا يعني أكثر من أن الذهب مادة أولية كغيرها من المواد عرضة للمضاربة، وأن ارتفاع سعر الذهب بهذه النسبة القياسية ليس إلا نتيجة مضاربة يقوم بها حفنة من المضاربين يتنازعون خلالها على كمية محدودة جدًّا من الذهب، الأمر الذي يمكن أن يحصل عكسه والأمر الذي يؤكد أن الذهب لا يمكن أن يشكل مرتكزًا للنظام النقدي الدولي أو مرتكزًا فيه”.

كان هذا ما قاله بكل وضوح وصراحة حاكم بنك أمريكا المركزي في اليوم الذي بلغ فيه سعر الذهب 800 دولار.

تبدأ الحكاية في عام 1971، حين خرج الرئيس الأمريكي نيكسون قائلاً وبدون مقدمات: الولايات المتحدة لن تسلم حاملي الدولار ما يقابله من ذهب، والدولار سيُعوَّمُ أي ينزل في السوق تحت المضاربة وسعر صرفه يحدده العرض والطلب، وأنه تم إغلاق نافذة مبادلة أمريكا دولاراتها بما يقابلها من ذهب، وعليه فهي تعتبر أن الذهب هو معدن ثمين، وليس له علاقة بالنقد والمال.

منذ هذا الحين والذهب غاب عنه وصف أنه نقد، وأصبح مثله مثل بقية السلع يتأثر بالعرض والطلب، لكن يبقى أنه ما زال يحتفظ برونقه ولمعانه كخيار للاستثمار، وذلك لعدة أسباب تتعلق بطبيعة إنتاجه واستخداماته، فأصبح من الطبيعي ارتفاع أسعار الذهب، بسبب قلة مناجم الذهب على مستوى العالم.

فالذهب ما يزال واحدًا من أهم المعادن الثمينة في العالم. هناك ما يقرب من 130000 طن من الذهب سواء مستخرج أو ما زال تحت سطح الأرض، والذي يمكن استخراجه اقتصاديًّا، حيث إن هناك أكثر من 50000 طن من الذهب الذي لم يتم استخراجه يقع تحت الأرض، وهو يعتبر احتياطي الذهب، وهذا مؤشر مهم جدًّا لأنه يعني بالضرورة قلة المعروض، والذي يجعل منه للوهلة الأولى بيئة استثمار آمن تستحق التحليل والدراسة بكل تأكيد.

بداية ما معنى الاستثمار الآمن؟

هو الاستثمار الذي يكون في وقت الأزمات هو الرابح، وهو بكل تأكيد يصعب أن يتأثر بعوامل سهلة التغير، بمعنى أصح كلما كانت ظروف السوق سيئة يكون هو الورقة الرابحة، ليصبح طوق النجاة للمستثمر فيعوض عليه الخسائر التي تكبدها في الاستثمارات الأخرى.

ترى ما هو سبب جاذبية الذهب كاستثمار؟!

للذهب كاستثمار خصائص مختلفة عن الاستثمارات الأُخرى، حيث يكون اهتمام المستثمر في سوق الذهب قويًّا، وذلك يجعل سيولة السوق عالية مُقارنة مع بعض أشكال الاستثمارات الأُخرى. السيولة العالية معناها أن هناك فرصة أفضل في إيجاد مشتري عندما تريد البيع، وكذلك إيجاد بائع عندما تريد أن تشتري.

اليوم وفي عصر الإنترنت أصبحت المتاجرة بالسلع الأولية أكثر من مجرد عمل شيّق وذلك مع توافر أسعار السلع الأولية في الوقت الحقيقي، ناهيك عن خدمات الرسوم البيانية المباشرة وظهور تقنيات التحليل التقني وتطورها بشكل سريع، واستخدام خوارزميات التعلم الآلي من الذكاء الصناعي في عمليات التحليل والتوقع للأسعار، حيث أسهمت تكنولوجيا المعلومات في هذا النوع من خدمات المتاجرة بالسلع الأولية، والذي كان في السابق مقصورًا فقط على المتاجرين الأثرياء والمحترفين، ليصبح اليوم متاحًا للجميع.

نجد هنا أن فكرة الاستثمار في الذهب ترتكز على عدة عوامل:

1- القيمة الشرائية للعملات الورقية في تآكل مستمر.
2- كمية العرض من الذهب محدودة.
3- سهولة نقله.
4- الثقة.
5- التغيرات السياسية التي لا يمكن بحال التنبؤ بها، والتي تجعل منه اقتصادًا لا يرتبط بدولة أو حكومة ذا ميزة عن غيره.

ميزة الذهب عن غيره هو أنه مصدر ثقة كاحتياطي فما زال هناك هذا الوهج الجذاب الذي يكون فقط عند ذكر اسمه، فمثلاً لا يمكن دمج معدنين لإنتاجه. نجد فعلاً أنه من أهم المعادن النفيسة على مر التاريخ، فهو مصدر الثقة سواء اختلفنا أم اتفقنا على مدى منطقية ذلك من عدمه.

فالذهب دائمًا ما ينظر إليه على أنه معيار للجمال، نتيجة ألوانه البراقة، بالإضافة إلى أن الذهب يعتبر من السلع النادرة، والتي تحافظ على قيمتها مع مرور الوقت، حيث يتم تقييمه بشكل فريد بسبب مقاومته طويلة المدى لتوجهات السوق الشديدة التي يمكن أن تؤثر على البضائع والاستثمارات الأخرى.

فعلى مستوى العالم يعد الذهب سلعة آمنة للمستثمرين في ظروف متأثرة بعدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي والعسكري. فهو استثمار متنوع مزدهر، يحد من التهديدات الخاصة بإدارة المحفظة المالية. ومن ناحية أخرى نجد أن شراء الذهب والفضة هو الوسيلة الأمثل للحفاظ على القوة الشرائية على مر الزمن، بينما نجد في المقابل، أن القوة الشرائية للعملات الوطنية تبلى. ولذلك وضعت البنوك المركزية والحكومات اتجاهًا طويل الأجل يؤدي إلى الإقلال من العملة.

فالمصارف لا تشتريه للاستثمار، أي أنها تشتريه لأن سعره سيزيد بعد فترة بقدر ما أنها تشتريه فقط كنوع من الاحتياطي النقدي والذي يساهم في إعطاء الثقة للناس، وما يبرهن على ذلك هو تزايد طلب البنوك المركزية على شراء الذهب بكثرة خلال العام الماضي كضمان على الاستثمار من المودعين، ولحفظ قيمة العملة لتلك الدول.

هذا الجانب لا يطغى عليه الجانب العلمي بقدر ما يغلب على الأمر الجانب السيكولوجي، حيث إنه عندما تسوء الأمور هذا يغطي الخسائر (تغطية خسائر محتملة) نعم نلاحظ هنا أنه يوجد أزمة ثقة في الأوراق النقدية فلا ثقة اليوم بالدولار أو اليورو أو غيره، ولذلك يجري البحث عن بديل للنقد، وظهور البت كوين هو خير دليل على ذلك، وعلى أنه بلا مستقبل على المدى البعيد.

هل أصبح الذهب أقل تفاعلاً مع الأزمات مقارنة بالفترات السابقة؟ وهل فقد بذلك صفة الملاذ الآمن؟

نجد أنه ومن خلال مقارنة الفترات السابقة وبشكل واضح ضعف استجابة الذهب للأزمات، سنجد مثلاً أنه في عام ١٩٨٠ تفاعل الذهب بقوة مع الأحداث السياسية والاقتصادية وأظهر التعريف الحقيقي لوصفه بالملاذ الآمن، حيث شهد هذا العام توترات سياسية كثيرة، حيث قامت قوات الاتحاد السوفيتي حينها بغزو أفغانستان واحتلالها بالكامل، وفي نفس الفترة تقريبًا كانت هناك الثورة الإيرانية، والتي أطاحت بالشاه والتي نتج عنها توترات مع أمريكا في أزمة رهائن السفارة الأمريكية، والذي انعكس بدوره على اقتصادات دول كبرى كأمريكا، حيث وصل الأمر لبلوغ معدل التضخم وأسعار الفائدة ومعدلات البطالة مستويات عالية جدًّا، لنجد هنا الاستجابة الحقيقة من الذهب مع الأحداث السياسية ليحقق سعرًا تاريخيًّا حينها 1980، حيث بلغ 850 دولارًا، وهو ما يساوي أكثر من 2400 دولار بأسعار اليوم، إذا ما قمنا باحتساب عوامل التضخم.

ولعلنا هنا نلاحظ جليًّا أننا أمام احتمالين: الأول أن الأحداث الاقتصادية والسياسية المتلاحقة في وقتنا الحالي ليست بالسوء الكافي ليتفاعل معها الذهب و يرتفع إلى مستويات تاريخية جديدة، والثاني أن تحليل الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا أصبح من الماضي ولم يعد صحيحًا، فلا يمكننا أبدًا تجاهل انخفاض الذهب المستمر وسط أحداث اقتصادية أقل ما يقال عنها أنها غير عادية، كما لا يمكننا مع ذلك تصنيف الأحداث السياسية والعسكرية آخر ثلاث سنوات بأنها عادية.

الآن وبعد أن تعرفنا على ماهية الذهب وخصائصه الفريدة التي تضفي بلا شك وهجًا عند التفكير في الاستثمار فيه، نجد أننا وعندما نمعن في حقيقة المتغيرات التي تؤثر عليه تكون منفصلة، وكل منها يدور في فلك خاص بعوامل خاصة به، ونحن هنا سنحاول أن نسلط الضوء على المتغيرات التي تجعل من سعر المعدن النفيس يتغير صعودًا وهبوطًا.
لعل العامل الأول والذي لا يمكن إغفاله بحال من الأحوال هو:

سعر الدولار

إن سعر العملة التي يباع بها الذهب تلعب دورًا كبيرًا في ارتفاع سعره أو انخفاضه. فبعد فك الارتباط بالذهب أصبح الدولار مغطى بالاقتصاد الأمريكي. والاقتصاد الأمريكي هو بالتأكيد ليس وحدة ثابتة المقاس. فنجده تارة يكون في حالة نمو وازدهار، وفائض في الميزان والحساب الجاري، والذي يتقوى على أساس ذلك الدولار. ولكن هناك فترة يعاني الاقتصاد فيها من الكساد ومن عجز في الميزانية وبقية الحسابات الأخرى؛ فيضعف الدولار تبعًا لذلك.


وها نحن الآن قد وصلنا ربما إلى مرحلة سوف يبدأ بعدها الاقتصاد الأمريكي بالتحسن. ولذلك ينعكس ذلك على قيمة الدولار، الذي هو بمثابة مرآة لذلك الاقتصاد. وباعتبار أن النفط ليس هو السلعة الوحيدة التي تباع بالورقة الخضراء، فالحقيقة أنه ما يزيد عن 85% من الصفقات الدولية تتم بواسطة الدولار، لأنه عملة الاحتياط الرئيسة في العالم، ولذلك يؤدي ارتفاع سعر صرفه إلى انخفاض أسعار الصفقات التي تتم بها ومن ضمنها الذهب.

الاقتصاد


نجد من هنا أن الاقتصاد هو محور مهم جدًّا لدراسته وتحليله، لأنه يعكس بالطبع قوة الدولار والعملات المقابلة له، والتي من الممكن أن تؤثر عليه.


لعل المتابع عن قرب يرى وبوضوح أن العالم مقبل على تطورات وتداخلات وتجاذبات مالية واقتصادية، والذي سوف يؤدي إليها هو تنافس جديد وقريب بين ثلاث مجموعات أو كتل اقتصادية دولية ضخمة، هي: الولايات المتحدة الأمريكية ومن يدورون في فلكها الاقتصادي والتجاري مثل المكسيك وكندا، والصين ومن يدورون (أو سوف يدورون) في فلكها الاقتصادي والتجاري مثل روسيا واليابان وكوريا الجنوبية، ومجموعة دول الاتحاد الأوروبي ومن يدورون (أو سوف يدورون) في فلكها الاقتصادي والتجاري مثل تركيا وبقية الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي السابق.

ولعل هذا المتغير أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية تتميز فيه عن غيرها بعد أن أصبحت تشهد نموًا متسارعًا بعد موجة تباطأ فيها النمو في الربع الأول من عام 2014، حيث إن تعافي قطاع العقارات أصبح واضحًا، هذا بالإضافة إلى انخفاض معدلات التوظيف والتحسن الملموس في ميزانيات أفراد القطاع العائلي وهو ما سنوضحه بالتفصيل لاحقًا.

في المقابل نجد أن منطقة اليورو تشهد توقفًا للنمو، والذي يعكس بالطبع هشاشة وضعف اقتصادات المنطقة ككل. ففرنسا مثلاً لم تحقق أي تقدم مع تراجع الاقتصاد الإيطالي، ناهيك عن تعرض منطقة اليورو لخطر التضخم المنخفض مع توقعات باستمراره طويلاً، ساحقًا معه الطلب والإنتاج والنمو والوظائف؛ مما جعل انخفاض معدلات التضخم تصل لأدنى معدل لها منذ 2009 دون أية تدابير لعكس الانخفاض مما رافقه تراجع في الناتج الصناعي نظرًا للنقص الحاد في إنتاج الطاقة، وأدى الانكماش الاقتصادي إلى تقليل نسبة استهلاك الفرد للطعام، ويوقف الاستثمار لأنه يرفع من أسعار الاستدانة.

لا يختلف الحال كثيرًا في الصين فالعلامات السلبية في الاقتصاد الصيني هي المسيطرة حتى الآن فقد جاءت توقعات توسيع الخطط التحفيزية بعد أن خابت توقعات ارتفاع الصادرات، ليزيد الطين بلة بزيادة الواردات أيضًا. أما في اليابان فقد انكمش الاقتصاد الياباني خلال الربع الثاني من عام 2014، والذي كان بسبب إجراءات رفع سعر ضريبة القيمة المضافة، إلا أنه من المتوقع أن يتعافى معدل الاستثمار الخاص مما سيسهم في تحقيق نمو مستقر بحلول عام 2015.

وما تزال الاقتصاديات الناشئة والنامية تشكل النصيب الأكبر من حيث التأثير على وتيرة نمو الاقتصاد العالمي، إلا أن احتمالات تباطؤ النمو ما تزال قائمة بسبب ضعف الطلب على المستوى المحلي، وتزايد المخاطر السلبية التي أهمها المخاطر الجيوسياسية.

الشكل البياني التالي يوضح نمو مؤشر ستاندرد آند بورز 500 لأسواق الأسهم الأمريكية، والذي حقق نموًا قدره 167%، يليه مؤشر فوتسي 100 لسوق الأسهم البريطانية بنسبة نمو وصلت لـ 81%، بينما مؤشر أسواق الأسهم الألماني داكس 30 حقق نموًا بنسبة 162%، وأخيرًا مؤشر سوق الأسهم اليابانية نيكاي 225 حقق نموًا بنسبة 103%.



صندوق النقد الدولي

هل نتجنب المخاطرة بعد التوقعات السلبية من صندوق النقد الدولي؟
سادت حالة من الحذر سيطرت على المتعاملين في الأسواق المالية، خصوصًا بعد إعلان صندوق النقد الدولي عن خفض توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي للمرة الثالثة هذا في عام 2014، ووسط تحذيرات من الفقاعة السعرية للأصول المالية بسبب السياسات النقدية التوسعية ومستويات الفائدة الصفرية التي تبنتها البنوك المركزية الرئيسة حول العالم إبان الأزمة المالية العالمية.

وقد أضاف الصندوق نظرة مستقبلية سلبية هي الأخرى على الأسواق القوية في منطقة اليورو واليابان، وحتى الأسواق الناشئة لم تسلم من هذه التوقعات السلبية مثل البرازيل، هذا في الوقت الذي نشهد فيه توترات سياسية حادة في أنحاء كثيرة؛ مما يعزز من مخاطر سلبية قد تؤثر على الاقتصاد العالمي ككل، الأمر الذي جعل صندوق النقد الدولي يخفض من توقعات النمو للاقتصاديات المتقدمة لعام 2015 إلى 2.3% بينما كان توقعه لنسب النمو العالمي في 2015 هو 3.8%.

البيانات الأمريكية الإيجابية

هي بالتأكيد عامل سلبي رئيس يضغط على أسعار الذهب، فما تزال البيانات الأمريكية هي أحد أهم المحركات الرئيسة في التأثير على تعاملات أسواق الذهب، ويرجع ذلك لعدة أسباب من أهمها: سهولة التكهن بقرارات الفيدرالي المستقبلية، والذي يساعد في ذلك جودة البيانات الاقتصادية.

وبالفعل، لم تتوقف البيانات الأمريكية عن إظهار مدى قوة وتعافي الاقتصاد الأمريكي في الآونة الأخيرة، وهو ما كان عاملاً أساسيًّا في جعل الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) ملتزمًا بخطته الأساسية، مما أوقف سياسات التخفيف الكمي تدريجيًّا منذ بداية عام 2014 وحتى أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بعد أن وصلت ميزانية البنك إلى 4.5 تريليون دولار أمريكي.

ومن الجدير بالذكر أن تقرير الوظائف الشهري أظهر ارتفاع نمو الوظائف، والذي وصل لأعلى مستوى له خلال ثلاثة أعوام ليكون عدد الوظائف قد وصل إلى 321 ألف وظيفة جديدة في نوفمبر/ تشرين الأول، مما جعل عام 2014 أفضل عام لنمو الوظائف منذ عام 1999.

أصبح الآن الحديث جاريًا عن الموعد الذي سيرفع فيه الفيدرالي سعر الفائدة، والتي كانت عند مستويات صفرية منذ الأزمة العالمية. هذا الحديث الإيجابي أدى على الفور إلى إعادة توزيع رؤوس الأموال على الصعيد العالمي، أو إن شئنا الدقة فمعناه إعادة التنويع للمحافظ الاستثمارية من المستثمرين، والذي تضمن معه تقليص حجم الاحتفاظ بالذهب والتخلص من عبء تكلفته العالية نسبة إلى عائده الضئيل، والتوجه إلى أسواق الأسهم ذات العائد الأكبر.

كما أن وقف سياسات التخفيف الكمي من قبل البنك المركزي الأمريكي، والتي كانت سببًا في تضاعف أسعار الذهب في الثلاثة أعوام التي تلت الأزمة المالية العالمية (2008) ساهمت في التأثير سلبًا على الذهب، مع تلاشي المخاوف بشأن انخفاض قيمة الأصول أو ارتفاع التضخم بفعل تلك السياسات.

النفط

ارتبط النفط والذهب بعضهما البعض كزوجين يؤثر كل منهما على الآخر طرديًّا، ومن هنا نجد أن دراسة هذا العامل ترتبط بشكل وثيق بمستقبل الذهب.

ونحن هنا نلاحظ ركودًا في سوق النفط وقلة ملحوظة في الطلب عليه مع زيادة مستمرة في الإنتاج، ولعل السبب يكمن في وجود 2.7 مليون برميل يومي زائد عن حاجة السوق، منها 1.8 مليون برميل من خارج أوبك و900 ألف من أوبك، وهو ما شكل ضغطًا على الأسعار بقوة، وما زال سيناريو الانخفاض مرشحًا بعد قرار مجموعة أوبك في اجتماعها الأخير بعدم تخفيض الإنتاج، القرار الذي جاء مسيسًا، والذي كان بضغط سعودي على إيران وروسيا، والذي جاء ليشكل ضغطًا اقتصاديًّا على كليهما في المقام الأول.

هذا بالإضافة لارتفاع معدلات إنتاج النفط الأمريكي من مصادر تقليدية وصخرية إلى 9 مليون برميل يوميًّا، ليقترب من إنتاج السعودية (أكبر منتج للنفط) بـ 9.6 مليون برميل, الأمر الذي واكبه توسيع الولايات المتحدة الأمريكية لشبكة النقل بالأنابيب لخليج المكسيك لتزويد مصافيها؛ والذي سيجعل من أمريكا تستغني عن استيراد النفط من غرب أفريقيا، وهو بالتأكيد يعني توفر كميات إضافية من النفط الأفريقي ليبحث هو الآخر عن زبائن.

التغيرات السياسية

لعل أكبر مثال على هذا العامل هو التغيرات السياسية الأخيرة في أوكرانيا، والتي وقعت بسببها على روسيا عقوبات دولية نتيجة تلك التحركات التي قامت بها روسيا. لكن يبقى الأمل المرهون في يد بوتين ليغير من سياساته أملاً في رفع هذه العقوبات وتخفيف الضغط الحالي على الاقتصاد الروسي، لكن هناك توقعات أن ضغوطًا داخلية ستجعله يقوم بالمزيد من المغامرات الإقليمية. وإذا كان الخيار الثاني هو محل التنفيذ في الفترة القادمة فهو لن يعني بلا شك سوى المزيد من العقوبات التي ستفرض على روسيا، وهي العقوبات التي ستقابلها روسيا وقتها بعقوبات مماثلة على إمدادات الطاقة الروسية لأوروبا، والذي سيعني زيادة حدة الركود في القارة العجوز، وتقليص التداعيات الإيجابية التي خلفها انخفاض أسعار النفط على الاقتصاد العالمي.

تحسن الطلب

لكن نجد وبحسب موقع (فينانشال نيوز) أن الذهب لا يعني قيمة ثابتة مخزنة، فإنه من الأساطير عن الذهب أنه يشكل قيمة ثابتة حين يخزن، لكن الواقع أنه ككل السلع الأخرى، سعر الذهب يتعرض للصعود والنزول، حسب الطلب عليه، ويذكر التاريخ حادثة نهب الإسبان لأمريكا الجنوبية، حين أتوا بالذهب والفضة لأوروبا، فأغرق السوق به، مما جعل سعره يوازي أسعار الأشياء العادية.

كان وما زال الذهب دائمًا واحدًا من المعادن الأكثر صعوبة في الاستخراج والتنقيب، حيث يعتبر في هذه الأيام استخراج الذهب من المناجم من المشاريع التي تتطلب الكثير من رؤوس الأموال وتستغرق وقت طويل لتحقيق الأرباح من استخراج الذهب.

أصبح اليوم من الملاحظ الانخفاض الشديد للأسعار العالمية للذهب، والذي أصبح غير مشجع على زيادة استخراجه نظرًا لأن من أهم العوامل التي كون الاعتماد عليها بنسبة كبيرة هي تكلفة الإنتاج بالنسبة لسعر البيع حتى وصلت اليوم لمعدلات تكاد تكون متقاربة ومن المتوقع أن تظل هذه النسب كذلك في المستقبل القريب. أما في حالة الاضطرار لارتفاع التكلفة المطلوبة لعملية الاستخراج للذهب لأسباب فنية، والتي لا علاقة لها بالعرض والطلب مثل زيادة عمق المناجم مثلاً، فإنه وبكل تأكيد ستتغير العلاقة بين السعر وتكلفة الاستخراج، والذي يصل متوسط إنتاج الأونصة عالميًّا عادة إلى 1200 دولار.

وقد أفاد تقرير (سينار) أن استخراج الذهب وإنتاجه يتم من عدة مصادر وهي:

1- الذهب المستخرج من المناجم: والذي يشكل 62.75% من إجمالي كمية الذهب المعروض. يبقى أن نشير إلى أن الكميات المعروضة من المناجم غير مرنة نسبيًّا.

2- الذهب المعاد تصنيعه: حيث يشكل 27.25% من إجمالي كمية الذهب المعروض.

وإننا نجد أنه علميًّا الذهب معدن كغيره من المعادن يخضع لشروط العرض والطلب والمضاربات ربما، وهناك معادن أخرى يستفيد منها الاقتصاد أكثر من الذهب كالنيكل والفولاذ والحديد على سبيل المثال لا الحصر، وذلك بسبب ضآلة مخزونات المعادن الصناعية مقارنة بغيرها من السلع، ومن المنتظر أن تتجه الاستثمارات إليها وترتفع أسعارها وعلى وجه الخصوص النيكل نتيجة شح الإمدادات، بينما ستضغط العوامل الاقتصادية غير المواتية على الذهب وتدفع المستثمرين للابتعاد عنه قليلاً.

ترى هل يتبع الذهب التوترات السياسية أم البيانات الاقتصادية؟!

إلا أن إجابة هذا السؤال خصوصًا يستحيل أن تكون إجابة قطعية بالثبوت أو النفي، فهو خاضع لتشابكات وارتباطات تجعل من الصعب علينا التحليل والربط والتوقع بشكل جازم.
من المنطقي مثلاً نتيجة لعدم وجود توترات سياسية أو انخفاض معدل التضخم على مستوى العالم أو غيرها من الأسباب التي تؤثر في الطلب على الذهب أن نجد انخفاض في سعر الذهب في السوق العالمي. والسر في الاستثمار في الذهب بحسب الخبراء، يكمن في إمكانية مراقبة أسعاره في السوق المحلية بشكل مباشر، وتتبع تقلباته. فقد أصبح الاستثمار في الذهب من أكثر أشكال الاستثمار أمانًا في أي ظرف من الظروف، وذلك لأنه سهل التسييل، وبما أن مستوى المخاطر في استثمار الذهب منخفض جدًّا، والذي يتميز بأداء استثماراته الجيدة خلال الأزمات المالية، فمن المستحسن لكل مستثمر أن يحتفظ على الأقل بـ 10% من المحفظة الاستثمارية على شكل ذهب.

إلا أننا نجد على النقيض مثلاً مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) تحتفظ برصيد من الذهب ضئيل نسبيًّا حيث تبلغ قيمته 1625 مليون ريال، والذي يشكل نسبة 0.009% من موجوداتها البالغة 1.74 تريليون ريال، حيث يبدو أن مؤسسة النقد العربي السعودي تأخذ بالمقولة الاقتصادية “الذهب لا يدر دخلاً سنويًّا” وقامت باستثمار 68% من موجوداتها في الأوراق المالية الأجنبية بقيمة 1.181 تريليون ريال.

ولكن من ناحية أخرى لا يمكننا أن نغفل أن الذهب ما زال هو الملاذ الآمن وخصوصًا مع التوترات السياسية، وهو ما ظهر جليًّا في عام 2006، حيث كان الذهب مع موعد لانطلاق أسعاره لأسباب سياسية بالمقام الأول، والتي كان أهمها ما حدث في الولايات المتحدة وحروبها على أفغانستان والعراق من بعدها، والذي تجاوز ارتفاع الأونصة حينها نسبة 20% سنويًّا، والتي تضاعفت في أواخر عام 2010.

التوتر السياسي المصاحب للأزمة الأوكرانية فقد لاحظنا تأثير تفعيل الرئيس الأمريكي أوباما عند تطبيقه العقوبات على الشركات والشخصيات الروسية، والذي أثر بدوره على مؤشر يوروفرست 300 للأسهم الأوروبية الكبرى.

وفي عام 2013، نجد انهيار السعر للأونصة بشدة في نيسان، ففي خلال يومين فقط تراجع مؤشر بورصة الذهب للأونصة الواحدة بنحو 200 دولار، هذا التراجع الذي كان من أهم أسبابه انخفاض استثمار كل من الهند والصين بالذهب بنسبة وصلت إلى 30% من إجمالي استثماراتها في الذهب، وذلك كان بسبب أن الهند شهدت – والتي تعتبر ثاني أكبر بلد مستهلك للذهب- أرقامًا قياسية في العجز بالحساب الجاري، والذي وصل إلى 4.8% والذي يعادل 88 مليار دولار أمريكي، والذي رجح انخفاض طلبها مستقبلاً بسبب قيام الحكومة الهندية بزيادة الرسوم على عملية الاستيراد للذهب، وخفض قيمة العملة الروبية، والذي توقع البنك الاحتياطي الهندي نسبة نمو قيمتها 5%، وهو ما يعتبر أدنى مستوى منذ عشر سنوات.

كذلك ومن ناحية الاقتصاد نجد أن ارتفاع سعر الدولار الأمريكي وصل إلى أعلى مستوى له منذ خمس سنوات مقابل سلة العملات الرئيسة، والذي بدوره أدى إلى تراجع الطلب على الذهب، والذي دعم هذا التراجع بقوة هو التحسن التدريجي في قوة الاقتصاد الأمريكي مع نسبة نمو متوقعة قيمتها 1.5% وانخفاض معدلات البطالة، والتي وصلت إلى أقل مستوى لها منذ 5 سنوات؛ مما جعل هناك تحسنًا ملحوظًا في الظروف المعيشية، والذي بدوره يضغط على سعر الذهب لأسفل حيث يقل الطلب عليه.

إلا أنه ومن الغريب أن نعرف أنه بالإحصائيات تبين المؤشرات الاقتصادية العالمية أن نمو الذهب وصل إلى 300% في 15 عامًا، بينما نجد النمو لمؤشر داو جونز80 % في 15 عامًا.

لكن على النقيض وبالرغم من خسارة الذهب 30% من قيمته هذا عام 2014 لاقاه ارتفاع في مؤشر داو جونز بنحو 23 %؛ مما يدل على أن الاستثمار في الذهب أجدى اقتصاديًّا من الاستثمار في الأوراق المالية.

ومؤشر الداو جونز أو الداو 30 هو مؤشر صناعي لأكبر 30 شركة صناعية أمريكية في بورصة نيويورك، وهو بالمناسبة أقدم مؤشر في العالم حيث كانت أول شركاته شركة جنرال إليكتريك.

لكننا نجد أن مؤشر S & P 500 هو واحد من المعايير الأكثر شيوعًا لسوق الأسهم في الولايات المتحدة بشكل عام. بالرغم من أن مؤشر داو جونز الصناعي (DJIA) كان في وقت سابق المؤشر الأكثر شهرة للأسهم الأمريكية، ولكن لأن مؤشر داو جونز الصناعي يحتوي على 30 شركة فقط، أصبح الآن معظم الناس يتفقون على أن S & P 500 هو التمثيل الأفضل لسوق الولايات المتحدة نظرًا لاحتوائه على أكبر 500 شركة في جميع المجالات الصناعية في السوق الأمريكية. في الواقع العديد يعتبرون أن S & P 500 هو الممثل الجيد للسوق.

ونجد في الشكل التالي مؤشر S & P 500 موضحًا فيه نسب تمثيل المجالات في المؤشر:

ونلاحظ حسب موقع goldprice من الشكل البياني التالي تمثيل حركة مؤشر الذهب خلال العشر سنوات الماضية:

من هنا ووفقًا لموقع finance سنجد في الشكل التالي التمثيل البياني لحركة مؤشر S & P 500 خلال العشر سنوات الماضية:

ومن هنا يتضح لنا أنه قد تكون صورة مستقبل أسعار الذهب غير مفهومة كثيرًا لحاملي المعدن النفيس سواء كانوا ممن اشتروه كسبائك أو مجوهرات. إلا أنه وبسبب السيكولوجية الموروثة عند الناس قديمًا عندما كان الذهب نقدًا فنجد أنه استعمل في الاستثمار ولزمن طويل جدًّا، وذلك بسبب قيمته العالية ولأنه مورد مستقل. حيث إنه بالطبع ليس خاضعًا لبلدان معينة أو أسواق تداول بعينها. فمن ميزات المعدن الأصفر أنه ليس مرتبطًا بشركات أو حكومات. وبسبب كل تلك الأسباب يلاحظ أن الاستثمار في الذهب يمكن أن يساعد المستثمر في العادة على تجنب بعض المشاكل التي يمكن أن تحصل في البيئة الاقتصادية.

ولأجل تلك الميزات ها هو المجلس العالمي للذهب يرغب في إعطائه من جديد دوره النقدي العالمي، لكن يصعب عمليًّا تحقيق ذلك، والسبب هو كميات الذهب المحدودة والتي لا يمكن أن تغطي حجم التجارة العالمية التي أصبحت كبيرة جدًّا جدًّا.

يتبقى في النهاية أن ننصحكم عند شراء السبائك أو العملات الذهبية باتخاذ بعض الإجراءات، لكي لا تقعوا فريسة الغش، والذي من الممكن أن تتعرضوا له في ظل هذه السوق المفتوحة. فحافظ دائمًا على شراء سبائك الذهب من المصادر الموثوقة سواء من تجار الذهب المعروفين أو من البنوك. كما يمكنك أيضًا شراء أصول الذهب عبر الإنترنت من المواقع المعروفة والمؤمنة عالميًّا، وليس المقياس هنا كثرة الإعلانات حتى تضمن عودة نقودك عندما تريد بيع سبائك الذهب الخاصة بك.

أخيرًا وليس آخرًا ننصح المستثمرين بعدم الاستثمار في الذهب في عام 2014؛ حيث إن التوجه الأجدى سيكون هو الاستثمار في شراء المعادن الصناعية، وللمدخرين نقول إنه عند وصول سعر الأوقية عالميًّا لما يقارب 1400$، فالخيار الأفضل في هذه الحالة هو بيع مقتنياتهم من الذهب، وليس الشراء.

عرض التعليقات
تحميل المزيد