في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 مرر برلمان اليونان قانونًا جديدًا للصحافة، وصفته «هيومن رايتس ووتش» بأنه قد يُستغل في معاقبة الصحافيين والحدِ من حرية الصحافة؛ يأتي هذا جنبًا إلى جنب الأنباء المتلاحقة عن ازدياد حالات اعتقالات الناشطين، سواء في مجالات حقوق الإنسان أو العاملين بمنظمات الإغاثة.

وطرحت تلك الأحداث المتلاحقة سؤالًا حول ما إذا كانت البلاد تتجه بخطى حثيثة نحو عودة الاستبداد، في ظل ماضي البلاد الذي شهد دكتاتورية عسكرية عام 1967، لم تزحها عن السلطة سوى الهزيمة في قبرص أمام الأتراك عام 1974، فلماذا يحدث ذلك التضييق وتلك الاعتقالات الآن؟ وما الذي يعنيه كل منهما بالنسبة إلى مستقبل الحريات في الدولة التي لم تنضج فيها الديمقراطية بما فيه الكفاية؟

حصار مكتمل.. ما الذي يحدث في صحافة اليونان؟

“إذا كانت الدول الاستبدادية تُعرف بأنها تلك التي تتحكم فيما تقوله الصحافة وفيما يُنشر في وسائل الإعلام، فإن الأمر نفسه يحدث في بعض دولة توصف بالديمقراطية مثل اليونان”، كان هذا رأي الصحافية أنستاسيا فيتسبولو، في مقالٍ نشر بموقع «Medium» عام 2018 عن حرية الصحافة في البلاد وظروف عمل الصحافيين السيئة، حسب قولها.

كانت منظمة «مراسلون بلا حدود» – وهي منظمة خاصة بمراقبة انتهاكات حرية التعبير – قد أعلنت حينها أن رجال الأعمال ممن يمتلكون شركات النفط والشحن والمصانع هم من يسيطرون على المشهد الإعلامي في البلاد، وهو ما جعل أنستاسيا تتساءل عن وضع حرية الصحافة في أثيناء، والضغوط التي يواجهها الصحافيون أثناء تأدية عملهم، وهو ما أشارت إليه في مقالها بـ«أزمة الصحافة في اليونان».

ويشدد القانون الذي وافق عليه البرلمان مؤخرًا الخناق على «حرية الصحافة»؛ إذ يقضي بتشديد العقوبات على «جرائم نشر الأخبار الكاذبة من طرف المؤسسات الإخبارية أو على مواقع التواصل الاجتماعي»، وهي المادة التي اعتبرتها منظمة «هيومن رايتس ووتش» لحقوق الإنسان سيفًا مسلطًا على الصحافيين أو أي شخص ينتقد سياسات الحكومة.

وينص القانون الجديد على أن «أي شخص يعمد إلى نشر أخبار كاذبة بشكلٍ علني من شأنها أن تعمل على إثارة القلق أو الخوف لدى الجمهور لأو زعزعة الثقة في الاقتصاد الوطني أو القدرات الدفاعية للبلاد أو الصحة العامة، سواء كان ذلك على الإنترنت أو أي مكان آخر، يعاقب بالسجن مدة تصل إلى سنة أو بالغرامة».

ومن جانبها حذرت «هيومن رايتس ووتش» من تأثير هذا القانون على حرية الصحافة والتعبير في البلاد، وإمكانية استغلاله، خاصةً عند الحديث عن قضايا سياسية مهمة، إذا ارتأت الحكومة أنها «أخبارًا كاذبة»، وعن ذلك تشير إيفا كوس وهي باحثة يونانية بمنظمة «هيومن رايتس ووتش»، إلى أن تلك العقوبات الجنائية تعمل في النهاية على جعل الصحافيين يخشون الإبلاغ عن أية قضايا مهمة تتعلق بالصحة والتعامل مع «جائحة كورونا» أو موضوعات مثل الهجرة والسياسة الاقتصادية للحكومة.

وفي 19 نوفمبر 2021 ألقت السلطات القبض على أول متهم في قضية «نشر أخبار كاذبة» وفقًا للقانون الجديد، وهو المحامي نيكوس أنطونيادس، الذي جرى اتهامه بنشر معلوماتٍ كاذبة مُتعلقة بفيروس «كورونا»، وواجه المحامي اتهامات بالتحريض على العصيان، إذ قيل إنه تبنى حملة مناهضة للتطعيم لاعتقاده بعدم فاعلية اللقاحات، وأنها جزء من مؤامرة دولية، حسب اتهام الحكومة.

Embed from Getty Images

محتجون ضد التطعيم الإجباري للقاح كورونا في اليونان

وعلى أثر الاتهام أمر مكتب المدعى العام بالقبض عليه، لكن جرى إطلاق سراحه في وقتٍ لاحق، وغير معروف حتى الآن ما إن كانت القضية ستواصل تحقيقاتها أم لا، لكن اتحاد الصحافيين في أثينا يخشى من استغلال هذا القانون ضد المراسلين الذين يعملون على تغطية أخبار كورونا.

وتعود بداية أزمة الصحافة في أثينا إلى عامي 2008 و2009، عندما تسببت الأزمة الاقتصادية في البلاد – نتيجة للأزمة المالية العالمية – في فقدان أعداد كبيرة من الصحافيين لوظائفهم، وتذرعت المؤسسات الإعلامية بالأزمة المالية، فيما عمدت إلى التخلص من بعض الأصوات الصحافية المزعجة للنظام بشكلٍ انتقائي لأسبابٍ سياسية، حسب أنستاسيا فيتسبولو.

وإلى جانب ذلك أثرت الأزمة في النهاية على أصوات من بقوا في وظائفهم، إذ كان لاحتمالية فقدان الوظيفة في وقتٍ ليس فيه وظائف متاحة على الإطلاق أثرًا في توجيه المناخ الصحافي نحو القصص التي قد تعجب «مدراء التحرير» وتجنب الحديث عن موضوعات أخرى، حسب أنستاسيا فيتسبولو.

وفي ذلك الوقت تحكمت سوق الإعلانات في الصحف، ولأنها سوق محدودة فقد سحب أغلب المعلنين مساهماتهم في الجرائد عقب الأزمة المالية، ولم يبق سوى عدد قليل من المعلنين الذي عمدوا لتنقيح الأخبار والتقارير الصحافية التي تنشر عنهم، وهو الأمر الذي فعلته البنوك أيضًا وفقًا لفيتسبولو، فالبنوك هي التي تدفع رواتب الصحافيين، وكان العاملون بالصحافة يخشون على رواتبهم.

وازداد وضع الصحافة سوءًا في الأعوام التي تلت ذلك، وهو ما أثر على حيادية الصحافة في البلاد، وأوصلها إلى تلك النقطة التي يعمل فيها الصحافيون تحت ظروفٍ سيئة، وجعل مستوى حرية الصحافة في اليونان محدودًا للغاية، كما أشارت أنستاسيا فيتسبولو.

على خطى الدول الديكتاتورية: ارتفاع موجات اعتقال الناشطين في اليونان

يواجه 24 عاملًا في منظمات الإغاثة الإنسانية في اليونان تهمًا بالتجسس وأحكامًا محتملة بالسجن تصل إلى 25 عامًا، وهي القضية التي تأجلت محاكمتها منذ عدة أيام ويواجه فيها العاملون في مجال الإغاثة تهمًا بـ«التجسس والتهريب وإفشاء أسرار الدولة» لمشاركتهم في إنقاذ اللاجئين في جزيرة ليسبوس.

وأصبحت القضية مثارًا للجدل في البلاد بعدما طالبت عدة منظمات حقوقية الحكومة بإسقاط التهم عن النشطاء والعاملين في المركز الدولي للاستجابة للطوارئ – وهي منظمة غير ربحية للبحث والإنقاذ كانت تعمل على جزيرة ليسبوس من 2016 إلى 2018 – وبعضهم من الأجانب.

ومن جانبه، وصف البرلمان الأوروبي بالقضية أنها «أكبر قضية لتجريم التضامن في أوروبا» وذلك في تقرير صدر في يونيو (حزيران) 2021، وفي هذا السياق علَّق أحد رجال الإنقاذ المتهمين في قضايا اللاجئين قائلًا: «لا يهمني من أنت، فأنت لا تستحق أن تغرق في البحر» مؤكدًا أنه يرفض تصنيفهم باعتبارهم مجرمين، وأن كل ما فعلوه هو إنقاذ أشخاص كانوا في أزمة.

Embed from Getty Images

(محامي أحد المتهمين في قضايا اللاجئين أثناء محاكمة جزيرة ليسبوس)

ومن بين المتهمين اللاجئة السورية سارة مارديني، التي استقلت مركبًا من مراكب اللاجئين إلى اليونان مع شقيقتها عام 2015، وهو العام الذي يمثل ذروة أزمة اللاجئين في أوروبا، وألقت السلطات القبض على مارديني لأدائها مهام إنقاذ اللاجئين بالتعاون مع منظمة الإغاثة عام 2018، وقد أطلق سراحها بعد 107 أيام في السجن على أن تمْثُل أمام المحكمة وقت عرض القضية، لكن مارديني غادرت البلاد إلى ألمانيا، فيما يُمثّلها محاميها في المحاكمة.

ولم تكن قضية عمال الإغاثة هي الوحيدة التي تعرضت فيها اليونان لانتقادات دولية، فيما يخص قمع النشطاء أو المعارضين، فقد اعتقلت العديد من المتظاهرين أثناء حفل إشعال الشعلة الأولمبية لـ«أوليمبياد بكين 2022»، وذلك بعدما خرج المتظاهرون إلى ملاعب «أولمبيا» رافعين علم إقليم التبت بغرب الصين مع لافتات كتبوا عليها «لا لألعاب الإبادة الجماعية»، في إشارة إلى انتهاكات الصين بحق أقلية الأيجور في إقليم التبت.

ولم تمر سوى بضع دقائق على بدء التظاهرات حتى ألقي القبض على الناشطين، واستكمل القائمون على الحفل مراسم إشعال الشعلة الأولمبية، وأشارت صحيفة «بوليتيكو» الأمريكية إلى أن بعض الذين ألقي القبض عليهم في وقتٍ لاحق على خلفية الحدث لم يشاركوا في الاحتجاجات، أو يقوموا بأي فعل غير قانوني، بل كانوا ينتظرون أصدقاءهم خارج الحفل.

Embed from Getty Images

(أوليمبياد بكين 2022)

وقام بهذه الاحتجاجات أعضاء في منظمة «التبت الحرة» وهي منظمة حقوقية غير ربحية، أغلب أعضائها من الطلاب أصحاب الحنسية الصينية، وقد سمحت لهم السلطات فيما بعد بمغادرة البلاد، إلا أن المحاكمة مستمرة وقد حدد ميعاد الجلسة القادمة في يناير (كانون الثاني) 2022.

وأصبحت قضية اعتقالات داعمي حقوق إقليم التبت مثار جدلٍ هي الأخرى في الأيام الأخيرة، بعدما طالب أعضاء منظمة «طلاب من أجل تبت حرة» اللجنة الأولمبية بسحب دورة الألعاب الأولمبية لعام 2022 من الصين، وذلك احتجاجًا على انتهاكات حقوق الإيجور واحتلال التبت، وفي المقابل ردت اللجنة الأولمبية على الاحتجاجات قائلة إن بعض الأفراد يحاولون استغلال هذا الحدث لأغراضٍ سياسية.

تجريم الهجرة ومحاكمة من يساعد اللاجئين

تُعد أزمة اللاجئين من القضايا التي برزت على السطح في السنوات الأخيرة في البلاد، خاصةً بعدما بدأت الحكومة في اتخاذ إجراءات جنائية لردع عمليات الهجرة، وجاء ذلك على شكل ملاحقات قضائية أو تهديدات للعاملين في مجال الإغاثة، وعن ذلك تشير الصحافية إلينا بيكاتوروس، إلى أنه على الرغم من نفي المسؤولين بشدة قيامهم بعمل اعتقالات غير قانونية، إلا أن هناك مؤشرات متزايدة تفيد بعكس ذلك. 

وتضيف إلينا في تقريرها أن أغلب القضايا تهدف إلى تخويف المنظمات غير الحكومية، وهناك معتقلون منذ ثلاثة سنوات لم توجه إليهم أية اتهامات حتى الآن، وبالتالي لم يخضعوا إلى تحقيقات أو محاكمات طوال هذه المدة، وحسب تقرير موقع «Medium» فإن ظروف الحريات في اليونان لا تختلف عما تعانيه بعض البلاد التي تحكمها حكومات مستبدة، فاليونان ديمقراطية اقتصاديًا، لكنها فيما يخص الحريات تنهج أسلوب الدول الاستبدادية، ووفقًا لإيفا كوس، الباحثة اليونانية في منظمة «هيومن رايتس ووتش»، فإن نشطاء المجتمع المدني اليوم يعيشون ظروفًا مروعة ويواجهون الترهيب والتهديد والاعتداءات.

إذ أكدت جلسة استماع في الأمم المتحدة عقدت في أكتوبر (تشرين الأول) 2021، لماري لورو المدافعة عن حقوق الإنسان وبعضٍ من النشطاء الآخرين، أن المجتمع المدني في البلاد محاط ببيئة معادية للعمل، خاصةً عندما يتعلق الأمر بقضايا الهجرة.

وكانت السلطات قد سعت لسحب تراخيص بعض منظمات المجتمع المدني في مجال الهجرة، كما سنت الكثير من القواعد والإجراءات لعرقلة أعمالهم؛ وهو الأمر الذي أثار خوف النشطاء الحقوقيين من احتمالية إعاقة المجتمع المدني عن القيام بعمله في اليونان.

ويشير تقرير «هيومن رايتس ووتش» إلى أن خبيرًا في الأمم المتحدة قد استمع إلى الشهادات التي تتهم السلطات اليونانية باستخدام التحقيقات الجنائية لمضايقة وترهيب جماعات المجتمع المدني التي تحقق في الانتهاكات ضد اللاجئين على الحدود اليونانية.

ففي يوليو (تموز) 2021 حققت السلطات مع عشرة أفراد من العاملين في المنظمات المستقلة بدعوى تسهيل الدخول غير القانوني للأجانب من تركيا، وهو ما يشبه تحقيقًا آخر عقد في العام الماضي ضد 33 شخصًا من المجتمع المدني بنفس التهم.

كل هذا يشير بحسب «هيومن رايتس ووتش» إلى أن الدولة تستخدم التحقيقات الجنائية باعتبارها سلاحًا للتضييق على العاملين في المجال الحقوقي، ووفقًا لتقرير المنظمة في أكتوبر 2021، فإن الخوف من الاعتقال التعسفي في اليونان يقف اليوم حائلًا بين الناشطين وممارسة عملهم المدني، وتقديم المساعدات الإنسانية للاجئين على الحدود.

وتواجه اليونان اليوم انتقادات دولية كثير فيما يتعلق بملف حقوق الإنسان والهجرة، فضلًا عن انتهاكات حرية التعبير وتضييق الخناق على الصحافة، وإذا كان كبت الحريات مقياسًا لاستبداد الدول، كما قالت الصحافية أنستاسيا فيتسبولو؛ فإن اليونان على الرغم من تمتعها بديمقراطية إجرائية، فإنها تمضي بضع خطوات نحو الاستبداد.

المصادر

تحميل المزيد