وسط تضارب للأنباء خرج المشير الليبي خليفة حفتر مساء الخميس ليقطع نبأ اليقين معلنًا انطلاق ما سماها «معركة تحرير طرابلس»، مطالبًا سكانها برفع رايات الاستسلام، وقال خليفة حفتر في تسجيل صوتي بثته قناة ليبيا الحدث التابعة له: «لقد دقَّت الساعة وآن الأوان، اليوم سنزلزل الأرض تحت أقدام الظالمين، حان موعد الفتح العظيم. لبيك يا طرابلس لبيك، سندخلها بأمان سالمين»، مضيفًا: «لن نرفع السلاح إلّا على من يرفعه في وجوهنا، مَن ترك سلاحه فهو آمن، ومَن دخل بيته فهو آمن. ارفعوا الراية البيضاء ولا تقاتلوا، سنحافظ على كل الممتلكات والمؤسسات ولن يقربها أحد».

يأتي هذا بعد ساعات فقط من إعلان قوات تابعة لحفتر سيطرتها على مدينة غريان الواقعة على بُعد نحو 100 كيلومترًا جنوب العاصمة طرابلس ودخول قواته إلى كوبري الـ27 على الشريط الساحلي الرابط بين طرابلس والزاوية قبل أن يجبر على التراجع تحت قوة ضربات القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني.

وتطرح العديد من الأسئلة حول توقيت خطوة حفتر هاته في الهجوم على العاصمة الليبية طرابلس، بالأخص أنّها تأتي بعد أيام فقط من استقالة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة تحت ضغط الحراك الشعبي الذي تشهده الجزائر منذ أكثر من شهر ونصف، في هذا التقرير نسلط الضوء على الأسباب التي دفعت حفتر بالاستعجال في مهاجمة طرابلس.

وعد بإنهاء أزمة ليبيا في أسبوعين.. هل ينجح حفتر بالسياسة فيما فشل فيه السلاح؟

مجازفة غير مضمونة

قبل 10 أيامٍ فقط من «المؤتمر الوطني الليبي الجامع» المزمع انعقاده في الفترة ما بين 14 إلى 16 أبريل (نيسان) الحالي بمدينة غدامس الليبية، برعاية الأمم المتحدة و كلّ من مجلس الأمن والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي، وقبل ساعاتٍ فقط من اجتماعٍ مرتقبٍ بين الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس واللواء المتقاعد خليفة حفتر في بنغازي، وفي الوقت الذي كان فيه الأمين العام للأمم المتحدة في اجتماعٍ مع رئيس حكومة الوفاق الوطني قايز السرّاج، أعلن حفتر انطلاق «حملة تحرير طرابلس» مِمن سماهم بـ«المتطرفين»، لتشرع قواته في شنّ عملية عسكرية هي الأكبر التي تتلقاها العاصمة طرابلس منذ سقوط نظام القذافي.

وفور تلقي الأوامر بدأت كتائب حفتر في الزحف نحو العاصمة مسيطرةً على مدينة غريان التي تبعد بحوالي 100 كلم جنوب طرابلس، وقال اللواء عبدالسلام الحاسي، قائد غرفة عمليات المنطقة الغربية في قوات شرق ليبيا (الجيش الوطني الليبي)، أن القوات سيطرت بالكامل على مدينة غريان الواقعة على بُعد نحو 100 كيلومتر جنوبي العاصمة طرابلس وأضاف «تمت السيطرة على مدينة غريان بالكامل، وأنا الآن أتجول فيها».

ثمّ ما لبث أن أعلنت قواتٌ تابعةٌ لحفتر سيطرتها على كوبري الـ27 على الشريط الساحلي الرابط بين طرابلس والزاوية؛ قبل أن تخسرها لفائدة المجلس العسكري التابع لحكومة الوفاق الوطني بمدينة الزاوية في معركةٍ خسر فيها حفتر أكثر من 40 آلية عسكرية، في وقتٍ أكّد فيه مصدرٌ ليبيٌ مطلع من مدينة الزاوية الليبية -رفض الكشف عن هويته- في حديثه مع «ساسة بوست» إلقاء القبض على سرية 107 التابعة لحفتر وتسليم عتادها المقدرة ب 50 آلية، وأسر 120 جنديًا تابعًا لقوات حفتر.

وأكّد ذات المصدر أنّ التشكيلات المسحلة التابعة لمناطق الزاوية وجنزور وطرابلس استطاعت السيطرة على الأوضاع وطرد قوات حفتر الى منطقة العزيزية والهيرة جنوب طرابلس 60 كم، وأضاف أنّ «حفتر مهددٌ بتقليص دوره في المشهد ما بعد المؤتمر الجامع، ويحاول أن يكسب بعض الانتصارات العسكرية ليكون له دور وحضور أوسع، غير أنّ الانتصار في معركة طرابلس غير مؤكد نظرًا لوجود قوة تعدادها أكثر من 10 آلاف مقاتل في صفوف التشكيلات التابعة لحكومة الوفاق الوطني مما يصعب من مأمورية قوات حفتر في الدخول إلى طرابلس».

من جهة أخرى، وأمام هذه التطورات الخطيرة؛ أعطى فائز السراج، رئيس حكومة الوفاق الليبية، الضوء الأخضر لرئاسة أركان القوات الجوية، بتنفيذ طلعات جوية، واستعمال القوة للتصدي لكل ما يهدد حياة المدنيين، كما أعلنت قيادات وثوار من مدينة مصراتة -200 كم شرق طرابلس-، النفير العام وتحريك كتائبها العسكرية باتجاه طرابلس للدفاع عن حكومة الوفاق، وطالبوا السراج بإعطاء الأوامر لجميع قادة المناطق في المنطقة الغربية، لمواجهة تلك القوات؛ كما أمرت قيادة المنطقة الوسطى كتائبها بالتحرك إلى طرابلس لحمايتها من قوات حفتر، وكانت وزارة الداخلية الليبية قد أعلنت حالة الطوارئ القصوى واستدعت كافة وحداتها الأمنية بمواجهة أي خرق يمسّ العاصمة طرابلس.

قصة الصراع الممتد في ليبيا على عرش القذافي

هل قضى حفتر على نفسه؟

دون سابق إنذار وبينما كانت القوى الدولية والإقليمية تتابع التحضير لانعقاد المؤتمر الوطني الجامع الذي اتفقت على تنظيمه اللجنة الرباعية منتصف هذا الشهر، أعاد المشير خليفة حفتر الأزمة الليبية إلى نقطة الصفر، بعد أن كانت بارقة أمل تظهر لحلّ الأزمة التي طالت منذ ثماني سنوات، ولأوّل مرةٍ يجتمع العالم على إدانة خطوة حفتر التصعيدية بالهجوم على طرابلس، فلم تمض سوى سويعاتٍ على إعلان حفتر انطلاق حملة تحرير طرابلس حتى بدأت المواقف الدولية تتولى لإدانة الحل العسكري الذي يتبناه حفتر.

وفي الوقت الذي دعت فيه بريطانيا مجلس الأمن إلى جلسة تباحث للتطورات التي تشهدها العاصمة الليبية طرابلس على خلفية هجوم حفتر، أصدرت كلٌ من فرنسا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة والإمارات بيانًا مشتركًا عن التطورات في ليبيا أعربت فيه عن قلقها البالغ من التصعيد الخطير الذي تشهده العاصمة طرابلس، ودعت الدول الخمس جميع الأطراف إلى وقف القتال، معتبرةً أن التهديد بعمل أحادي لن يؤدي إلا إلى المجازفة بجر ليبيا نحو الفوضى. كما أكدت الدول الخمسة على أنه لا حل عسكريًا للصراع في ليبيا، وهو البيان الذي أثار الكثير من الجدل بحكم تصديق الإمارات عليه وهي الدولة التي تعرف بأنها أكثر الداعمين لحفتر وخطواته، بينما رأى مراقبون خطوة الإمارات بإدانة حفتر هو تبرأ من جنونه.

وقد انضمت روسيا وفرنسا -وهما من حلفاء حفتر- إلى معسكر المنتقدين لخطوته، إذ أعربت الخارجية الروسية عن أملها في تسوية الأوضاع هناك بالطرق السياسية دون تطبيق ما دعته بالسيناريو العسكري. وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إنه يجب تسوية الأزمة بالطرق السياسية الدبلوماسية، مشيرة إلى أن موسكو تبذل جهودًا من أجل ذلك منذ سنوات، بدورها أكدت الخارجية الفرنسية إن المرحلة الحاسمة التي تشهدها ليبيا في الفترة الراهنة لا تستدعي تدخلًا عسكريًا. وأضاف حساب الوزارة في تغريدة على موقع «تويتر» أن المواقف العسكرية والتهديدات باتخاذ إجراءات عسكرية من جانب واحد، ستعيد ليبيا إلى الفوضى فقط.

كيف كانت الجزائر عقبة في وجه مشروع حفتر؟

مع تزايد هجمات قوات القذافي وتنامي الخطر على المدنيين في بنغازي أصدرت الجامعة العربية في 12 من مارس (آذار) 2011 طلبها من مجلس الأمن الدولي فرض حظر جوي على ليبيا، وتوجيه ضرباتٍ عسكريةٍ لنظام القذافي، وقد وقفت كل من الجزائر وسوريا في وجه القرار غير أنهما فشلتا في منعه، ومع دخول سوريا في أتون الحرب هي الأخرى، استمرت الجزائر في قرارها بمنع أي تدخلٍ أجنبيٍ في ليبيا.

ومع سقوط نظام القذافي، دخلت ليبيا في دائرة الحرب الأهلية، خصوصًا مع انتشار السلاح بشكل رهيبٍ بين أيدي الليبيين، وتشكلت جماعات وميليشياتٌ مسلحة تقاسمت نفوذ الأراضي الليبية في ظل غياب حضور فاعل للدولة، وقد كانت الجزائر ملجأ عائلة القذافي التي فرّت من هجوم الثوار الليبيين.

استمرت الجزائر في الحفاظ على موقفها الرافض للتدخل الأجنبي في ليبيا، ولأي حلٍ عسكري يمكن أن يؤزم الأوضاع أكثر ممّا هي عليه، ومع سنة 2014؛ ومع تنامي قدرات تنظيم «داعش» في ليبيا وسيطرته على مدينتي درنة وسرت وتصاعد الحديث حول قرب ضربة عسكرية ضدّه، خرج وزير الشؤون المغاربية والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية الجزائري، عبد القادر مساهل ليعلن رفض بلاده مع تونس لأي هجمات قد تتعرض لها ليبيا.

ومنذ بروزه إلى مقدمة المشهد، ظلّ المشير خليفة حفتر يكرر تهديداته باقتحام العاصمة طرابلس، غير أن القوى الإقليمية والتي تعدّ الجزائر أبرزها وقفت ضدّ أي حلولٍ وخطط عسكريةٍ قد يفرضها حفتر لحلّ الأزمة الليبية، وفضلت الجزائر طيلة تلك الفترة الحل السياسي مشجعةً الأطراف الليبية للجلوس على طاولة الحوار، بعد أن عرضت وتبنت وساطةً لحلّ الأزمة بين الإخوة الفرقاء.

ومع إعلان بوتفليقة تنحيه من الحكم في الجزائر في الثاني من أبريل (نيسان) الجاري تحت ضغط الحراك الشعبي الذي تشهده الجزائر، وانشغال الجزائر بالأزمة السياسية التي تشهدها البلاد، لم يجد اللواء المتقاعد خليفة حفتر أحسن من هذا التوقيت لإعلان انطلاق حملة تحرير طرابلس، باعتبار أنّ أحد أهم اللاعبين المحوريين في الأزمة الليبية قد سقط، إذ تعد الجزائر من أكثر الداعمين لحكومة الوفاق الوطني التي يسعى حفتر إلى إسقاطها.

«معركة طرابلس».. هل تريد الأطراف الدولية معاقبة الجيش الجزائري على تدخله في السياسة؟

ليس ببعيدٍ عن طرابلس، تجري في الجزائر معركةٌ منفصلة، لتغيير النظام الحالي، غير أنّ الكثير من المراقبين يربطون بين ما يجري في العاصمة طرابلس وتداعيات الحراك الجزائري المستمرّ منذ 22 فبراير (شباط) الماضي، خصوصًا بعد تنحي بوتفليقة عن الحكم بضغطٍ من الشارع والجيش الجزائري.

وفي هذا السياق يرى الباحث الجزائري والخبير في الشؤون الاستراتيجية ياسين إعمران في حديثه مع «ساسة بوست» أنّ «هجوم حفتر على العاصمة الليبية طرابلس يأتي في سياق متصل تمامًا بما يحدث في الجزائر، خصوصًا وأن فرنسا فقدت برحيل بوتفليقة صديقًا وفيًّا لمصالحها، كما أن الفرنسيين يبدون بشكل واضح وعلني ومنذ فترة ليست بالقصيرة امتعاضهم من قيادة الجيش الوطني الشعبي، إذ وصل الأمر إلى مشاركة بعض أعضاء المخابرات الفرنسية في اجتماع مشبوه للانقلاب على قيادة الجيش الجزائري، ولكن مخططها فشل في جر البلاد إلى الفوضى».

مضيفًا: «وها هي (فرنسا) تنقل قاعدة عملياتها المضادة إلى الحدود الشرقية الليبية الجزائرية، وذلك لمحاولة فتح جبهة صراع للجيش الجزائري وشغله بها والرأي العام الجزائري مما يجعلهم يغفلون عن عودة الدولة العميقة من البوابة الخلفية».

ويرى الخبير في الشؤون الاستراتيجية رضا بوذراع أنّ «تحرّك المشير خليفة حفتر ضد العاصمة طرابلس في هذا الوقت إلى مشروعٍ مخابراتي تشرف عليه كلٌ من فرنسا والإمارات لضرب الحراك الجزائري وثنيه عن النجاح، وذلك بتحويل الأراضي الليبية لغرفة عمليات الثورة المضادة على الحراك الجزائري، وافتعال حربٍ على الحدود الشرقية الجزائرية لإفشال الحراك الشعبي».

بينما يرى الدكتور محمد جربوعة التميمي أن «توجيه الأنظار إلى ما يقوم به خليفة حفتر في ليبيا، واعتباره مؤامرة على الجزائر، خدعة بصرية تقوم بها بعض الأطراف، لإلهاء الشعب الجزائري بموضوع خارجي، ولصرف الأنظار عن مؤامرات تحدث بالداخل».

وكان خليفة حفتر قد توعَّدَ من قبل الجزائر بالدخول معها في حربٍ بسبب «استغلالها الأوضاع الأمنية في ليبيا» وتجاوز جنود جزائريين الحدود الليبية في سبتمبر (أيلول) الماضي، وهي التهديدات التي قوبلت بصمتٍ جزائري؛ بحكم أنّ الجزائر لا تتعامل في الأزمة الليبية إلّا مع الجهات الرسمية.

ومع سؤال «ساسة بوست» عن احتمال نشوب حربٍ في الحدود الشرقية الجزائرية مع ليبيا أجاب الخبير الاستراتيجي ياسين إعمران: «أتصور أن الجيش الجزائري هو من أكثر الجيوش القوية التي تمتع بالجاهزية العالية والاستعداد التام لكل ما قد يهدد الإقليم الوطني، ولن تزيد هذه المناورة الشعب الجزائري إلا تمسكًا بمطالبه في القضاء على فلول النظام السابق العميل لفرنسا، ورفع الوصاية الفرنسية عن الجزائر تمامًا، ولن يزيده إلا التفافًا ومشاركة مع جيشه لمواصلة الطريق».

ومنذ اندلاع الحرب في ليبيا سنة 2011؛ لا تزال قوات الجيش الجزائري ترابط على طول الحدود الليبية الجزائرية، كما قررت قيادة أركان الجيش الجزائري إنشاء «قطاع عملياتي» في المنطقة الحدودية بولاية إليزي تحسبًا لتحويلها إلى ناحية عسكرية سابعة لتحول دون زيادة المخاطر الأمنية القادمة من ليبيا.

وكانت بعض وسائل الإعلام الفرنسية قد أبدت سخطها من تدخل الجيش الجزائري وطلبه تطبيق المادة 102 من الدستور الجزائري لإقالة بوتفليقة، ووصفت صحف فرنسية استقالة بوتفليقة بـ«الانقلاب»، هذا وقد شهدت مسيرات الجمعة السابعة للحراك الشعبي؛ هتافاتٍ مناهضةٍ لفرنسا ودولة الإمارات بحكم اتهامها بمحاولة التدخل في الشأن الجزائري من باب تفجير الأوضاع في العاصمة الليبية طرابلس.

«فعلتها من قبل».. فهل تسعى الإمارات والسعودية إلى إفشال الحراك الشعبي بالجزائر؟

المصادر

تحميل المزيد