في الوقت الذي كان ينتظر فيه كثيرين سقوط «البيتكوين» والوصول إلى النهاية، واصلت العملة الإلكترونية مفاجأتها وارتفعت بأكثر من 50% خلال نحو أسبوعين، بينما سجلت مستويات لم تصل إليها منذ نحو 10 أشهر، لكن ليس هذا هو الجزء الأغرب في الأمر؛ فهذا الصعود للبيتكوين تزامن مع تراجع حاد لأسواق المال العالمية التي خسرت نحو تريليون دولار خلال جلسة واحدة على إثر الحرب التجارية المشتغلة بين أمريكا والصين.
وبالرغم من الارتباك الحاد الذي عانت منه أسواق المال خلال الأيام الماضية، إلا أن البيتكوين على ما يبدو قد استفاد من هذه التوترات العالمية، سواء السياسية أو الاقتصادية، وهو ما يجعلنا نسأل، هل البيتكوين يستفيد من التوترات بالعالم وهو ما يجعله يصعد وقت الأزمات؟ أم أن الأمر له حسابات أخرى؟ وقبل الخوض في تفاصيل الإجابة عن هذه الأسئلة، لا يجب أن ننسى أن بيتكوين ونظراءها من العملات الإلكترونية لديها تاريخ طويل من التأرجح العنيف صعودًا وهبوطًا.

غسيل الأموال والعقوبات.. عوامل تنعش «البيتكوين»

تتميز البيتكوين وباقي العملات الإلكترونية في الأساس عن غيرها من العملات بغياب الرقابة الحكومية عليها؛ فالهدف الأبرز من وجود هذا النوع من العملات هو أن تكون تلك بعيدة عن الأنظمة، بعيدة عن الرقابة، ولا يمكن تتبعها، لذلك تنشط تعاملات معظم العملات المشفرة في غسيل الأموال، وعمليات تحويلات الأموال المشبوهة، ومع انتعاش مثل هذه الممارسات ينتعش سعر البيتكوين.

يشار إلى أن البيتكوين يمكن تداولها مع أي شخص في العالم، وفي أي مكان في لمح البصر مجانًا، وبضغطة زر واحدة، بدون الحاجة إلى وسيط سواء بنك، أو صرافة، أو أي وسيط في عملية التحويل، وهي ما تعد أسبابًا إضافيةً تدعم الإقبال على العملة.

لكن سهولة التداول ليس جديدًا، وليس السبب في انتعاش البيتكوين مؤخرًا، فمع بداية 2019 يشهد العالم تزايد في حالات غسيل الأموال، فوفق تقرير حديث صادر عن وكالة «بلومبيرج» فإن عمليات غسل الأموال تصل بحسب تقديرات الأمم المتحدة إلى 2 تريليون دولار سنويًا، وتعتمد على المصارف وشركات «الأوفشور»، إلا أن جزءًا كبيرًا من هذه الأموال يتداول عبر العملات المشفرة لمميزاتها الأمنية الكبيرة.

على الجانب الآخر تبدو سياسة العقوبات الاقتصادية التي تقوم بها أمريكا أو تفرضها بعض الدول على دول أخرى مناخًا مناسبًا لانتعاش البيتكوين، فقد سبق لكوريا الشمالية الاعتماد على العملة الافتراضية لتجنب آثار العقوبات، وفي ظل سياسة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، سواء بفرض عقوبات على إيران، أو روسيا، والذي تزايد مؤخرًا يبدو أن البيتكوين قد استفادت من هذا الأمر.

«حماس آخرهم».. هكذا أصبح «بيتكوين» ملاذ المغضوب عليهم من النظام المالي العالمي

وقد استحوذت كوريا الشمالية على نسبة كبيرة من البيتكوين، سواء من خلال التعدين أو القرصنة؛ وذلك لاستخدمها في تفادي القيود التجارية التي كانت مفروضة عليها، الأمر نفسه ينطبق أيضًا على روسيا وإيران؛ فقد انتعش تداول البيتكوين في ظل تنامي سياسة العقوبات الاقتصادية، وهو أيضًا أمر يدعم استمرار البيتكوين طالما استمرّت العقوبات.

وفي الاتجاه نفسه الذي سلكته كوريا الشمالية، دعت «كتائب القسام،» الجناح العسكري لـ«حركة المقاومة الإسلامية (حماس)» في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي مؤيديها، حول العالم، إلى تقديم الدعم المالي لها من خلال عملة الرقمية الأشهر حول العالم (بيتكوين). إذ كتب أبو عبيدة الناطق باسم «القسام» في تغريدة نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي «ندعو كل محبي المقاومة وداعمي قضيتنا العادلة؛ لدعم المقاومة ماليًا من خلال عملة البيتكوين عبر الآليات التي سنعلن عنها قريبًا».

وكانت هذه المرة الأولى التي تطلب فيها «حماس» الدعم المالي عبر عملة رقمية، لكن هذا يرجع لنجاح كثيرين في جمع ثروات خلال السنوات الأخيرة، عن طريق العملات الافتراضية التي تشهد إقبالًا ملحوظًا، وهذه الخطوة لا يمكن إنكار أنها أحد الأسباب الجديدة التي أنعشت حظوظ البيتكوين خلال العام الجاري، وذلك لتوسع رقعة متداولي العملة وتنوع أهدافهم.

هل هذا هو الوقت المناسب للاستثمار في البيتكوين؟

ذكرنا أن بعض العوامل التي تساهم في انتعاش البيتكوين تزايدت منذ بداية 2019، واستمرار وتفاقم هذه العوامل من الطبيعي أن يعزز الإقبال على البيتكوين، خاصة في ظل التوترات السياسية والاقتصادية التي تدعم هذا النوع من المعاملات، لكن هل يعني هذا أن الوقت الآن مناسب للاستثمار في البيتكوين؟

قبل الحديث عن فرص الاستثمار في البيتكوين الآن، يجب أن نكرر ما ذكرناه حول أن بيتكوين ونظراءها من العملات الإلكترونية لديها تاريخ طويل من التأرجح العنيف في الاتجاه الصاعد أو الهابط، لذلك فأي تحليل يعتمد على معطيات واضحة ومتماسكة ليس بالضرورة تأكيد على أن هناك اتجاهًا واحدًا للبيتكوين في الفترة القادمة.

أليكس ماشينسكي الرئيس التنفيذي لـ«Celsius Network»، يرى أن صعود البيتكوين مؤخرًا يشير إلى «أن الكثير من رأس المال الجديد يتدفق للعملات المشفرة، على خلفية الخوف من تفويت التحرك».

على الجانب الآخر تعزز توقعات تصاعد حدة الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، من اتجاه تحريك مستثمري بيتكوين نحو العملة، خاصة أن آثار التصعيد التجاري، يكون عنيف على أسواق المال، فقد خسرت الأسهم العالمية نحو تريليون دولار خلال جلسة 13 مايو (أيار) الجاري، وفق حسابات «بلومبيرج»، وهو ما استفادت منه البيتكوين.

ومع توقع استمرار الأزمات العالمية، ربما تكون العملات المشفرة بديل مناسب للكثير من المستثمرين، إذ يرى لارس كريستينسن الرئيس التنفيذي السابق لـ«Saxo Bank» أن «هناك علاقة بين تزايد حدة التوتر التجاري الصيني، وارتفاع أسعار بيتكوين، فبعض المستثمرين الصينيين تحولوا لتداول بيتكوين عندما زاد قلقهم إزاء العلاقات التجارية الأمريكية-الصينية».

خلاصة الأمر: في حال كنت تريد المخاطرة بأموالك في الاستثمار بالبيتكوين، فإن وجهة نظر الفنيين تشير إلى أن الزخم يسبق الأسعار، وطالما ارتفعت الأسعار بتلك الحدة فربما لهذا الصعود بقية، وما يعزز هذه النظرة هو أن العقود الآجلة لبيتكوين في «بورصة شيكاغو التجارية» حطمت الأرقام القياسية مؤخرًا.

فقد وصلت العقود الآجلة في «CME Bitcoin» إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق حيث بلغت 33.7 ألف عقد في 13 مايو الجاري، وهو ما يعادل 168 ألف بيتكوين، وذلك بزيادة تقرب من 50% من السجل الأخير لعقود 22.5 ألف في 4 أبريل (نيسان) الماضي.

هل باتت البيتكوين أكثر قوة أمام الصدمات؟

صعود البيتكوين الأيام الماضية لم يتزامن مع هبوط أسواق المال العالمية فقط، ولكنه تزامن أيضًا مع عملية سرقة كبيرة تعرضت لها العملة الرقمية، إذ قالت «شركة بينانس» – إحدى أكبر بورصات العملات المشفرة في العالم – في 8 مايو (أيار) الجاري: إن متسللين سرقوا بيتكوين بقيمة 41 مليون دولار.

ووفق وكالة «رويترز» فقد سحب الهاكرز 7 آلاف بيتكوين باستخدام عدد من التقنيات «بما في ذلك التصيد والفيروسات وهجمات أخرى»، هذه الهجمات كان لها تأثير سريع على سعر البيتكوين، إذ انخفضت 4.2% في أوائل التعاملات مع نشر نبأ الاختراق، إلا أنها عوضت بعض خسائرها في وقت لاحق من اليوم نفسه.

وبعد نحو خمسة أيام على هذه الحادثة كانت البيتكوين على موعد مع صعود كبير، إذ حومت العملة الرقمية في يوم 13 مايو الجاري فوق 7 آلاف دولار، لتظل قرب أعلى مستوياتها في تسعة أشهر، مع اشتداد زخم موجة صعود 2019 للعملة المشفرة، وذلك بعد صعودها 14% بثالث يوم من حادث السرقة وهي ثاني أضخم قفزة يومية للبيتكوين في 2019.

هذا التماسك والصعود من بعد حادثة كان من شأنها أن تنال كثيرًا من العملة، عزز ثقة المستثمرين بالبيتكوين، إذ قال ديفيد توماس، من «جلوبال روك» للوساطة في العملات المشفرة في لندن: «إن هذه القفزة غذت اهتمام المستثمرين، بينما شدد متعاملون على أن المعنويات تدعم فرضية متانة بتكوين في أعقاب حادث السرقة الأخير».

ختامًا، لا يمكن لأحد الآن أن ينكر أن العملات الرقمية باتت واقعًا لا مفر منه؛ فمعظم العملات الموجودة حاليًا قد انهارت مرات عدة، لكنها عادت دائمًا إلى النهوض، وبعضها قد اختفى وظهر غيره، فالعالم حاليًا به مئات العملات الرقمية، وباتت كثير من الحكومات حول العالم تبحث إصدار عملات رقمية، فالأمر ليس قاصرًا على البيتكوين، لكن تزايد واستمرار هذه الاتجاه يخدم فرص البيتكوين بشكل أو بآخر.

«وول ستريت جورنال»: لماذا تعد عملة البيتكوين ملاذًا آمنًا أمام الدولار؟

 

المصادر

تحميل المزيد