وقعت التفجيرات في سريلانكا فتصاعد الدخان إلى سماء نيجيريا. صحيحٌ أن استهداف كنائس سريلانكا وفنادقها يوم الأحد 21 أبريل (نيسان) الماضي يستحق الإدانة التي سارعت إليها العواصم العالمية، غير أن الخلط كان جليًا في تعليقات جهات يمينية وتغطية وسائل إعلام غربية -مثل شبكة «فوكس نيوز» الأمريكية وصحيفة «لوموند» الفرنسية- استغلت الحادث فأقامت مأتمًا وعويلًا وصلت أصداؤه إلى نيجيريا، ناعية «العنف ضد المسيحيين» ومحذرة من «محرقة جديدة» يتغافل عنها العالم.

صحيحٌ أن حوادث القتل الجماعي تستحق الإدانة بأعلى صوت، لكن ربط الحوادث المتنافرة وتلفيق الأدلة المتهافتة، في محاولةٍ للخروج بصورةٍ مبتذلة عن وجود مؤامرة عالمية وعنف ممنهج ضد المسيحيين، لا يتمخض سوى عن استنتاجات غير دقيقة، ويسيء فهم طبيعة الصراع المعقد في نيجيريا.

إن المقارنة بين هجمات سريلانكا وأحداث نيجيريا ليست منطقية؛ بالنظر إلى وجود اختلافات كبيرة في المكونات العرقية والاجتماعية، وتأثير الاستعمار على حاضر البلدين. ليس أقل من هذه الاختلافات أن المسيحيين والمسلمين يمثلون أقلية في سريلانكا، التي يشكل البوذيون أغلبية سكانها، في حين يتقاسم كل من المسلمين والمسيحيين تعداد نيجيريا.

كما يجدر الانتباه إلى أن جماعة «بوكو حرام» التي تنسب إليها أعمال العنف في نيجيريا هي حركة محلية إلى حد كبير، ولا يوجد دليل يذكر على وجود تعاون بينها وبين «تنظيم الدولة» الذي تبنى مسؤولية هجمات سريلانكا، رغم وجود مشتركات فكرية بينهما.

حلم مانديلا الذي أصبح كابوسًا.. هل تخسر جنوب أفريقيا ريادتها في القارة السمراء؟

«بوكو حرام» تهاجم الكنائس.. والمساجد أيضًا

حين نقلت «فوكس نيوز» خبر مقتل 17 مسيحيًا وجرح ثمانية آخرين في ولاية نصراوة أوائل أبريل (نيسان)، حاولت تصويره على أنه نتيجة صراع ديني بين المسلمين والمسيحيين. غير أن التغطية لم تذكر مصدر الخبر، ولم تنسب الأرقام لجهة رسمية، بينما قالت الأجهزة الأمنية النيجيرية إن الهجوم أدى إلى وفاة امرأة حامل وعدة أطفال في قرية «نوما كوشو» التابعة لولاية نصراوة.

كما هو معتاد في مثل هذه الحوادث، تقدم الجنازة قادة الرابطة المسيحية ورؤساء الطوائف الكنسية، لكن الأهم هنا هو أن أي جهة مسؤولة لم تصرح بانتماء الجناة أو دوافعهم، فيما تحدثت وسائل الإعلام النيجيرية عن «مسلحين» و«مزارعين» و«رعاة»، دون أدنى إشارة إلى الدين.

يتركز معظم الضحايا المسيحيين حاليًا في «النطاق الأوسط» من نيجيريا، حيث تكثر المشاحنات بين السكان بسبب النزاع على الأراضي والمياه والرعي، إضافة لأسباب عرقية وقبلية ودينية.  كما أن هناك أيضًا عنصرًا إجراميًا لا ينبغي إهماله، وهم اللصوص الذين يسرقون الماشية والمزروعات في هذه المنطقة التي تعاني من الفقر المدقع والإهمال الشديد.

لا خلاف حول وقوع حوادث قتل ضد المسيحيين في نيجيريا، وهم في بعض الحالات، يُستَهدَفون لمجرد أنهم مسيحيون. لكن الأمر ذاته يقال على المسلمين الذين يقتل الكثير منهم على الهوية.  ورغم عداء حركة «بوكو حرام» للمسيحيين، غير أن الأمر اللافت هو أن معظم ضحاياها من المسلمين؛ لأسباب عديدة، أبرزها: تساهل الحركة في توجيه تهمة «الردة» لأعداد كبيرة من المسلمين (وهو أحد الأسباب التي أدت إلى انقسام الحركة في عام 2016). الأغرب من ذلك، أن البيانات الواردة من الأجهزة الأمنية تُظهر انخفاض هجمات «بوكو حرام» على الكنائس، بينما تزداد وتيرة هجماتها على المساجد بمرور الوقت.

بل سلط موقع «لاكروا» الفرنسي الضوء على إمام مسجد مد يد العون لـ262 مسيحيًا هربوا من هجوم شنه مسلحون على قريتهم الواقعة في منطقة عُرضة للتوتر بين الرعاة والمزارعين الذين ينحدرون من طائفة البيروم، ومعظمهم مسيحيون. خبأهم الإمام في المسجد، وظلوا تحت رعايته لخمسة أيام بعد الحادث. فيما أعرب الناجون عن شعورهم بالامتنان لإمام المسجد، وقال أحدهم: «لم يطلب منا المسلمون مغادرة المسجد منذ أن اختبأنا فيه، حتى وقت أداء الصلاة. وقدموا لنا الطعام، ونحن ممتنون جدًا لهم».

حرب بين «المزارعين» و«الرعاة»

موقع «راديو كندا» نشر تقريرا في 27 مارس (آذار) الماضي ينفي وقوع إبادة جماعية للمسيحيين في نيجيريا، مفنّدًا الأرقام والمعلومات المغلوطة التي تنشرها منظمات مسيحية ومواقع الأحزاب اليمينية، مثل موقع «بريتبارت» الذي يصر على نشر تقارير عن ذبح المسيحيين على أيدي المسلمين في نيجيريا، ووقوع الإبادة جماعية بعيدًا عن أعين الإعلام.

يرد تقرير «راديو كندا» على هذه المزاعم بأن هذا الصراع عرفته نيجيريا منذ قرون منذ أن نشأ التوتر بين مجموعتين من السكان، هم «المزارعون» من جهة، مقابل «رعاة الماشية» من جهة أخرى. ينتمي معظم الرعاة إلى قبائل «الفولاني» وغالبيتهم من المسلمين، ولهم وجود واسع في غرب أفريقيا، ويتركزون في نيجيريا بشكل رئيسي في شمال البلاد. فيما يعيش «المزارعون» جنوب البلاد ومعظمهم من المسيحيين، لكن بعضهم من المسلمين، وينتمون لمجموعات عرقية عديدة.

في المنطقة الوسطى من نيجيريا تتداخل أراضي هاتين المجموعتين، وينشأ الصراع حين تعتدي إحداهما على الأخرى. ووفقًا لـ«مؤشر الإرهاب العالمي»، قتلت ميليشيات «الفولاني» حوالي 3 آلاف شخص منذ عام 2011، من بينهم مسيحيين ومسلمين أيضًا، وهو رقم أقل بكثير مما تعلنه الرابطة المسيحية بنيجيريا التي تزعم قتل متوسط 6 آلاف مسيحي كل عام.

الرئيس النيجيري محمد بخاري

بقدر اتساع مساحة نيجيريا، التي تبلغ 923 كيلومترًا مربعًا أي حوالي أربعة أمثال بريطانيا وضعف مساحة فرنسا، بقدر اتساع مشاكلها المتداخلة والمعقدة منذ أيام الاستعمار. ربما تستغرب إذا علمت أن صعود حركة «بوكو حرام» كان تعبيرًا عن مجموعة من المشكلات المحلية المرتبطة بالواقع التاريخي والإثني والاقتصادي والسياسي في شمال البلاد، أكثر من كونه صراعًا «دينيًا»، كما جاء في كتاب «نيجيريا.. دراسة في المكونات الاجتماعية والاقتصادية» لمؤلفه هشام نعمة فياض.

بالنسبة للعامل الديني يشير الكتاب إلى أنه كانت في نيجيريا ديانات قديمة قبل دخول الإسلام والمسيحية، وكان كثير من سكانها يؤمنون بالمذهب الأرواحاي، فى حين كان آخرون من أتباع ديانات وثنية. لكن بعد القرن الحادي عشر انتشر الإسلام في شمال البلاد بشكل خاص، أما المسيحية فدخلت البلاد مع الاحتلال البريطاني، وانتشرت عن طريق البعثات التنصيرية التي نشطت خلال فترة الاستعمار الذي تحررت منه نيجيريا في عام 1960.

وبالمجمل لا يمكن على وجه الدقة معرفة عدد المسلمين وعدد المسيحيين في نيجيريا، لكن في عام 2006 صدرت نتائج إحصاءات رسمية تشير إلى أن عدد السكان 140 مليونًا وأن عدد الشماليين المسلمين فقط أكثر من نصف تعداد السكان. حسب المعلومات الرسمية لدى الحكومة الفيدرالية في أبوجا، فإن عدد الشماليين بلغ 75 مليونًا وأكثر من 90% منهم من المسلمين، وعدد الجنوبيين  64 مليونًا ونسبة المسلمين بينهم أكثر من 30% والباقي من المسيحيين والوثنيين.

يؤكد الكتاب أن الأزمات الدينية حدثت في البلاد بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية، خاصة في شمال نيجيريا ذي الأغلبية المسلمة نتيجة تهميشه وإهماله لعقود طويلة، وأنتج هذا التدهور بيئة خصبة لنمو الأفكار المتطرفة، من مظاهرها حركة «بوكو حرام».

الاحتلال منبت الداء

يعيش على أرض نيجيريا مئات المجموعات القبائلية والعرقية، من أهمها «الهوسا» و«الفولاني» وتنتشران في الإقليم الشمالي، وتشكلان حوالي 29% من السكان، بالإضافة إلى «البيروم»، وهم مزارعون مسيحيون. ويوجد في نيجيريا ما بين 200 إلى 400 مجموعة قبلية وإثنية -على اختلاف المصادر- تتباين في أوزانها النسبية وقوة تأثيرها على الصعيدين السياسي والاجتماعي.

وتعد القبيلة -كما هو الحال في العديد من الدول الأفريقية– العنصر الأهم في المجتمع النيجيري، وهي الأساس الذي أسهم في تحديد هوية العلاقات الاجتماعية لمواطني البلاد طوال القرون السابقة.

لتفكيك هذه الفسيفساء المعقدة ومكوناتها المتداخلة، ينبغي الرجوع لأصل المشكلة، وهو الاحتلال البريطاني الذي وضع «بعملياته المعروفة والمتكررة أسس أزمة نيجيريا الحالية وتبعيتها وعدم استقرارها وفقرها وتخلفها وتهميشها في تقسيم العمل الدولي، من خلال إنهاء العمليات الدينامية والطبيعية لتكوين الدولة ونشر الطبقية وفرض مصالح وأبنية ومؤسسات وثقافات غريبة عن المجتمع النيجيري».

بتوظيف هذه المشاكل، ضمن الاحتلال إعادة الإنتاج المستمر للأزمات والصراعات بعد أن ينسحب من الأرض ويترك وراءه ذيولًا كثيرة، في ثوب مؤسسات وأحزاب وجماعات تنصير ما زالت تخضع بالولاء لبريطانيا حتى اليوم. هذه بعض الآثار المدمرة للاستعمار على تكوين نيجيريا، ومظاهر التلاعب بالقوى الطبقية فيها، وتجليات سياسة تفكيك قوى المجتمع النيجيري، والانتقال المبرمج به نحو تبعية الاستعمار.

على سبيل المثال، كانت مشكلة «الهجرة الداخلية» في النصف الأول من القرن العشرين أحد أهم نتائج مرحلة الاستعمار، وساهمت في تغيير تركيبة المجتمع النيجيري وثقافته وحتى دينه، إذ كان الاحتلال يسمح بالتعليم في المناطق المسيحية بينما يمنعه أو يُحَجّمه في مناطق الشمال المسلم.

وبسبب الأثر المدمر للاستعمار تفاقمت مشكلات تخلف الريف والفقر المدقع والبطالة والهجرة من الريف للحضر والاغتراب وقمع العمال وعدم الكفاءة والفساد في النمو بمعدلات هائلة. إضافة إلى ذلك فإن الدور الهامشي لنيجيريا في النظام الرأسمالي الدولي كان واضحًا في هيمنة مؤسسات عابرة للقوميات باحثة عن الهيمنة ومتكاملة أفقيًا على الاقتصاد المحلي وهو الأمر الذي تعمق بمرور السنوات». هذا يعني أن الجذور الحقيقية لمشكلات نيجيريا لم يُسبَر غورها بعمق كافٍ.

وبالرغم من تعاقب النظم والدساتير والشخصيات «المدنية والعسكرية» البرلمانية والرئاسية بعد فترة الاحتلال، إلا أن «البلاد لم تحقق سوى تطور طفيف للغاية منذ استقلالها. وساءت أحوال المعيشة لغالبية النيجيريين وفق إحصاءات «منظمة العمل الدولية» في العديد من المجالات».

كانت نهاية الاستعمار في عام 1960 بمثابة «تغيير فني» أكثر من كونه تغييرًا حقيقيًا في الحياة اليومية لغالبية النيجيريين، في الجوانب الدينية والثقافية وحتى الاقتصادية، فقد كانت معظم فرص العمل بأجر تتم من خلال الدولة، كما أن التوظيف في القطاع الخاص يتم من خلال الشركات الأوروبية والمملوكة بالأساس للبريطانيين. حتى ترك الاستعمار خلفه إرثًا اقتصاديًا خاضعًا للبيروقراطية، ويعمل بالأساس على استخراج المنتجات الأولية للأسواق الأجنبية.

تعليقا على هذا الإرث السيء للاحتلال البريطاني، أعلن مؤتمر «العمال المتحدون» النيجيري (ULC)» في وثيقة سياسية خاصة به في عام 1962: «لقد حررنا يوم الاستقلال الأول من أكتوبر 1960، من الهيمنة الاستعمارية،  ولسوء الحظ فإنه لم يحررنا من المؤسسات الاستعمارية. وما يزال التمييز قائمًا، غير أن كل ما حدث هو أن اختلف الملاك»، حسبما ينقل مهند عبدالواحد النداوي في كتابه «مشكلة الاندماج الوطني في نيجيريا».

ماذا يفعل مرتزقة روسيا في أفريقيا الوسطى؟

المصادر

تحميل المزيد