كان الرئيس إبراهام لينكولن كثيرًا ما يقتبس من القرآن الكريم؛ فاعتبره البعض مسلمًا، وكان لينكولن قد قرأ القرآن من نسخة الرئيس توماس جيفرسون من القرآن الكريم، ولا زالت نسخة جيفرسون موجودة بمكتبة الكونجرس.

ستثير الفقرة السابقة لا شكَّ سؤالًا عند القارئ: من هو توماس جيفرسون هذا؟ إنَّه الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية وأحد الآباء المؤسسين الـ 56 الموقعين لبيان الاستقلال. فهل كانت الولايات المتحدة على عداوة دائمة مع الإسلام؟ وهل حاربت الولايات المتحدة الإسلام (أو المسلمين) في السابق؟ أم أنَّ الإسلام والمسلمين كانا مطروحين بشدة على مائدة النقاش بين الآباء المؤسسين كمواطنين أمريكيين يتمتعون بكافة حقوق وواجبات الأمريكيين؛ بما في ذلك إمكانية الترشح للانتخابات الرئاسية؟

من هو توماس جيفرسون؟

“لا الوثنيون ولا المسلمون ولا اليهود يجب أن يستبعدوا من الحقوق المدنية للكومنولث بسبب ديني” القاعدة الذهبية للرئيس توماس جيفرسون

الحديث سيكون عن جيفرسون في المقام الأوَّل، فالرجل الذي كان سياسيًا أمريكيًا ومفكرًا سياسيًا ومؤسس الحزب الجمهوري. الذي يتناوب السلطة في أمريكا مع الحزب الديموقراطي حتى الآن ـ كان يحتفظ بنسخة من القرآن الكريم في مكتبته. إضافة إلى كل هذه السيرة الذاتية السابقة كان الرجل هو المؤلف الرئيسي لإعلان الاستقلال، كما أنَّه هو الذي وضع القوانين التي تحمي الحريات الدينية في الولايات المتحدة (قوانين فيرجينيا للحرية الدينية)، الذي تم تطبيقه عام 1786م وحتى الآن.

 جيفرسون

في العام قبل الماضي قامت أستاذة التاريخ دينيس سبيلبيرغ  بتأليف كتاب أسمته (قرآن توماس جيفرسون: الإسلام والآباء المؤسسون)، تبحث من خلاله علاقة الآباء المؤسسين في أمريكا بالإسلام والمسلمين. المهم في الأمر أنَّ الرئيس توماس جيفرسون اقتنى نسخة من القرآن الكريم وهو في الثانية والعشرين من عمره. بعض الباحثين يذهب إلى أن جيفرسون كان يبحث عن بعض معضدات التسامح والتعامل الجيد مع العبيد من خلال القرآن، وبغض النظر عن كون هذا الافتراض صحيحًا أم لا فإن الثابت أن جيفرسون امتلك نسخة من القرآن الكريم تحتفظ بها حتى الآن مكتبة الكونغرس.

“وثقت صحيفة محلية شراء جيفرسون مجلدين لترجمة معاني القرآن الكريم أعدها الإنكليزي جورج سال، وكانت الطبعة الأولى لترجمة سال، والتي نشرت عام 1734، أول نسخة تترجم مباشرة من العربية إلى الإنكليزية. وتضمنت النسخة فصلًا تمهيديًا من 200 صفحة تشمل نظرة عامة على العقيدة والشعائر والتشريعات الإسلامية” *من الكتاب

القرآن الكريم ينقذ أمريكا من أزمة سياسية

أنقذت نسخة جيفرسون من القرآن الكريم الكونغرس من مأزق عام 2006. عندما تمّ انتخاب أول عضو مسلم في الكونغرس الأمريكي، كيث أليسون رفض أن يؤدي اليمين على الإنجيل باعتباره مسلمًا. اعتبر البعض رفض أليسون القسم على الإنجيل تهديدًا للقيم الأمريكية، لكنَّ الحلّ كان عند أحد الآباء المؤسسين. تمَّ إخراج نسخة جيفرسون من مكتبة الكونغرس وأدى قسمه على القرآن.

أليسون

 

وليمة إفطار برمضان في البيت الأبيض

على كل حال كان الرئيس جيفرسون يقف على مسافة واحدة من جميع الديانات، يظهر هذا من خلال سيرته الذاتية التي كتب فيها كيف ناضل من أجل تمرير قوانين الحرية الدينية. ربما ترجع معرفته بالإسلام إلى مقابلته الكثير من السُّفراء المسلمين وشيوخ الإسلام باعتباره كان سياسيًا ووزير خارجية لأمريكا. مما يروى أن الرئيس جيفرسون كان أول رئيس أمريكي يقيم إفطارًا في البيت الأبيض أثناء رمضان؛ كان هذا بسبب موعد اجتماع مع مسؤول تونسي، وحين علم أن المسؤول قد يكون صائمًا غيَّر موعد الغداء ليصبح وقت الإفطار. 

هل كان المسلمون موجودون في أمريكا أيام الاستقلال؟

الرئيس الأول لأمريكا جورج واشنطن اقترح البحث عن وسيلة للمسلمين لتمكينهم من الحصول على الإعانة المناسبة ضمن مشروع قانون فرجينيا

وجود المسلمين في أمريكا أيام التأسيس تثبته الدراسات والأبحاث؛ وجد في أمريكا الآلاف وربما العشرات من الآلاف من المسلمين الذين تم استيرادهم كعبيد من أفريقيا. جورج واشنطن كان قد أعلن أثناء رئاسته أنه سيرحب بـ “المحمديين” ـ المسلمين ـ إذا كانوا عمالًا جيدين. كما منح دستور 1780 حرية أكثر للمسلمين وغيرهم من الديانات من الوثنيين واليهود كذلك.

الجدير بالذكر، وما يفرضه البحث العلمي الرصين، أن نذكر أنَّ صورة المسلمين لم تكن جيدة دومًا، على الأقل صورتهم في المخيلة الشعبية الأمريكية. فقد نظر الأمريكيون إلى المسلمين بعين الريبة وصنفوهم كخطرين ولا يستحقون الإدماج في التجربة الأمريكية. لكن من الناحية الأخرى كان العديد من الآباء المؤسسين يرون المسلمين كمواطنين أمريكيين مستقبليين إذا تم دمجهم واستيعابهم. منهم جورج واشنطن وتوماس جيفرسون وصديقه ماديسون. 

الإسلام والرقيق في أمريكا

قد يكون صادمًا القول أن الإسلام كان سببًا أو سببًا مساعدًا على الأقلّ في إلغاء الرِّق في أمريكا. بطريقة أخرى عندما بدأ البعض في إظهار مثالب الرقّ أعلنوا أن الإسلام ربما لديه ما يساعد المسيحية، فالعبيد في الأراضي الإسلامية كانوا يحظون بإنصاف أعلى منه من العبيد في أمريكا.

العبيد في امريكا

فقد نشرت صحيفة نيو هامبشير باتريوت في العام 1810 قصة أسمتها “الرِّفق المحمدي” تصور فيها خليفة المسلمين كنموذج للرأفة والرحمة؛ القصة تقول أن الخليفة بعد أن سكب عليه أحد عبيده طبق الطعام وأصابه بحروق ظلّ الخليفة يعامله بطريقة جيدة وأعتقه لاحقًا. استشهدت الصحيفة بالقرآن الكريم، وعقبت الجريدة “قد يكون من المفيد تقليده من قبل أساتذة المذاهب الأنقى” وتقصد أن المسيحيين باعتبارهم يمتلكون مذهبًا أرقى يجب أن يقتدوا بالمسلمين في هذا الأمر.

لم يتوقف الأمر على صحيفة واحدة مثلًا، فبعدها بعدة سنوات نشرت صحيفة أخرى تقريرًا تشيد فيه بمعاملة العبيد في المغرب، وأن العبيد يتعلمون القراءة والكتابة وبعض المهارات الأخرى، وأحيانًا يتم عتقهم من باب كرم “السيد”. لكنَّ التقارير التي تحدثت عن مدى رأفة ورحمة المسلمين بعبيدهم كانت تتحدث من منطلق أن المسيحين أنقى من المسلمين بالتالي هم الأحق منهم في معاملة عبيدهم بهذه الرحمة. 

بعض الآباء المؤسسين والإسلام

لم يكن توماس جيفرسون وحده من تعامل مع الإسلام بقبول ومع المسلمين في أمريكا باعتبارهم مواطنين مستقبليين. المفكر والفيلسوف بنيامين فرانكلين ـ وهو أحد الآباء المؤسسين أيضًا ـ كان أحد هؤلاء المتقبلين للإسلام، حتى أنه أبدى رغبته في مقابلة مفتي إسطنبول ليبشر بالإسلام من على منبر في فيلادلفيا، وكان ينتقد بعض ممارسات المسيحيين التي وصفها بالوحشية في مقابل رأفة ورحمة البعض من المسلمين. فرانكلين لم يتوقف عند هذا الحد فقط وإنما أكد أن الأمريكيين الأصليين لو كانوا يعيشون في بلد مسلم لكانوا أكثر أمنًا فالإسلام يتعامل بإنسانية حتى مع الأسرى.

بنيامين فرانكلين

إن النبي محمد امتدح إنسانية الجنود الذين عاملوا أسراهم بالحسنى* بنيامين فرانكلين

الرئيس جورج واشنطن، وقبل أن يصبح رئيسًا كتب:  صدر أمريكا مفتوح لأحضان المظلومين والمضطهدين من مختلف الأوطان والديانات، وعلينا أن نرحب بهم للمشاركة في حقوقنا وامتيازاتنا كافة. قد يكونون مسلمين، يهودًا، مسيحيين من أية طائفة، أو قد يكونون ملحدين. الرئيس الثاني، جون آدمز ـ الذي كان نائبًا لواشنطن ـ قال: إن الرسول محمد واحد من أكثر الباحثين عن الحقيقة اتزانًا في العالم، مثل سقراط وكونفوشيوس. التاريخ يذكر كذلك أن آدامز احتفظ بنسخة من القرآن الكريم كذلك.  ربما كان هذا سببًا في بناء تمثال للنبي محمَّد في نيويورك؟!

اقرأ:  صور الإسلام المنسية في أمريكا

قصة تمثال النبيّ مُحمَّد في نيويورك

الدكتور ريتشارد سيمور اتهم مؤلفة الكتاب سابق الذكر بأنها منحازة للإسلام. يعتقد سيمور أن جيفرسون إنما اقتنى القرآن من باب “اعرف عدوك” وليس من أجل تضمين المسلمين في إعلان الاستقلال. لكنَّ المسلمين بالفعل ضُمِّنُوا في إعلان الاستقلال وبالطبع في قوانين فيرجينا للحرية الدينية. أمرٌ آخر  في بداية القرن العشرين كان هناك تمثال للنبي محمد يطل على حديقة ميدان ماديسون، كان التمثال قد وضع بين تماثيل تسعة من المشرعين العظام أمثال كونفوشيوس والنبيّ موسى. أثار هذا الموقف ـ تمثال النبي مع تسعة مشرعين آخرين ـ حفيظة المسلمين، ما جعل المسؤولين يزيلون التمثال عام 1955 مراعاة لمشاعر المسلمين.

لقراءة قصة التمثال كاملة؛ اقر أ : تمثال النبي محمد في نيويورك الذي لم يلاحظه أحد

 هل كان الإسلام والمسلمون مكونًا رئيسيًا في تكوين أمريكا؟ هذا سؤال لا يمكن للتقرير أن يجيبه ولكن لا شكَّ أنَّ الإسلام كان في أذهان العديد من الآباء المؤسسين، وكذلك المسلمين كمواطنين مستقبليين في الولايات المتحدة، لكن يبدو أن الصورة قد اختلفت كثيرًا الآن.

عرض التعليقات
تحميل المزيد