يمكن وصف الوضع الاقتصادي في إسرائيل بالضبابي أو المحير إلى حدٍ كبير، ففي الوقت الذي نجد فيه مؤشرات غاية في الإيجابية، نجد على الجانب الآخر مؤشرات وأرقام أخرى تشير إلى أزمة وشيكة؛ إذ تمثل المعطيات الاقتصادية هناك صورة معقدة للغاية، فأرقام بالبطالة والأجور ممتازة، والتضخم منخفض وتحت السيطرة، والتصنيف في ارتفاع مستمر، ولكن مع كل هذا فإن عجز الموازنة يتفاقم والحكومة الحالية لا تستطيع فعل شيء، في الوقت الذي تزداد فيه احتمالية تعرض النظام المالي الإسرائيلي للخطر.

هذه التشكيلة في ظل التوترات السياسية واحتجاجات يهود الفلاشا واقتراب انتخابات الكنيست المزمع إقامتها في سبتمبر (أيلول) القادم، تجعل إسرائيل قريبة من أزمة اقتصادية، وخلال السطور القادمة سنناقش هذا التضارب في الأرقام، والأسباب التي قد تقود إسرائيل إلى أزمة اقتصادية قريبة.

عجز الموازنة يتفاقم.. هل الأرقام الإيجابية المعلنة «وهمية»؟

تكشف الأرقام الإسرائيلية المعلنة عن صورة يمكن القول أنها ورديه بعض الشيء، إذ تصور الوضع على أن اقتصاد الاحتلال الإسرائيلي في مسار إيجابي دائمًا، فوفقًا لـ«المكتب المركزي للإحصاء»، كان متوسط الراتب الإجمالي للعاملين في إسرائيل في مارس (آذار) 2019 هو 11.140 شيكل إسرائيلي (3.100 دولار) شهريًا، أي أعلى بنسبة 3% عما كان عليه في مارس 2018. ناهيك عن أنه من يناير (كانون الثاني) إلى مارس 2019، ارتفع متوسط الأجور بمعدل 4.1% سنويًا، بعد ارتفاع سنوي بنسبة 5.4% في أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (كانون الأول) 2018.

بينما نمت القوى العاملة بأكثر من 2% سنويًا، في ظل أن معدل البطالة هو واحد من أدنى المعدلات في العالم المتقدم، إذ يبلغ 4% فقط. فيما يتوقع أن يصل معدل النمو في عام 2019 إلى 3.2%، وهو معدل مرتفع نسبيًا، يضاف إلى كل هذه الأرقام الإيجابية أن الاحتياطي النقدي يواصل تسجليه مستويات غير مسبوقة متجاوزًا مستوى 120 مليار دولار بنهاية النصف الأول من 2019، لكن السؤال الآن هل هذه المؤشرات كافية للقول إن مستقبل إسرائيل في أمان من المخاطر؟

في الواقع وبالرغم من أهمية المؤشرات المذكورة، إلا أنها لا تضمن حماية للاقتصاد الإسرائيلي من الصدمات، فعلى مستوى النمو، رغم إن اقتصاد إسرائيل نما بنسبة 3.2% في 2018، وهو معدل جيد كما ذكرنا، لكن بنظرة أعم نجد أن هذا المعدل دون المتوقع وهو الأبطأ منذ 2015. بينما جاء هذا النمو مدفوعًا بالزيادة في الإنفاق الخاص والحكومي وفي استثمارات الأصول الثابتة، كما أنه جاء أقل من توقعات بنك إسرائيل المركزي، والتي كانت تشير إلى نمو بنسبة 3.7% في 2018.

ومن جانبه، يتوقع «صندوق النقد الدولي» – الذي أنهى زيارة إلى إسرائيل قبل شهر من الآن – أن يصل العجز في الميزانية إلى 3.5% على الأقل هذا العام، ارتفاعًا من 3% في 2018، قائلًا إنه: «ينبغي لإسرائيل أن تهدف إلى تقليص العجز في ميزانيتها بدءًا من عام 2020 من خلال خفض إعفاءات ضريبية وإجراءات أخرى»، إذ أكد الصندوق أن السياسات الحالية تشير إلى مزيد من الزيادات في العجز في الأعوام المقبلة، وهو ما أكدته وكالة «فيتش سوليوشنز» للتصنيفات الائتمانية أيضًا.

وبحسب ما ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» فقد سجل العجز المالي في يونيو (حزيران) الماضي، 3.9% من الناتج القومي الإجمالي، بينما من المتوقع أن يرتفع هذا العجز بعد الانتخابات المقبلة المقررة في سبتمبر (أيلول) المقبل، ما يلزم أي حكومة قادمة بإقرار تقليص حاد في موازنة الدولة، وتوصية محافظ «بنك إسرائيل» برفع الضرائب وإلغاء الإعفاءات التي أقرت سابقًا.

اللافت في الأمر هو ارتفاع العجز في الموازنة فقط في شهر يونيو وحده وصل إلى 6.8 مليارات شيكل، بينما بلغ إجمالي العجز منذ مطلع عام 2019 وحتى نهاية النصف الأول، نحو 21.9 مليار شيكل، أي بزيادة بحجم 14 مليارًا من الهدف الذي كانت حددته الحكومة، وهذا ما يعني أن حكومة الاحتلال مضطرة لخفض الإنفاق، وفي ظل أن الإنفاق الحكومة هو المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي فسيكون الاقتصاد في أزمة.

لهذا السبب مستقبل اقتصاد إسرائيل قاتم!

يعود السبب الرئيسي لمواصلة العجز المالي في الموازنة الإسرائيلية ارتفاعه، إلى ارتفاع المصروفات الحكومية وتراجع مداخيل الحكومة من الضرائب، وهذا يعني أن الحكومة المقبلة، التي سيتم تشكيلها حتمًا على أساس اتفاقيات ائتلاف مكلفة، ستضطر إلى خفض النفقات أو رفع الضرائب أو كليهما، وهو ما يعني، أن الوضع الوردي الحالي للاقتصاد الإسرائيلي، ربما لن يشبه مستقبله القريب.

وبالحديث عن العجز، يمكن القول أن عجز الموازنة ليس سيئًا بالضرورة، خاصة عندما يكون هناك نمو اقتصادي، لكن المشكلة الأساسية هو في تجاوز مستوى عجز الموازنة المستهدف، وهو ما يحدث في إسرائيل حاليًا، وإذا فشلت الحكومة في وضع خطط جادة لسد هذه الفجوة بين المستهدف والمحقق، فقد يكون التصنيف الائتماني لإسرائيل في خطر.

وفي الوقت الذي امتنعت وكالات التصنيف الائتماني عن خفض تصنيف إسرائيل؛ إذ تعتقد أن الحكومة المقبلة ستتخذ الخطوات اللازمة لحل هذه المشكلة، من خلال تبني سياسات لكبح جماح عجز الميزانية واستعادة العجز إلى هدفه المحدد سلفًا، لكن مثل هذه الإجراءات التي لا تحظى بشعبية وإذا وضعنًا السياسة في الحسبان، فمثل هذه الإجراءات مستبعدة حاليًا، فإعادة الاستقرار الاقتصادي يستلزم تخفيض النفقات وتخفيض عدد العاملين في القطاع العام، لكن من الصعب توقع حدوث ذلك.

المركزي يحذر.. النظام المالي في إسرائيل عرضة لمخاطر كبيرة

حذر «بنك إسرائيل المركزي» من أن النظام المالي لإسرائيل عرضة لمخاطر كبيرة بسبب انخفاض عائدات السندات في الولايات المتحدة وزيادة مستويات الديون العالمية، كما توقع البنك وفقًا لتقرير الاستقرار المالي الذي نشره مؤخرًا، تشديدًا عامًا للبيئة المالية العالمية بسبب التخفيضات في تصنيفات جودة الائتمان إلى جانب تحقيق المخاطر. مما سيؤدي إلى انخفاض أسعار الأصول المالية العالمية.

المركزي أشار أيضًا إلى أن إسرائيل ستتأثر بهذا الركود بسبب «الارتباط الكبير بين أسواق رأس المال في إسرائيل والعالم الخارجي» على حد وصف التقرير، الأمر الذي سينتج عنه تداعيات خطيرة على كل من أسعار الأصول المالية في إسرائيل، وكذلك الرغبة في المخاطرة المالية، وفقًا للتقرير.

بعد فوز نتنياهو للمرة الخامسة.. هذا ما قد تفعله إسرائيل في الضفة الغربية

وكنتيجة للأوضاع العالمية ارتفعت مخاطر السيولة في إسرائيل بسبب المستويات المرتفعة لسندات الشركات المحتفظ بها في صناديق الاستثمار المشترك والاستثمارات السلبية، في ظل انقلاب منحنى عائد سندات الخزانة لمدة 10 سنوات في الولايات المتحدة – هذا المنحني الذي يقيس العلاقة بين مستويات أسعار الفائدة ووقت استحقاق السندات – واستشهد به البنك أيضًا باعتباره جهة فاعلة رئيسة في احتمال جلب الاضطرابات إلى النظام المالي بإسرائيل.

على الجانب الآخر حذر التقرير من ارتفاع مخاطر الائتمان الحكومي بسبب عجز الموازنة الحالي، وحذر أيضًا من أوضاع سوق العقارات في الأشهر الأخيرة؛ إذ ينصح البنك الحكومة بزيادة الاستثمار في بناء المساكن لمنع الصعوبات المستقبلية التي يمكن أن تضر الاقتصاد، قائلًا: «من أجل خفض احتمالية حدوث صدمة في هذا السوق على المدى الطويل، من المهم الحفاظ على مستوى الاستثمار الذي يستجيب لحجم الطلب وتجنب استئناف الضغط التصاعدي على أسعار المنازل».

وأكد التقرير الذي يصدر مرتين في العام، لتحليل وتقييم  التعرض للمخاطر في المؤسسات المالية الإسرائيلية والأسر والشركات، تقييم عدد من القطاعات الاقتصادية، أبرزها محافظ الأصول والعقارات، أن تباطؤ النشاط الاقتصادي الحقيقي يكون أكثر خطورة عندما يقترن بتباطؤ النشاط المالي، وهي الحالة التي ربما تقترب منها إسرائيل حالًا.

توترات سياسية واحتجاجات الفلاشا.. أسباب قد تشير إلى أزمة في إسرائيل 

لا ينفصل الوضع الاقتصادي عن نظيره السياسي، فالتوترات السياسية التي يعشها الاحتلال الإسرائيلي منذ أبريل (نسيان) الجاري، فقد صوّت الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) على حلّ نفسه، بنهاية مايو (أيار) الماضي، والذهاب لانتخابات جديدة بالقراءتين الثانية والثالثة، وذلك بعد أقل من شهرين على إجراء الانتخابات العامة، إثر فشل رئيس الوزراء المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة، بنيامين نتنياهو في هذه المهمة.

مشروع حلّ الكنيست جاء عبر «حزب الليكود» ميكي زوهر، في محاولة من نتنياهو للضغط على الأحزاب اليمينية للتوافق على حل لأزمة قانون التجنيد الذي يصر زعيم حزب «إسرائيل كلنا» وزير الدفاع السابق على إقراره، وترفضه الأحزاب الحريدية (الأصولية) «يهدوت هتوراه» و«شاس»، وبعيدًا عن الخوض في التفاصيل السياسية، تعيش إسرائيل حاليًا حالة انقسام شديدة على المستوى السياسي، وهذه الحالة ظهرت نتائجها على الاقتصاد.

بينما على الجانب الآخر، تخلط احتجاجات يهود الفلاشا الأوراق في إسرائيل؛ إذ قام ضابط شرطة إسرائيلي بقتل مراهق من أصل إثيوبي، وهو ما تسبب في اندلاع أعمال شغب واسعة أوقعت عشرات الإصابات في صفوف الشرطة والمحتجين واعتقالات بالجملة، خاصة أنه تم إطلاق سراح الشرطي بعد احتجازه يومين.

هذه الاحتجاجات وإن كان الطابع الرئيس لها سياسي، إلا أنها تلقي الضوء على الفجوة الاقتصادية الاجتماعية الموجودة في إسرائيل، وهي بالطبع الحالة التي ترتبط دائمًا بعدم الاستقرار، وبالتالي تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية.

وبحسب دراسات «الوكالة اليهودية لأجل إسرائيل» – الجهاز التنفيذي للحركة الصهيونية – فإن هناك فجوة تحولت إلى طبقية واضحة على أرض إسرائيل، وذلك في مستويات التعليم ونوعيات الأعمال التي تقوم بها كل طبقة ومستويات الدخل والمعيشة، وذلك منذ الخمسينات عندما بدأ المهاجرون من آسيا وأفريقيا حياتهم بإسرائيل في ظروف أقل كثيرًا من نظرائهم الأشكيناز.

الوكالة كشفت أيضًا عن أن الرجل الإسرائيلي من أصول شرقية يحصل على  12% إلى 20% فقط كمتوسط دخل مقارنة بنظيره من الأشكيناز، وتتدنى تلك النسب أكثر بين يهود الفلاشا، كما أن مكتب «الإحصاء المركزي لإسرائيل» أشار إلى أنه في عام 2017، حصل 55.4% فقط من تلاميذ المدارس ذوي الأصول الإثيوبية على شهادة الاستحقاق، وهو ما يؤدي بدوره إلى تفاقم نسبة البطالة بينهم وبالتالي احتمالية استمرار أو تجدد هذه الاحتجاجات باتت واردة جدًا.

ختامًا رغم المعطيات الإيجابية والأرقام القياسية التي حققها الاقتصاد الإسرائيلي خلال السنوات الماضية، إلا أن هذه الأرقام لن تحمي الاقتصاد من الوقوع في أزمة في ظل معطيات سياسية تمهد مناخًا مناسبًا للتقلبات الاقتصادية والتي تجعل من وقوع أزمة اقتصادية بإسرائيل في المستقبل القريب أمر ممكن وغير مستبعد.

كيف يمكن أن يدمر «المد السلفي» إسرائيل ذاتيًّا؟

المصادر

تحميل المزيد