اتخذت أنقرة موقفًا واضحًا من النظام السوري منذ اندلاع الصراع في سوريا، بداية بدعوة النظام في الشهور الأولى للثورة عام 2011 للتحول إلى نظام سياسي تعددي، ثم باحتضانها المعارضة السورية.

بيد أن هذا الموقف لم يتطور نحو أي من المواجهة العسكرية بين الطرفين طيلة السنوات الثمانية الماضية، بل تخلل هذه السنوات محاولات لتطوير علاقات جيدة بين دمشق وأنقرة بفعل الاتفاقيات السياسية التي سعى إليها حلفاء النظام مع أنقرة لحل الأزمة سياسيًا.

لكن نقطة التحول حدثت خلال الفترة القليلة الماضية، حين أقدمت قوات النظام السوري على قصف مواقع تركية داخل سوريا أكثر من مرة، وهو الأمر الذي رد عليه الأتراك بالقصف أيضًا، وبتعزيز الوجود التركي في الأرضي السورية بمزيد من الأرتال والآليات العسكرية.

«ساسة بوست» يحاور ثلاثة خبراء عسكريين عمل بعضهم سابقًا مع النظام السوري للوقوف على دوافع ما جرى، وتداعياته واحتمالية أن تصل الأمور لمعركة واسعة بين الطرفين من عدمه.

النظام السوري «يصوب بندقيته» تجاه القوات التركية

استُهدفت النقاط التركية في الشمال السوري خلال الأيام الماضية أكثر من مرة من قبل قوات النظام السوري، إذ قُصفت في 27 يونيو (حزيران) 2019 النقطة العاشرة منها، والواقعة في منطقة «شير مغار» بريف حماة الشمالي الغربي، مما أدى إلى مصرع جندي تركي وإصابة ثلاثة آخرين.

وسبق ذلك قصف للنقطة ذاتها يوم 16 يونيو 2019، وكذلك استهدفت نقطة المراقبة التركية التاسعة في المنطقة الواقعة ضمن مناطق خفض التصعيد في محافظة إدلب شمال غربي سوريا.

هذه الحوادث دفعت الجيش التركي للرد العاجل بقصف قوات النظام، ثم تكثيف تعزيزاته العسكرية في نقاطه داخل سوريا وفي المنطقة الحدودية مع محافظة ادلب. بينما هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان النظام السوري بالقول: «لن نسكت إن واصل النظام السوري هجماته على نقاط المراقبة التركية في إدلب».

ومن المعروف أن القوات التركية دخلت إلى الأراضي السورية في منطقة الشمال السوري، مثل قوات فصل بين قوات النظام من جهة وبين قوات المعارضة السورية من جهة، وتنحصر مهامها في رفع التقارير والمشاهدات التي توجد في تلك المنطقة، أي رصد ما يقع على الأرض.

يقول المحلل العسكري الاستراتيجي العميد أحمد رحّال إنه توجد 12 نقطة تركية وضعت بتوافق روسي تركي ضمن متطلبات خفض التصعيد، الناتجة عن «اتفاق سوتشي» بين الطرفين، والموقع في سبتمبر (أيلول) 2018، والذي هدف للفصل بين النظام والمعارضة السورية، على أن تنشر أيضًا نقاط روسية لضبط مناطق إطلاق النار.

وبرغم أن رحّال يعتقد أن دخول الأرتال التركية كان قائمًا قبل الاشتباكات الأخيرة؛ إلا أن تكثيف عمليات دخول هذه الأرتال، وقع خلال الأيام الماضية، وأصبح لدى أنقرة كمية كبيرة من العتاد والجيش داحل الأراضي السورية، وهو إجراء يأتي تحسبًا للاحتمال الأسوأ، وتطور الحالة لمرحلة الاصطدام العسكري مع النظام، بحسب رحّال.

لكن لماذا أقدم النظام على قصف النقاط التركية؟ يجيب رحّال: «منذ بدأ التدخل الروسي في سوريا العام 2015، وقرار النظام أصبح بيد قاعدة حميميم الروسية، وبالتالي نظام الأسد لا يجرؤ على التعدي على نقطة تركية دون ضوء أخضر روسي».

مضيفًا لـ«ساسة بوست»: «التعدي على النقاط التركية يتم بمواقفة روسية من تحت الطاولة، وذلك لأن الروس شعروا بأنهم غير قادرين على التمدد بالمنطقة وأن موسكو قد ورطت نفسها بالموافقة على وجود النقاط التركية، فيتم قصف النقاط التركية بأوامر روسية وبهدف الضغط على الجيش التركي لخلط الأوراق من جديد في سوريا، لكن أنقرة المعنية بمساحة نفوذ في سوريا كغيرها، غير مستعدة للتنازل عن هذا النفوذ كجزء من مصالح الأمن القومي التركي».

يذكر أن الصراع القائم في سوريا منذ عام 2011  فرض أن تصبح سوريا مناطق تتقاسم نفوذها عدة أطراف، إذ يعد الشمال السوري (إدلب وأجزاء من حلب وحماة واللاذقية) منطقة نفوذ تركية، بينما شمال شرق سوريا (منطقة شرق الفرات) منطقة نفوذ أمريكية، فيما بقية المناطق تقع تحت نفوذ إيران وروسيا والنظام السوري، بينما يعد الجنوب السوري هو منطقة نفوذ إسرائيلية تتقاسمها إسرائيل مع روسيا.

بالأرقام.. هذه هي الفاتورة التي يدفعها الأسد لروسيا الآن

قوة المعارضة السورية تغير سير المعادلة

لأكثر من 70 يومًا والشمال السوري يتعرض لقصف متواصل من قبل النظام السوري وروسيا، يتواصل القصف ضد «معقل المعارضة السورية» الأكبر ضمن خطة تدمير ممنهج تُستخدم فيها كل أنواع الأسلحة والذخائر.

قوات تركية تعبر الأراضي السورية (أرشيف)

برغم أن جبهات القتال بأرياف إدلب وحماة وغيرها، تشهد معارك كر وفر بين المعارضة وقوات النظام، إلا أن المعارضة السورية  تتمكن منذ 6 يونيو (حزيران) 2019 من تحقيق تقدم تلو الآخر، مثلما حدث في منطقة ريف حماة الشمالي، إذ سيطرت المعارضة على بلدتي تل ملح والجبين وتمكنت من قطع الطريق بين مدينتي محردة والسقيلبية، وأجبرت قوات النظام على إيقاف عملياتها الهجومية جنوبي إدلب من خلال تهديد طرق إمدادها شمالي حماة. بينما تصدت أكثر من مرة لهجمات قوات النظام، مستخدمة مضادات الدروع والقصف بالصواريخ ضد قوات النظام.

وكذلك تقوم المعارضة بهجمات تسلل في المناطق التي تسيطر عليها قوات النظام بهدف إحراز تقدم بري والسيطرة على المزيد من القرى في ريف حماة الشمالي، وذلك في وقت يفشل فيه النظام من استعادة مواقعه التي خسرها، كما أكدت تقارير محلية وقوع أكثر من 600 قتيل في صفوف النظام، وفقدانه ما لا يقل عن 17 دبابة، و5 مركبات قتالية، وعشرات المركبات العسكرية الأخرى منذ 30 أبريل (نيسان) الماضي، كما فقدت قوات النظام 100 ضابط على الأقل من الفرقة الرابعة، وقوات النمر.

تحدثنا إلى المحلل العسكري السوري العقيد أحمد حمادة الذي أوضح أن عدم فلاح الروس والنظام والإيرانيين في التقدم بمنطقة شمال حماة وجنوب إدلب هو ما دفعهم للتصعيد ضد القوات التركية، في محاولة لخلط الأوراق من جديد. فالعدوان الذي تشنه روسيا وقوات النظام هدفه الضغط على تركيا لتمرير  أي حل تراه روسيا في هذه المنطقة.

بيد أن ما يعيق الآن الطموح الروسي هو صمود المعارضة في هذه المنطقة، التي كبد عناصرها قوات النظام خسائر كثيرة في المعدات و في الأفراد، وفي محاور هامة، كما يقول حمادة، ويضيف لـ«ساسة بوست»: «هذا الوضع جعل الروس يفكرون في آلية للخلاص، لذلك نرى أن موسكو قدمت أكثر من عرض لوقف إطلاق النار في إدلب، لكن قوات المعارضة السورية وتركيا أرادت أن تعوض ما خسرته من خطوط الفصل التي تم الاتفاق عليها في «اتفاق سوتشي».

ويعتقد العقيد حمادة أن تعرض النقاط التركية الإثني عشر لقصف متكرر ومتعمد من النظام، يأتي لدفع هذه القوات من الأراضي السورية، حتى يتثنى للنظام وحلفائه السيطرة الميدانية على الجغرافية السورية المتبقية التي هي خارج نظام سلطة الأسد.

ويتوقع العميد حمادة أن تستمر المعارضة السورية في هجماتها القوية ضد قوات النظام حتى يتم إرجاع النقاط التي تم السيطرة عليها مؤخراً، وحتى يقتنع الروس والنظام بأن الحل العسكري غير ممكن في هذه المنطقة وبأن هذه المنطقة اليوم التي تضم أكثر معارضي النظام لا يمكن اختراقها بهذه السهولة.

ويضيف: «الحل يجب أن يكون بتطبيق القرارات الشرعية الدولية ومخرجات تفاهمات جنيف والقرار 2254  الذي  أصدره مجلس الأمن الدولي عام 2015، لحل الأزمة السورية سياسيًا  بعيداً عن الحل العسكري الذي يؤمن به النظام وروسيا ومن ورائهما ميليشيات إيران».

ما مدى احتمالية وقوع عملية تركية واسعة ضد النظام السوري؟

يرى المحلل العسكري السوري راني جابر أن النظام السوري معنى عبر القصف المتكرر المحدود  للنقاط التركية بتجنب الانزلاق لمواجهة مباشرة يدرك نتائجها، فهو يريد فقط تسجيل نقاط إعلامية وسياسية بالدرجة الأولى.

كتل خرسانية أرسلتها أنقرة لتعزيز نقاط مراقبة القوات المسلحة التركية في إدلب

موضحًا خلال حديثه مع «ساسة بوست» أن: «الوضع في الشمال السوري ما يزال بعيدًا عن التوجه نحو مواجهة مباشرة وواسعة بين النظام وتركيا؛ وذلك بسبب إدراك النظام لحقيقة وضعه العسكري وأن أي مواجهة مع تركيا تعني الانهيار التام لقواته خاصة بعد المعارك الأخيرة التي خاضها وأنهكته»، ويتابع القول: «النظام يقصف الأتراك ثم يحتمي بالروس الذين يُعتبر وجودهم في سوريا أحد أسباب ضعف احتمالية وقوع مواجهة مباشرة أو عملية تركية واسعة ضد النظام».

أما من ناحية الأتراك، فبحسب ما قال جابر لـ«ساسة بوست» فإن أنقرة حريصة على الحفاظ على اتفاق الاستانة (وقع بين تركيا وروسيا وإيران في مايو (أيار) 2017 وقضى  بإقامة أربع مناطق آمنة في سوريا)، أو شبحه على الأقل وعدم إنهاءه والعودة إليه بين الحين والآخر. فهو متطلب مهم لتركيا التي لا تستطيع تحمل تبعات الانهيار الكامل للاتفاق ومواجهة موجة نازحين جديدة من الشمال السوري قد يتجاوز حجمها المليون إنسان ما سيؤثر بشدة على الوضع الداخلي التركي ويخلق سلسلة من الأزمات غير محددة النتائج.

ويعقب جابر بالقول: «هذه الرغبة التركية هي التي تدفع الأتراك للرد بالحد الأدنى على النظام والسعي للإبقاء على الاتفاق مع الروس والايرانيين رغم كل استفزازات النظام الذي يدرك هذا الأمر ويستغله بشكل كبير».

من جانبه، يستبعد المحلل العسكري الاستراتيجي العميد أحمد رحّال وصول الأمر  بين أنقرة ودمشق لمرحلة المعركة العسكرية الكبيرة، وذلك لسببان، أولهما أن تركيا  لا تريد التوغل أكثر  بالقضية السورية، ولا تريد التورط عسكريًا، ثانيهما أن موسكو تعمل دائماً على ضبط الأمور بين حلفاؤها؛ وهي إن كانت تعامل تركيا بالظاهر كحليف وتعتبرها «تحت الطاولة» عدو، فإنها  تعي أن غضب تركيا سينعكس عليها سلبًا، ففي اللحظة التي تنسحب فيها أنقرة من «اتفاق الاستانة»، ستنسحب أيضًا من «اتفاق  ستوشي» مما يعني انهيار كل الإنجازات السياسية الروسية في سوريا.

مضيفًا: «برغم امتلاك تركيا سبع قواعد جوية قريبة من الحدود في ديار بكر، ورغم ضعف جيش النظام إلا أنه تركيا  تمسك العصا من المنتصف بوقت واحد، فهي لا تريد أن تهتز هيبة الجيش التركي ولا تريد التورط بحرب، لذا قامت باستدعاء الملحق العسكري بأنقرة وتم تقديم اعتراض شديد اللجهة و التحذير من أن ردها سيكون قاسي».

«هآرتس»: قد يكتب نهاية أزمة سوريا.. هذا هو التحالف الجديد في الشرق الأوسط

المصادر

تحميل المزيد