شهدت الجزائر يوم ثلاثاء وُصف بالتاريخيّ بعد استقالة رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة بعد 20 سنة كاملة من الحكم، وذلك على إثر انتفاضة شعبيّة واسعة النطاق شملت كلّ أرجاء البلاد انطلقت في 22 فبراير (شباط) الماضي، وبعد أسابيع قليلة من هذا الضغط الشعبي الهائل وموجة الإضرابات والعصيان المدني والاحتجاجات المتواصلة المطالبة بتغيير النظام، خرج إلى الساحة الجيش الجزائريّ ليُدلي برأيه في هذا الحراك الشعبي، عن طريق رسائل وخُطب قائد الأركان ونائب وزير الدفاع، الفريق قايد صالح، والذي شهد موقفه من الحراك الشعبي منذ بدايته تذبذبًا.

إذ أكّد في البداية تمسّكه بالرئيس بوتفليقة، ووصف المحتجّين بـ«المغرّر بهم»، ثم عادت لغته وتغيرت تدريجيًّا مع كلّ أسبوع، مع الانتشار الاستثنائي والواسع للموجة الاحتجاجيّة، فقد كان يؤكّد تارة على «المصير المشترك للجيش والشعب» وتارة على أنّ «الحلول لهذه الأزمة كثيرة»، ليخرج بعد ذلك في تاريخ 26 مارس (آذار)، ويعلن بكلّ صراحة أنّ الحلّ من هذه الأزمة تكمن في تفعيل المادّة 102 من الدستور الجزائري، والتي تنظّم إجراءات استقالة الرئيس، أو شغور منصبه بداعي المرض، وهو ما لحِقه بعدها بأيّام خبر استقالة بوتفليقة من الرئاسة.

هذا التدخّل في الشأن السياسي في هذا الظرف الحسّاس من طرف قائد الجيش الجزائري، استدعى مقارنات مع الحالة المصريّة التي شهدت تدخّل الجيش بعد احتجاجات 30 يونيو (حزيران) وعزله للرئيس مرسي، ليترشّح فيما بعد وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي إلى رئاسة الجمهوريّة، ويستمر في سدّة الحكم إلى اليوم. وتتّجه كل الأنظار صوب رئيس الأركان الجزائري أحمد قايد صالح وتترّقب خطواته القادمة، وعمّا إذا كان قد يستغلّ هذا الحراك من أجل تعزيز سلطاته أكثر، وحتّى الترشّح للرئاسة.

بوتفليقة في الميزان.. كشف حساب شامل لسنوات حكمه

حرب البيانات والاجتماع الذي أغضب قايد صالح وأقنعه بضرورة «الحسم»

بدا قائد الأركان الجزائري منذ بداية الحراك الشعبي متحفّظًا حول اتّخاذ أيّة خطوة من شأنها أن تُظهر المؤسّسة العسكرية باعتبارها تسعى لتنفيذ انقلاب عسكريّ على الرئيس بوتفليقة، إذ كانت خطاباته التي تبثّ بشكل شبه يوميّ في التلفزة الوطنيّة الجزائريّة تعليقًا على الحراك، تحوي عبارات عامّة يمكن تحميلها على عدّة أوجه، لكن الحادثة التي أقنعت قايد صالح بضرورة التعجيل ودفع بوتفليقة إلى الاستقالة، كانت رجوع أحد الوجوه القديمة إلى الساحة، والذين يُعتبرون بعض ألدّ أعداء قايد صالح داخل الدولة.

Embed from Getty Images

بعد إعلان قايد صالح بـ«مُقترح» تفعيل المادة 102 من الدستور، خرج إلى العلن الصراع بين مؤسّسة الرئاسة، متمثّلة في شقيق الرئيس سعيد بوتفليقة، وبين قيادة الأركان، إذ انعقد اجتماع ضمّ شقيق الرئيس سعيد بوتفليقة، ورئيس المخابرات السابق «الجنرال توفيق» بالإضافة إلى رئيس المخابرات الحالي بشير طرطاق، ورئيس الجمهورية السابق ليامين زروال، وكان الاجتماع يهدف إلى تجاوز الخلافات بين الرئاسة وبين توفيق الذي أحيل إلى التقاعد في سنة 2015 بعد حرب شرسة على جهازه الأمني الذي عمّر فيه أكثر من 25 سنة، وذلك من أجل التحضير لمرحلة إنتقالية برئاسة الرئيس السابق زروال، ويكون لسعيد بوتفليقة وتوفيق النفوذ المطلق على مجرياتها، لكن الرئيس السابق قد رفض هذا الدور.

هاجمت قيادة الأركان الأطراف المجتمعة بشدّة في بيان لها، وأكّدت تمسّكها بمقترح تطبيق المادة 102. وكان هذا الاجتماع الذي شهد عودة «الجنرال توفيق»، المعروف بعداوته الشديدة مع رئيس الأركان قايد صالح هو الذي عجّل باقتناع قيادة الجيش بضرورة «الحسم» والمسارعة في تطبيق المادة 102 من الدستور، وذلك رغم رغم تمسّك قايد صالح سابقًا بالرئيس بوتفليقة، وتأكيده على أن الجيش «لن يخرج على مهامه الدستورية».

في بيان الجيش التاريخي الذي صدر أمس الثلاثاء، هاجم قايد صالح، سعيد بوتفليقة ومن وصفهم بـ« العصابة التي استولت بغير وجه حق على مقدرات الشعب الجزائري»، كما أضاف فيما يخصّ بيان الرئاسة أنّه «بيان منسوب لرئيس الجمهورية، لكنه في الحقيقة صدر عن جهات غير دستورية وغير مخولة»، في إشارة إلى شقيق الرئيس الذي يحكم باسم أخيه.

وبعد ساعات قليلة من بيان قايد صالح، خرج بيان عن رئاسة الجمهورية جاء فيه نبأ استقالة بوتفليقة، ثم ظهر على شاشة التلفزيون الوطني وهو يسلّم الرسالة إلى رئيس المجلس الدستوري، وحضر هذا الاجتماع – كما جاء في الصور – رئيس مجلس الأمّة الذي من المفترض أن يتسلّم رسميًّا مهامه كرئيس مؤقّت لمدّة 90 يومًا إلى غاية إجراء انتخابات رئاسيّة.

قايد صالح في البيان الذي سبق إعلان استقالة بوتفليقة، ذكّر على غير العادة، بمشاركته في حرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي (1954-1962)، والذي بدأ أنه من أجل إضفاء الشرعية الثوريّة على خطوته، واستغلال هذه العاطفة التاريخية من طرف الشعب، إذ كان قد انضمّ إلى جبهة التحرير الوطني سنة 1957، وكان عمره حينها 17 عامًا، وأضاف البيان في الأخير: «وعليه فقرارنا واضح ولا رجعة فيه، إذ إننا نقف مع الشعب حتى تتحقق مطالبه كاملة غير منقوصة، وبصفتي ابن الشعب وبناء على المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقي، فلا يمكنني إلا أن أنحاز إلى هذا الشعب الذي صبر طويلا وكابد المحن وحان الوقت أن يسترجع حقوقه الدستورية المشروعة وسيادته الكاملة».

يشير بعض المراقبين إلى أنّ قايد صالح قد عُرف بوفائه الشديد للرئيس بوتفليقة، إذ كان هو السبب في ترقيته في سلّم الترتيب العسكريّ وتعيينه قائدًا لأركان الجيش الجزائري، ونائبًا لوزير الدفاع (وهو ما يجعله وزيرًا فعليّا للدفاع كون أن بوتفليقة كان يحتكر منصب وزير الدفاع، خصوصًا بعد مرضه)، ولذلك فإنّه كان دائم التمسّك ببوتفليقة والتأكيد في كل خطاباته على ولائه له، وأن كلّ الإنجازات هي «تحت رعاية فخامة رئيس الجمهورية، وزير الدفاع، القائد الأعلى للقوات المسلّحة السيد عبد العزيز بوتفليقة» كما تعوّد القول في خطاباته.

Embed from Getty Images

وبالعودة إلى الماضي، فعندما خرج وزير الدفاع الجزائري السابق محمّد العماري، رفقة عدّة جنرالات لأوّل مرّة إلى الشعب في بداية الألفي الثانية، وصرّح أمام شاشات التلفزيون مُدافعًا عن «جنرالات الجزائر» الذين يتّهمهم الجميع بكلّ أشكال التُهم، كان من بين الحضور أحمد قايد صالح؛ ما جعل البعض يربط بينه وبين «جنرالات التسعينات» الذين اتّخذوا قرار إيقاف المسار الديمقراطي سنة 1992.

صحيح أن أحمد قايد صالح كان من بين الجنرالات الذين تورّطوا في الحرب الأهليّة في سنوات التسعينات بعد إيقاف المسار الديمقراطي إثر فوز الإسلاميين بالانتخابات البرلمانيّة، إذ كان قائد ناحية عسكريّة ثم قائدًا للقوّات البريّة خلال فترة «العشريّة السوداء»، لكنّ الرجل لم يكن بأي شكل من الأشكال قريبًا من الدائرة الضيّقة لاتخاذ القرار السياسي، ولا توجد أدلّة على مساهمته في قرار توقيف المسار الانتخابي، إذ إن رتبته حينها لم تكن تتجاوز اللواء، وبالتالي فإن مهمّته كانت تنفيذيّة أكثر منها مشاركة في صنع القرار، بينما كان بوتفليقة هو من رقّاه في سلّم الترتيب العسكري إلى فريق سنة 2006، وذلك بعد أن عيّنه قائدًا لأركان الجيش سنة 2004، ليخلُف الجنرال عمّاري الذي توتّرت العلاقة بينه وبين بوتفليقة، وبالتالي فإنّ مسؤوليّته الشخصيّة عن الأحداث والأخطاء التي حدثت في تلك المرحلة لا تتجاوز القدر الذي تتحمّله المؤسّسة ككلّ بصفة عامّة.

قايد صالح كان قد شكّل منذ ترقيته إلى منصب قائد الأركان، حليفًا رئيسًا مع بوتفليقة من أجل إنهاء سلطة جنرالات التسعينات الأقوياء الذين كانوا يحظون بنفوذ واسع داخل الدولة، وهو ما كان يشكّل هاجسًا للرئيس بوتفليقة الذي سعى لانتزاع صلاحياته الكاملة، كما كانت أكبر حرب دخلها الحليفان، والتي خرجا فيها منتصريْن، هي الحرب التي أطلقاها ضدّ «مديرية الأمن والاستعلام» بقيادة الجنرال توفيق الذي كان يوصف بـ«ربّ الجزائر» بسبب نفوذه القويّ وشبكة رجاله الممتدّة في كل أجهزة الدولة والمجتمع، والتي لُقّبت بالدولة الموازية. وقج استطاع الحليفان أن ينزعا الصلاحيات من توفيق في حرب امتدّت لسنوات طويلة، وهدأت قليلًا بإقالة توفيق سنة 2015، لكن لا يبدو أنها انتهت تمامًا، خصوصًا بعد العودة الأخيرة لتوفيق إلى الساحة مجدّدًا.

هل يطمح قايد صالح في أن يصبح رئيسًا؟

بعد تداعيات قضيّة شُحنة الكوكايين التي خرجت إلى العلن في الصائفة الماضية، يظهر للوضوح طموح قايد صالح في بسط نفوذه المطلق في مؤسّسة الجيش، إذ استغلّ قائد الأركان حادث توقيف شحنة هائلة من مادّة الكوكايين المخدّرة التي بلغت 701 كجم، ليقوم بحملة شاملة من التغييرات والإقالات والاعتقالات داخل صفوف الجيش والشرطة والدرك، شملت قادة عدة نواحي عسكريّة، وكلًّا من قائد القوّات البرية والبحرية، بالإضافة إلى قائد الدرك والشرطة، بالإضافة إلى كل من مدير المالية ومدير الموارد البشرية والمدير العام لوزارة الدفاع الجزائريّة، ليُصبح قايد صالح بعد كلّ هذه التغييرات – التي وُصفت بالأكبر منذ الاستقلال – صاحب النفوذ الأوحد داخل المؤسسة العسكريّة.

Embed from Getty Images

حظيت المؤسسة العسكرية الجزائرية بنفوذ سياسي استثنائيّ، ترواح بين تنصيب الرؤساء وعزلهم والانقلاب عليهم، لكن بوتفليقة من خلال تحالفه طوال سنوات حكمه مع قايد صالح استطاع تحييد الجيش عن التدخّل في السياسة وتفاصيلها، ليعود الجيش ويلقي بظلّه على الساحة السياسية بعد مرض الرئيس واندلاع الحراك الشعبي، ويقرّر دفع بوتفليقة إلى الاستقالة.


ومن المعطيات المطروحة على الساحة، يمكن القول إنه لا يوجد أدنى شكّ في أن المؤسسة العسكرية الجزائريّة تشهد غيابًا تامًّا للشفافية من ناحية التسيير الماليّ، إذ لا تُناقش ميزانيتها في البرلمان الجزائري ولا تخضع لأي رقابة أو محاسبة من طرف الهيئات الرقابيّة، ويتحاشى الإعلام التطرّق لهذا الملفّ. وتطرح هذه المسألة إشكاليّة عميقة حين نعرف أنّ ميزانيّة الجيش الجزائري تبلغ أكثر من 10 مليار دولار، وهي بذلك أكبر ميزانيّة دفاع على المستوى الافريقي، ويبرّر الخبراء العسكريّون القريبون من الجيش الجزائريّ ذلك بالقول إنّ مساحة الجزائر الشاسعة كونها الأكبر في أفريقيا، وحدودها البريّة الواسعة الممتدّة لأكثر من 6 آلاف كم، المشتعلة في كلّ من مالي وليبيا والصديق العدوّ، المغرب، يحتّم عليها هذا الانفاق السنوي الهائل.

ولعلّ السؤال الأبرز في هذه اللحظات لدى الكثير من المتابعين هو إن كان قائد الأركان سيستغلّ هذا الحراك الشعبي ليمهّد له الطريق نحو الترشّح للرئاسة؟ لكن المؤكّد أن الجيش الجزائري منذ سنوات – خصوصًا بعد العشريّة السوداء – يحاول النأي عن التدخل في الشؤون السياسية بشكل مباشر وعلنيّ، خاصة وأنّه خسر كثيرًا من رمزيّته بعد توقيفه المسار الانتخابي سنة 1992، وبالتالي فإن ترشّح قايد صالح شخصيًّا أو أيّ شخصية أخرى من داخل الجيش تبقى مستبعدة للغاية، لكن رغم ذلك فإن الطموح الشخصي وإغراء السلطة هي من بين المتغيّرات التي لا يمكن قياسها.

لماذا أصرّ الفريق قايد صالح على حماية بوتفليقة حتى اللحظة الأخيرة؟

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد