ينقسم العالم ما بين مؤيد، ومعارض لما يحدث الآن في فنزويلا؛ فالعالم الغربي، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، يقف وراء خوان جوايدو، رئيس البرلمان الذي أعلن نفسه رئيسًا للبلاد بالوكالة، في حين تصطف قوى كبرى مناوئة للغرب مثل روسيا والصين وإيران وتركيا وراء الرئيس نيكولاس مادورو.

بداية الأمر كانت في 10 يناير (كانون الثاني) 2019، عندما نُصب نيكولاس مادورو لولاية رئاسية ثانية تستمر ست سنوات أمام المحكمة العليا، بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في أواخر شهر مايو (أيار) الماضي، وسط اتهامات بالتزوير من المناوئين له في الداخل والخارج.

وفي 21 يناير الماضي، استولت مجموعة من المسلحين يرتدون ملابس عسكرية، ويقدمون أنفسهم على أنهم جزء من الحرس الوطني البوليفاري، على كمية من الأسلحة في موقع عسكري بمدينة بيتاري الفنزويلية، قبل أن يتجهوا إلى إحدى الثكنات شمال العاصمة الفنزويلية كراكاس.

وفي شريط مصور نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي، قال العسكريون إنهم لا يعترفون بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، داعين السكان للنزول إلى الشارع. وبعد بضع ساعات، أعلن الجيش توقيف 27 متمردًا بتهمة محاولة الانقلاب على الرئيس الفنزويلي.

اندلعت اشتباكات في عدد من الأحياء الشعبية في كراكاس، إلى أن أعلنت المحكمة العليا أن البرلمان الفنزويلي غير شرعي، وبعدها بيومين فقط، وتحديدًا في 23 يناير، أعلن رئيس البرلمان خوان جوايدو نفسه رئيسًا بالوكالة للبلاد، واعدًا بحكومة انتقالية وانتخابات حرة. وسرعان ما دعمته الولايات المتحة الأمريكية، وغيرها من الدول الغربية، والجدير بالذكر أن البرلمان هو المؤسسة الوحيدة التي تسيطر عليها المعارضة منذ أواخر 2015.

ماذا يحدث في فنزويلا؟ 5 أسئلة تشرح لك كل شيء

هل تخرب الولايات المتحدة أمريكا اللاتينية؟

«للولايات المتحدة الأمريكية تاريخ طويل في تغيير الأنظمة ودعم الانقلابات في أمريكا اللاتينية، مثلما حدث في تشيلي، والبرازيل، وجواتيمالا، وجمهورية الدومينيكان في سبيعنيات وثمانينيات القرن الماضي. يجب ألا نسير هذا الطريق مرة أخرى، يجب أن نتعلَّم من الماضي».

هكذا أكد السيناتور الأمريكي اليساري، المرشح الرئاسي للانتخابات الأمريكية القادمة في 2020، بيرني ساندرز، مُعلِّقًا على دعم الولايات المتحدة الأمريكية لرئيس البرلمان الفنزويلي الذي أعلن نفسه رئيسًا للبلاد؛ إذ لفت ساندرز إلى خطورة ما أسماه «العواقب غير المرئية للتدخل الأمريكي»، مشددًا على ضرورة النأي عن قضايا الانتخابات والشؤون الداخلية في فنزويلا، مؤكدًا أن الشعب الفنزويلي مسؤول عنها، مستنكرًا دعم ترامب للانقلاب على مادورو، قائلًا: «ماذا عن آخر انتخابات في السعودية؟ لماذا لا يقلق الرئيس ترامب بشأنها؟».

ويبدو أن تصريحات بيرني ساندرز، الذي يعتبر أحد أعمدة اليسار في الولايات المتحدة الأمريكية، قد تكون أحد عوامل إقصائه من السباق الرئاسي الأمريكي المُقبل؛ إذ إن النائبة الديمقراطية دونا شلالا، عضو الكونجرس الأمريكي عن ولاية فلوريدا، أكدت أن تصريحات ساندرز قد تشكِّل أزمة له؛ فقد تكون سببًا في عدم فوزه بترشيح الحزب الديمقراطي في الانتخابات الأمريكية الرئاسية المقبلة.

يأتي هذا في الوقت الذي تتهم فيه قوى اليسار في أمريكا اللاتينية، الولايات المتحدة، بدعم اليمينيين في هذه البلدان؛ إذ يرون أن اليمينيين يجدون صعوبة في النجاح بمعاركهم السياسية في دول القارة التي غالبًا ما تُدار بقادة اشتراكيين. ففي فنزويلا على سبيل المثال، يرى التيار اليساري أن اليمينيين يخفقون ويحققون فشلًا ذريعًا في الحشد الشعبي من أجل الانتخابات، أو الضغط المجتمعي، بل إنهم يفشلون حتى في تقديم أي شكل من أشكال الإلهام لمؤيديهم؛ مما يقودهم إلى اللجوء إلى ما وصفوه بـ«الأنشطة الإرهابية» المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي الوقت نفسه، توضح قوى اليسار في فنزويلا أن الظروف المختلفة والمتغيرة من حينٍ لآخر أدت إلى وجود أخطاء، ارتكبها الرئيس الحالي نيكولاس مادورو، أو حتى الرئيس السابق هوجو شافيز، مشيرين إلى أنه في ظل الحرب ضد الرأسمالية والإمبريالية، سيكون الطريق صعبًا وطويلًا، خاصةً في ظل الدعم الأمريكي والغربي المستمر لليمين، وأيضًا في ظل غياب دعم دولي لقوى اليسار في فنزويلا.

مترجم: التضخم وصل 700%.. كيف لعبت السعودية دورًا في أزمة فنزويلا الاقتصادية؟

تاريخ الولايات المتحدة الطويل في دعم الانقلابات

ولا تخلو تصريحات ساندرز، وغيره من اليسار، حول التدخل الأمريكي ودعم الانقلابات في أمريكا اللاتينية من الحقيقة؛ إذ تدخلت واشنطن بقواتها العسكرية أكثر من 50 مرة في القارة اللاتينية منذ عام 1890، وكان لبنما النصيب الأكبر؛ إذ دخلتها القوات الأمريكية ثماني مرات بين عامي 1980 و1989، تليها هندوراس ونيكاراجوا بمعدل سبعة تدخلات عسكرية أمريكية مباشرة.

الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية تدخلت في أمريكا الجنوبية عدة مرات بعد الحرب العالمية الثانية، على أمل وقف انتشار الشيوعية، وفي عهد الرئيس جون كنيدي دربت مجموعة من المتمردين يسعون لإطاحة الرئيس فيدل كاسترو في كوبا، وفي تشيلي ساعدت أيضًا الجنرال أوجستو بينوشيه على إطاحة حكومة سلفادور أليندي اليسارية.

ولم تمانع واشنطن يومًا في التدخل في الشؤون الخاصة لهذه الدول، تدخلًا واضحًا، بهدف محاربة السياسيات الاشتراكية المناوئة لها؛ فعادةً ما تكون الولايات المتحدة مسؤولة عن حالة عدم الاستقرار الموجودة في دول أمريكا اللاتينية، عن طريق التخطيط والدعم الموجَّه للانقلابات هناك، مستغلةً حلفاءها المحليين في الدول المختلفة.

يأتي ذلك منذ عام 1823، عندما أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك، جيمس مونرو، أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع ما أُطلق عليه اسم «الاستعمار الأوروبي لأمريكا الجنوبية»، وهو الإعلان الذي أصبح يعرف باسم«مبدأ مونرو».

وفي ظل تهديد ترامب أكثر من مرة بالتدخل العسكري في فنزويلا، أوله عام 2017، وآخره منذ أيام في فبراير (شباط) من العام الجاري 2019، يبدو أن التفكير في إطاحة مادورو من الحكم كان، وما زال، موجودًا ضمن خطط الرئيس الأمريكي.

نيكولاس مادورو.. سائق الحافلة «ذو الـ7 أرواح» الذي يقود فنزويلا إلى الهاوية

حين تحولت فنزويلا إلى بؤرة مقاومة للنفوذ الأمريكي

تدهورت العلاقات بين البلدين تدهورًا سريعًا في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، بعدما ألقى مادورو باللوم على الولايات المتحدة في التخطيط لمجموعة من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها البلاد، فضلًا عن العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على عدد من المسؤولين الفنزويليين، بمن فيهم مادورو نفسه ونائبه، وغيرهما من كبار المسؤولين في الحكومة.

ويمكننا الرجوع إلى عام 1998 لمعرفة سبب كره الولايات المتحدة الأمريكية لمادورو؛ إذ تمكَّن الرئيس الفنزويلي الراحل هوجو شافيز -والذي ألهم مادورو، الذي خلفه بعد وفاته في عام 2013- من الوصول إلى الحكم، بحصوله على أغلبية ساحقة من الأصوات الانتخابية.

Embed from Getty Images

وبعد توليه السلطة، بدأ شافيز المشبع بالأفكار اليسارية في العمل على إحداث تغيرات جذرية في البلاد، من ضمنها تلك التي تتعلق بفرض قانون جديد للبترول، ونص على مضاعفة النسبة المطلوبة من شركات البترول الأجنبية في فنزويلا، وهي في غالبيتها شركات أمريكية، وهو الأمر الذي لم يُعجب واشنطن، في الوقت الذي أصبحت فيه فنزويلا في المرتبة الثالثة من حيث اعتماد الولايات المتحدة عليها في استيراد البترول عام 2002.

وبالإضافة إلى ذلك، حارب شافيز السياسات الأمريكية التي وصفها بالإمبريالية الفاضحة، ولذلك فقد عملت الولايات المتحدة على إثارة الطبقة المتوسطة في فنزويلا على شافيز، ودعمت ضباطًا من الجيش الفنزويلي معارضين له، وبدأت الخطة حينها، بإضراب في شركة بترول فنزويلا الحكومية، تلاها محاولة انقلاب من ضباط في الجيش على حكم شافيز، لكن شافيز الذي جرى اعتقاله آنذاك استطاع تدبير انقلاب مضاد، والعودة إلى منصبه من جديد بعد 73 ساعة فقط.

اغتيال مادورو ودعم الانقلاب عليه

في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي 2018، كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية عن أن مسؤولين في إدارة الرئيس دونالد ترامب، عقدوا اجتماعات سرية في عام 2017 مع ضباط متمردين من الجيش في فنزويلا، وذلك من أجل مناقشة خطط من أجل إطاحة الرئيس نيكولاس مادورو، مشيرةً إلى أن المسؤولين الأمريكيين قرروا في النهاية عدم مساعدة العسكريين المتآمرين، خوفًا من فشل الانقلاب، ولذلك فقد توقفت الخطة، وجاء ذلك نقلًا عن مسؤولين أمريكيين، وقائد عسكري فنزويلي سابق شارك في المحادثات.

غير أن البيت الأبيض حينها رفض التعليق على الأمر، مُصدرًا بيانًا يؤكد فيه أنه من المهم الدخول في حوار مع جميع الفنزويليين الذين يظهرون الرغبة في الديمقراطية من أجل إحداث تغيير إيجابي في بلد عانى كثيرًا تحت حكم مادورو.

Embed from Getty Images

الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو

ولا يمكن الحديث عن مخططات واشنطن بمعزل عن اتهام الرئيس الفنزويلي الولايات المتحدة، وكولومبيا، وأعداءه في الداخل بتدبير محاولة اغتيال في أغسطس (أب) من العام الماضي 2018، عندما كان يلقي خطابًا خلال مناسبة الذكرى 81 لتأسيس الجيش الفنزويلي في كراكاس، حيث انفجرت طائرتان من دون طيار محملتان بالمتفجرات بالقرب من منصته، لكن وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، أكد حينها عدم تورط الولايات المتحدة في هذا الحادث.

على خطى تشافيز

يمكن توضيح الأمر من الجانب السياسي، ومن الجانب الاقتصادي؛ فإن السيناتور الأمريكي، بيرني ساندرز، عند إعلانه رفض تدخل الولايات المتحدة في فنزويلا، ودعمه لمادورو، أكد في الوقت نفسه أن سياسات مادورو أضرت كثيرًا بالفنزويليين، سياسيًّا واقتصاديًّا، كما أن الصحف اليسارية أكدت أن مادورو لديه أخطاء كثيرة خلال فترة حكمه، وبالتالي فالجميع يعترف بوجود أخطاء لمادورو.

ويمتلك مادورو تاريخًا سيئًا من انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد؛ سواء بسجن المعارضين، أو التعذيب، أو غيره، ولكنه يبرر ذلك بأن الإمبرياليين في واشنطن يسعون إلى إطاحته، ولذلك فيجب عليه أن يقضي على أولئك الذين يدعمونهم من الفنزويليين.

وكان الرئيس الحالي نيكولاس مادورو قد انتُخب في 2013 على وعد منه بمواصلة سياسات الرئيس الاشتراكي الراحل هوجو شافيز. وقد أثنى مؤيدو شافيز على مادورو في سياساته التي تستهدف استخدام الثروة النفطية الفنزويلية من أجل الحد من الفقر وعدم المساواة في المجتمع.

من جانبها تؤكد المعارضة الفنزويلية أن الحكم عن طريق الحزب الاشتراكي الموحد، أدى إلى تآكل المؤسسات الديمقراطية، فضلًا عن السياسات الاقتصادية التي أدت إلى معدلات غير عادية من التضخم. بينما يتهم مؤيدو شافيز ومادورو المعارضة بأنها معارضة نخبوية، وتستغل الفقراء في المجتمع من أجل زيادة ثرواتهم الشخصية.

وبالرغم من وجود الرئيس الحالي نيكولاس مادورو ضمن النخبة الحاكمة لفنزويلا منذ عام 2006، وزيرًا للخارجية، ثم نائبًا للرئيس تارة أخرى؛ إلا أنه لم يستطع أن يتمتع بذات «الكاريزما» التي كان يتمتع بها الرئيس شافيز، ولذلك فلم يكن قادرًا على إلهام أنصار شافيز بطريقته نفسها، ولذلك حدثت المشكلات، وخاصة في ما يخص النفط، والذي تسببت حكومته في انخفاض سعره.

مترجم: كيف ينهار الاقتصاد؟ تعرف إلى رحلة فنزويلا من الازدهار إلى الفقر المدقع

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد