“نعلم ويعلم الجميع أن لا رادع لتمادي الدولة الفارسية في غيها إلا القوة. وعليه نحن في حركة النضال العربي لتحرير الأحواز نرى في الخطوة السعودية لتصحيح الأوضاع في اليمن الشقيق، لإعادة هيبة الدولة فيه بأنها خطوة حكيمة بعد صبر طويل على عبث العابثين، ولقطع دابر قوى الشر الفارسية من الخاصرة الجنوبية لبلاد الحرمين الشريفين، ونحن على ثقة بأن مثل هذه المبادرات الحاسمة كفيلة بإعادة الأمن إلى منطقتنا العربية بعد أن فقدته في الفترة التي صعد فيها نجم الشؤم الفارسي في سماء المنطقة بإرادة دوائر بني صهيون.

الكلمات السابقة كانت أجزاء من بيان لحركة النضال العربي لتحرير الأحواز لتأييد عاصفة الحزم التي قادتها السعودية على الحوثيين في اليمن. لم يكن هذا البيان الشديد اللهجة هو رد الفعل الوحيد من قبل العرب الأحواز بإيران، وإنما بدأت حركة النضال العربي لتحرير الأحواز خطوات تصعيدية في نفس اليوم الذي بدأت فيه السعودية عاصفة الحزم، يوم الخميس 26 مارس بدأت الحركة ما أسمتها “ثورة مسلحة ضد قوات الاحتلال الفارسي”.

إعدامات الأحوازيين في إيران

التوقيت كان مفاجئًا، بيان الحركة لتأييد عاصفة الحزم كذلك كان صادمًا بتوقيته، المنظمة الوطنية لتحرير الأحواز (حزم) أعلنت كذلك تأييدها لعاصفة الحزم. الـ “ثورة” الأحوازية بدأت باستهداف موقعٍ لقوات الحرس الثوري الإيراني بإقليم الأحواز جنوب غرب إيران، بعد يوم واحد من اندلاع مظاهرات عربية حاشدة في الإقليم. قبل يوم الخميس بيومين، بالتحديد الثلاثاء 24 مارس استهدف مسلحون أحواز مقر المباحث بالإقليم إضافةً إلى مركز أمني بمدينة الخفاجية. الشرطة الإيرانية تحفظت على إبداء حجم الخسائر التي تكبدتها والتي يقول “الثوار” الأحوازيون أنها خسائر كبيرة.

“إننا في الأحواز نستبشر خيرا بهذه الخطوة المباركة وبأنها ظهيرة لنا في الخلاص من الاحتلال الفارسي الجاثم على صدورنا لتسعة عقود عجاف. كما تعلن الحركة استعدادها التام إلى جانب شركائها في المقاومة البلوشية والكردية لأي تصعيد  ضد الاحتلال الفارسي وقواته الغازية إذا ما اقتضت الضرورة” *من البيان.

في سياق ربما يكون بعيدًا قليلًا عن الأحداث، كانت مباراة كرة قدم بين الهلال السعودي والفولاذ الأهوازي قد أقيمت خلال الأيام الماضية. حضرَ أحوازيون عرب المباراة؛ مرتدين اللباس العربي “المحرَّم” ورحبوا بالفريق السعودي بلافتات مكتوب عليها يا الهلال العربي أهلا فيك في الأهواز العربي. قامت مناوشات بين الشرطة الإيرانية والأحوازيين أعقبتها بعض الأعمال المسلحة قام بها الأحواز.


الأحواز: ثورات متتالية وقمع دائم!

 “إن الخطر الذي يمكن أن يحدق بإيران، هو إذا ما تأججت القومية العربية في خوزستان عن طريق الحدود العراقية” *أحد السياسيين الإيرانيين في عهد الشاه.

لإقليم الأحواز قصته التي ربما لا يعرفها الكثيرون، الإقليم الغني جدًا والمهم إستراتيجيًا، غالبية سكانه من العرب، لأنه بالأصل إقليم عربي، له زيه العربي ولغته العربية كذلك والتي حرَّمتها عليه أنظمة الحكم في الدولة الإيرانية منذ الشاه. كان الإقليم العربي يخضع لحكم بعض القبائل العربية التي تقطنه، الشيخ خزعل الكعبي كان آخر هؤلاء الحكام العرب. استطاع شاه إيران رضا بهلوي الإطاحة بالشيخ خزعل عام 1924 ووضعه في الإقامة الجبرية بطهران مدة 11 عامًا.

الأحواز

استمرت ثورات وانتفاضات الإقليم المسلحة وحتى السلمية منذ ذلك الحين وحتى الآن! يسجل التاريخ عددًا هائلًا من الانتفاضات الأهوازية في مقابل السلطة الفارسية في طهران. الانتفاضات الهامة كانت أعوام: 1925، 1928 1930، وبعد سقوط النظام الشاهنشاهي وبروز الدولة الخومينية كان إقليم الأهواز من ضمن الأقليات المضطهدة كذلك. فاستمرت الانتفاضات(أبرزها أحداث 2005 و2011). خلال الحرب العراقية الإيرانية كان الإقليم محطة هامة ليلعب عليها صدام حسين. فقد عبر الآلاف من الأحوازيين إلى العراق وأعطى النظام العراقي لبعضهم أراضيَ لكنَّ السلام هذا للأحواز داخل إيران لم يدم بعد صعود الحكومة الشيعية بعد غزو العراق 2003.

في عام 1980 احتجز انفصاليون من الأحواز 26 شخصا رهائن في السفارة الإيرانية في لندن. واقتحمت قوات خاصة بريطانية السفارة بعد حصار استمر ستة أيام وقتل اثنان من الرهائن وخمسة من الخاطفين. كان الأحوازيون مدعومين من صدام حسين حينها.

لا يعمل الأحواز بكيان واحد مستقل، حيث تتعدد الكيانات على أرض الأحواز. بعضها بالطبع هو الممثل الأقوى والأكثر شعبية وبعضها أقلّ، البعض يعمل عسكريًا ويطالب بالانفصال والبعض يعمل سياسيًا ويطالب بحكم ذاتي داخل مظلة الدولة الإيرانية. لكنَّ العمل السياسي والعسكري الأحوازي مرّ بمراحل عديدة وتغيرات مختلفة. وتستطيع القراءة أكثر حول الأحواز، من هنا.

بشكلٍ عام تمنع إيران (الشاهنشاهية ومن بعدها الخومينية) الأحواز العرب من التحدث بلغتهم العربية ومن التسمي بأسماء الصحابة كأبي بكر وعمر. العجيب في الأمر أن غالبية الأحوازيين من الشيعة العرب! لكنَّ الأبحاث والتقارير تتحدث عن اضطهاد “عرقي” فارسي تجاه العرب ولا يفرق النظام الإيراني بين الشيعة والسنة طالما كانوا عربًا!

إحدى المظاهرات؛ بالزي العربي المحرم

أهمية الإقليم

 يقع الإقليم في الجنوب والجنوب الغربي الإيراني، تفصل الإقليم جبال زاجروس عن إيران. الأهمية الجغرافية للإقليم تتركز في كونه مطلًا بطوله على ساحل الخليج العربي، كذلك يقع الإقليم في الجنوب الشرقي من العراق، بينما يحد الأحواز من الشمال إقليم كردستان بأهميته الصاعدة خلال السنوات الماضية.

إقليم الأحواز

نتجاوز الأهمية الجغرافية الآن للأهمية الاقتصادية للإقليم، حيث يمتلك الإقليم وينتج ما نسبته: 88% من النفط الإيراني، و100% من الغاز الإيراني! و35% من المياه في إيران حيث تجري هناك ثلاثة أنهار كبيرة (كارون والكرخة والجراحي) إضافةً إلى كل هذا يمتلك الإقليم أرضًا من أخصب الأراضي في الشرق الأوسط كله للزراعة، ما يجعل الإقليم يوصف بأنه: أفقر شعب يسكن أغنى الأرض خصوبةً وخيرًا.

تمتلك إيران 9 مصافٍ لتكرير البترول بطاقة 1.5 مليون برميل نفط يوميًا، مصفاة عبادان الواقعة في الإقليم تنتج وحدها ما يقارب ثلث الإنتاج الإيراني من النفط بمجمل 420 ألف برميل يوميًا. تخطط إيران لإنشاء مصفاة جديدة في جزيرة قسم الأحوازية بطاقة إنتاجية 120 ألف برميل يوميًا، كذلك يتم تصدير المشتقات النفطية الإيرانية عبر محطات عبادان وميناء معشور وجزيرة خارك، وكلها تقع ضمن إقليم الأحواز!

نهر كارون

هل تدعم السعودية تحركات عسكرية داخل إيران؟

من غير الخافي على أحد الآن أنَّ إيران تدعم الحوثيين في اليمن. تعتبر السعودية اليمن حديقتها الخلفية وقد دخلت في حروب ست مع الحوثيين كللتها بعاصفة الحزم منذ أيام، ومن غير الخافي أن الدول الإقليمية الكبرى تدعم منظمات وهيئات سياسية وعسكرية لترسل بها رسائل سياسية وعسكرية كلما أرادت. غالبًا ما تكون هذه الهيئات من المضطهدين أو أصحاب مشروعات سياسية داخل بلادهم.

اقرأ: ما الذي يحدث في اليمن؟ 6 أسباب سوف تشرح لك كل شيء

SAUDI-US-ROYALS-DIPLOMACY-OBAMA-SALMAN

وكما تدعم إيران عدة دول وأنظمة ومنظمات كذلك تفعل منافستها في المنطقة. فالسعودية تقوم بدعم أنظمة ودول وجيوش وحتى منظمات عسكرية غير نظامية أو رسمية. لكنَّ السؤال الذي يُطرح في سياق هذا التقرير: هل تدعم السعودية تنظيمات عسكرية داخل الأراضي الإيرانية؟

لا يمتلك أحد إجابة كاملة وناجعة حول هذا السؤال. فقط تقارير وتحليلات هو ما نملكه للإجابة على هذا السؤال. تشكل الأقليات غير المتجانسة في إيران ما بين 40 إلى 50% من إجمالي السكان، ولطبيعة النظام الإيراني القائم على مذهب ديني وسياسي موحد ومُعقَّد فإن الأقليات الأخرى مظلومة، لا يكون الظلم أو الاضطهاد فقط سببًا في محاولاتهم السياسية والعسكرية الدائمة لقلقلة النظام وضربه، إذ غالبًا ما تكون هذه الأقليات لها إرث تاريخي طويل من الاستقلال تطالب به، كالأكراد والأحواز.

إقليم بلوشستان يمتد بين إيران وأفغانستان وباكستان ويعتبر ثالث أكبر محافظة في إيران ذات أغلبية سُنيَّة، يشكو الإقليم من اضطهاده كبقية أقاليم الأقليات العرقية، تحوَّل هذا الاعتراض من قبل السُّنة في الإقليم إلى عمل مسلح منذ أكثر من عشر سنوات. فقد أسس سنيون تنظيم جيش العدل عام 2002، والذي يقول أنه يدافع عن حقوق أهل السنة في إيران. استهدفت الحركة مواقع عسكرية وقادة في الحرس الثوري الإيراني.

سجل عام 2009 أهم عملية للتنظيم حين قتلت 6 من كبار قادة الحرس الثوري الإيراني، منهم نائب قائد سلاح البر في الحرس الثوري الإيراني.

لا توجد معلومات موضحة وصريحة حول دعم سعودي “سني” بالفعل للحركة، فقط بعض التحليلات التي تتحدث عن دعم سعودي لجيش العدل لكنّ الدعم هذه المرة يأتي عبر باكستان، حيث يتوزع الإقليم بينها وبين إيران وأفغانستان. فقد سجلت عمليات خطف لجنود إيرانيين من قبل التنظيم، إلا أن التنظيم كان يعبر بهم الحدود إلى باكستان ما أدى بإيران لتهديد باكستان في إحدى العمليات في مارس من العام الماضي.

لا تبقى هناك معلومات مؤكدة حول دعم سعودي للبلوش السنة ولحركة جند الله بالتحديد، لكنَّ فرضية وجود هذا الدعم لا تزال قيد النظر، لكنَّ سؤالًا آخر سيطرح نفسه: إذا كانت السعودية تدعم البلوش وحركة جند الله فلماذا لم تقم الحركة بعمليات عسكرية كنظرائها في الأحواز بعد عملية عاصفة الحزم؟

ما مدى علاقة السعودية بإقليم الأحواز؟

قد يقرأ البعض قيام ما أسمته حركة النضال العربي لتحرير الأحواز بالـ “ثورة” في نفس يوم عاصفة الحزم، في إطار دعم سعودي واسع للأحواز، خصوصًا مع معلومة ترحيب الأحوازيين بفريق الهلال السعودي في المباراة منذ أيام قبل عاصفة الحزم. وقد يقرؤها البعض في إطار الصراع والتنافس الإقليمي بين السعودية وإيران. لكنَّ أسبابًا أخرى قد تمنع مثل هذا التصور:

1ـ أن أغلبية الأحواز من الشيعة وليسوا من السنة، بالتالي لن يكون الحديث عن دعم سعودي “سُنِّي” وإنما بفرض وجود هذا الدعم فهو دعم سياسي من بلد منافس. الأحواز شيعة عرب لكنهم مختلفون مع المنهج الشيعي الذي جرى تعميمه من قبل الخوميني ودولته من بعده.

2ـ بافتراض وجود دعم سعودي وتحرك للأطراف التي تدعمها السعودية داخل إيران، فإن التقارير تشير إلى علاقات قوية مع جيش العدل والبلوش السنة، وجيش العدل لم يعلن أية عمليات عسكرية خلال الفترة السابقة، ولا حتى تأييده لعاصفة الحزم.

بالتالي فإن الحديث عن ثورة “سنية” في إيران ليس حقيقيًا بالكلية، فإقليم الأحواز غالبيته من الشيعة العرب، كذلك فإن البلوش أحق بمثل هذه “الثورة” باعتبار أن السنة متركزون هناك وباكستان تكفل لهم حائطًا قويًا من الدعم اللوجيستي والمادي. وما يحدث في الأحواز ربما لا يتعدى كونه تحركًا عسكريًا مدعومًا بمظاهرات من قبل الشعب الأحوازي العربي؛ لكن من الصعوبة بمكان أن يطلق عليها : “ثورة” مدعومة من قبل السعودية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد