مسترخيًا في أحد المطاعم الفاخرة، يستمتع بوجبة من الحساء والكسكسي المغربي التقليدي، مطلقًا وجهة نظره الاقتصادية تجاه الصين، إنه إبراهيم بنجلون التويمي، رئيس البنك الإفريقي، والمدير العام للبنك المغربي للتجارة الخارجية، الذي يمتلك في المملكة المغربية خمسمائة فرع، ويؤسس فرعه الأول في شانغهاي، عاصمة الصين الاقتصادية، وقد نقلت إحدى الدوريات اليابانية المتخصصة في الشئون الآسيوية، تصريح التويمي الموجز عن العلاقات المغربية الصينية: «نحن في آسيا لأجل إفريقيا، نفتح فرعًا جديدًا في شانغهاي لأجل إفريقيا، بإمكان المغرب أن تكون بوابة الصين لغرب إفريقيا، حيث الشركات ورجال الأعمال المغاربة يتمتعون بالنفوذ الجيد».

وكما أن البنوك المغربية مهتمة بالسوق الصيني، فإن بنك الصين، أقدم المؤسسات المالية الصينية كذلك يفتتح فرعه الأول في المغرب هذا العام، ويسعى البنك من خلال هذه الخطوة إلى تضمين الأسواق الإفريقية المختلفة، والعمل فيها انطلاقًا من الدار البيضاء، أكبر المدن المغربية، والتي وجدت نفسها على خريطة العالم المالية متخطية جوهانسبرج، الجنوب إفريقية، كأول مركز مالي في إفريقيا على مؤشر المراكز المالية العالمية.

إذن، ثمة ركائز لعلاقة ثنائية بناءة بين المملكة المغربية، وجمهورية الصين الشعبية، آخذة في التشكل، توثقت عراها العام الماضي، وما تزال هذا العام توسع دوائرها.

وعندما نأخذ في الاعتبار ما قاله المصرفي المخضرم بنجلون التويمي، ندرك حقيقة أولية، هي موضع الحديث في هذا التقرير، ألا وهي طرح المملكة المغربية نفسها كبوابة الصين إلى إفريقيا ككل، لا سيما إفريقيا الغربية.

 

لماذا وجدت الصين في إفريقيا أرضًا خصبة لنفوذها؟

تنامت بشكل ملحوظ الاستثمارات الصينية في إفريقيا، ورافقتها علاقات دبلوماسية مضطردة، بما أوحى برغبة صينية جامحة في فرض نفوذ دولي جديد خارج الحدود، ناهيك عن عودة القارة الإفريقية لبؤرة الاهتمام العالمي من جديد، بعدما اعتراها التغافل الدولي.

الصين في معرض اهتمامها بالقارة السمراء أنشأت لنفسها أول قاعدة عسكرية خارج حدودها، في بلد إفريقي، وتحديدًا في جيبوتي، درة تاج القرن الإفريقي، ولفهم المآرب الصينية من وراء القاعدة العسكرية، نجد المصالح الصينية من هكذا تحرك تتلخص في الآتي؛ إذ يشكل مضيق باب المندب، الذي تطل عليه سواحل جيبوتي، ممرًا لـ20% من حجم التجارة العالمية، وللصين النصيب الأكبر منها، إضافةً إلى أن 50% من واردات النفط إلى الصين تصلها من المملكة العربية السعودية، والعراق، وجنوب السودان؛ الأمر الذي يجعل للممر أهميةً استراتيجية كبيرة للصين. وجدير بالذكر أن ما يدفع الصين للاهتمام بالضفة الإفريقية من المضيق هو أن الضفة الأخرى محمومة بالصراع اليمني.

وهنا تجدر الإشارة لواحدة من أهم مميزات القارة الإفريقية حاليًا، التي تغير حالها نسبةً لحالة المنطقة، فبعد أن كانت مركزًا للصراعات الدموية باتت أقل من غيرها. من ناحية لأن المحيط الشرق أوسطي بات دمويًّا بعد الربيع العربي، إضافةً للاستقرار النسبي الذي تمتعت به مؤخرًا القارة السمراء.

تتحرك الصين إذن بدوافع جيو-اقتصادية حثيثة، وتسعى في سبيل توسيع رقعة الهيمنة الاقتصادية خاصتها لتدعيم علاقاتها الثنائية مع الدول المتطلعة لهكذا تعاون.

بشيء من التفصيل، تتطلع الصين، ثاني أكبر اقتصاديات العالم، لشغل فراغ دولي، وتقديم نفسها بديلاً للزعماء الأفارقة عن الشركاء التقليديين من الأوروبيين والأمريكيين، وتتطلع الصين لإفريقيا وغيرها من دول آسيا وأمريكا اللاتينية كذلك، فبالنسبة للصين كانت وما تزال إفريقيا غنية بالموارد الخام التي تحتاجها، سواء من الأغذية، أو هذه التي تحتاجها في الصناعات، وتعمد الصين في سبيل ذلك إلى الحصول على حق استخراج هذه الخيرات، بتقديم العروض لدول إفريقيا، بتجديد بناها التحتية من موانئ وقطارات وشبكات مياه ومطارات، وتضمن الصين سداد قيمة المشروعات التي تقوم بها في صورة بضائع تطرحها في السوق الإفريقية الواسعة، والمتعطشة في ذات الوقت للسلعة الرخيصة نسبيًّا، وليس هناك أرخص من السلع الصينية إذا ما قورنت بغيرها من الأوروبية أو الأمريكية.

وبجانب الأهمية الاقتصادية -التي تأتي بلا شك في المقام الأول- تتطلع الصين لتحالفات جيو- استراتيجية، ليوافق حضورها السياسي حضورها الاقتصادي، كثاني أكبر اقتصاديات العالم، ويفضل زعماء إفريقيا الشراكات الصينية على غيرها؛ لأنها إلى حد كبير لا تحمل إملاءات سياسية كغيرها، ولا تفرض مناخًا محددًا لنجاحها، فلا يهم الصين إن كان هذا البلد يوفر لشعبه الحرية أم يسوقه بالسوط، المهم بالنسبة لها أن تؤتي الشراكة ثمارها الاقتصادية بتجرد تام.

ولذلك، حرصت الصين منذ عام 2000، على إقامة منتدى التعاون الصيني- الإفريقي، ليس فقط بغاية الاحتفاء والاحتفال الرمزي بـ(الأخوة الصينية- الإفريقية)، بل لإطلاق مشاريع ضخمة بهذا البلد الإفريقي، أو ذاك، تعبيرًا عن اقتران نهجها بالعمل على الأرض.

حاولت الصين مع تثبيت الحضور السياسي والاقتصادي في القارة الإفريقية، إحداث نوع من الانتشار الثقافي، فافتتحت مراكز لتعليم اللغة الصينية، كما دخلت في شراكات متعددة في المجالات المجتمعية المختلفة في بلدان القارة، وهو الشيء الذي لربما يبقى ضعيفًا نسبيًّا إلى الوقت الحالي.

 

المغرب والصين وشراكة الربح للجميع

لطالما قدمت الصين نفسها بشكل مختلف عما يظهر عليه غيرها من الشركاء، واعتمدت في ذلك على عدة مسوغات، أهمها:

1- الربح للجميع: دائمًا ما تكون حاضرة في أذهان شعوب دول الجنوب مظلومية الإمبريالية العالمية، وسيادة الرجل الأبيض، ما يجعل أي شراكة مع الرجل الأبيض على ميزان الاستعمار في نظرهم، والاستخفاف بمقدرات الشعوب، ونهبها بأي درجة ممكنة، وعليه سوّقت الصين لتحالفاتها الاقتصادية على أنها تحالفات الجنوب مع الجنوب، تحالفات نشأت في سياق مختلف، تحمل الربح للجميع.

ولإثبات ذلك، تقدمت الصين لبعض البلدان الإفريقية بمشاريع خدمية في شكل هبات، لا ترد، كبناء المستشفيات والمدارس والمصالح الخدمية المختلفة، بجانب قروض بلا فائدة وقروض تفضيلية، وكلها لإثبات مبدأ الربح للجميع.

2- الشراكة لا تعني حكم الأقوى: ويأتي هذا المسوغ عطفًا على ما يسبقه، فلم تعمد الصين لإنجاح شراكاتها إلى فرض أجندات سياسية معينة على الدول الأخرى، وتحاول الظهور دائمًا بأنها لم تسمح لنفسها بدافع الشراكة أن تتدخل في شؤون الدول الداخلية، أو في أنظمة الحكم، ما يجعل الشركاء الأفارقة يشعرون بالاستقلالية التي لطالما انتزعها منهم الرجل الأبيض.

3- الصبغة الإنسانية: إذ تسمح الصين بسهولة انتقال العمالة بينها وبين الدول الشركاء، ما يجعل التعايش الاجتماعي أمرًا ممكنًا في كثير من الأحيان، ورغم أن ذلك يخدم المصلحة الاقتصادية بشكل مباشر من خلال فرض احتكاك قوي ومباشر مع السوق والأفراد، إلا أنه يضفي حالةً من التآلف المجتمعي لا تجعل المواطن الإفريقي متأففًا، مستشعرًا بالحاجة والنقص المعنوي.

 

هذه المسوغات الثلاثة جعلت من الصين شريكًا رائعًا في نظر المملكة المغربية العربية، حتى بات المصرفيون ورجال المال والسياسة يرجحون إمكانية أن تصبح المغرب بوابة الصين لغرب إفريقيا. بشيء من التفصيل يمكن القول إن عام 2015 شهد تناميًا غير مسبوق في العلاقات الثنائية بين الصين والمغرب،

وخلافًا لبلاد إفريقية أخرى، تصدّرت المغرب لتكون بوابة الصين إلى إفريقيا أكثر من بلدان إفريقية أخرى كانت مرشحة للعب نفس الدور مثل جنوب إفريقيا، وموريشيوس، فقد أبدت المغرب استعدادًا أكبر، وبدت أنها الأكثر جاهزية، والأفضل من بين هذه الدول، فاستضافت في العام الماضي أول قمة صينية- إفريقية لرجال الأعمال في مراكش، كما حرصت على استضافة منتديات عالمية لمناقشة أزمات العالم مثل أزمة المناخ، في محاولة لتصدير نفسها على الساحة الدولية قوةً مركزيةً يمكن الاعتماد عليها، والدخول معها في شراكات قوية.

في العام الماضي كذلك قام الملك محمد السادس بزيارة -هي الثانية له خلال عهده- إلى بكين، في مايو (آيار)، وتعليقًا على هذه الزيارة قال وزير الاقتصاد والمالية المغربي محمد بوسعيد: «إن زيارة جلالة الملك من شأنها أن تدفع بالاقتصاد للأمام، لا سيما في منطقة التصدير بـ(طنجة). كذلك ستدعم السياحة بين البلدين».

وعلى ذكر السياحة، فهي بالفعل واحدة من النشاطات الداعمة للاقتصاد المغربي، والتي تركز الصين على دعمها في إطار العلاقات الثنائية المتنامية، وكان 42.000 سائح صيني في ضيافة المملكة في عام 2016، بزيادة سنوية في نسبة السائحين المغاربة تصل إلى قرابة 300%، بعد أن سهلت المغرب استقدام السائحين الصينيين، وألغت تأشيرة دخول الرعايا الصينيين، وحتى قبل ذلك كانت المغرب تستقبل شهريًّا من 800 لـ 1000 سائح صيني، الرقم الذي تضاعف حتى وصل إلى 7000 سائح في الشهر بعد رفع العوائق أمام دخول الصينيين للأراضي المغربية، ويبدو الحلم المغربي في استضافة 100.000 سائح صيني في العام الحالي 2017 أمرًا قابلًا للتحقيق في ظل الوضع الجديد.

من جانبها كذلك تدفع الصين نحو دعم السياحة المغربية، وفي حدث نظمته مجلة جلوبال تايمز المملوكة للحكومة الصينية في فبراير (شباط) الماضي، بحضور ممثل عن دولة المغرب، ذُكرت المغرب خلال الحفل كـ(أفضل وجهة محتملة)، ما عبر عن رغبة صينية حقيقية لمشاركة المغرب اقتصاديًّا، ودعمها في إطار من المصلحة المتبادلة.

وكانت زيارة محمد السادس للصين العام الماضي، قد تمخضت عن عدد من الاتفاقيات والمشاريع الاستثمارية التي ترغب الصين في تمويلها على الأراضي المغربية، قُدرت حينها بعشرة مليارات دولار، وكان أهمها إنشاء مدينة صناعية متكاملة في مدينة طنجة الساحلية، والتركيز الصيني على طنجة يتمحور حوله جزء كبير من النظرة الصينية للمغرب، إذ ترى الصين في المغرب مدخلًا لأوروبا، كما أنها مدخلٌ لإفريقيا، لسهولة غزو الأسواق الأوروبية عن طريق مضيق جبل طارق.

إذ تضع الصين عينها على السوق الأوروبية القريبة، التي تضم 450 مليون شخص، والتي عقد معها المغرب اتفاقات للإعفاء الجمركي في إطار الوضع المتقدم، وقواعد المنشأ، وقد تمتاز السلع المصنعة في طنجة بحملها علامة (صُنع في المغرب)، بما يمنحها وضعًا تجاريًّا وجمركيًّا أكثر تنافسية، بعد رفض ألمانيا منح الصين صفة اقتصاد السوق.

وفي إنشاء مثل هذا التعاون في المجال الصناعي، تجد المغرب ضالتها لتنمية قطاعها الصناعي المبتدئ، والذي تطمح لأن يشكل 23% من إجمالي ناتجها المحلي بحلول عام 2020، ما يضعها على قائمة الدول الصاعدة.

اقرأ أيضًا: هل كانت المغرب الرابح الوحيد من الربيع العربي؟

وختامًا، فإن المملكة المغربية التي تقدم نفسها للصين بوابةً إلى القارة الغنية بالموارد، تقدم نفسها كذلك مدخلًا لسوق أوروبية كبيرة، لطالما سال اللعاب الصيني عليها، وفي المقابل فإن الصين كما اعتادت سياسة الربح للجميع، رفضت التعليق على كل ما هو شائك في شؤون المغرب الداخلية والخارجية، وفي القلب من ذلك بالطبع، أزمة الصحراء الغربية، وألقت بثقلها الاستثماري والصناعي في الداخل المغربي، راغبةً في إنشاء نقطة تمركز إقليمي جيو-استراتيجي بعيدة عن حدودها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد