رصد مركز المعلومات الوطني الفلسطيني 282 اعتداءً قام بها المستوطنون الإسرائيليون ضد الفلسطينيين.

منذ بداية الشَّهر الجاري والاحتجاجات الفلسطينية تتزايد، تتفاقم، وعمليات الطَّعن بالسَّكاكين للمستوطنين والجنود الإسرائيليين في تزايد مستمرّ، البعض يقول إنَّ ما سمِّي بـ «ثورة السَّكاكين» هو إرهاصٌ لانتفاضةٍ ثالثة يقوم بها الفلسطينيون في وجه الاحتلال، فهل هذا صحيح؟ وما الذي حدث لتبدأ معركة الطَّعن بالسَّكاكِين على نطاقٍ واسع؟ في هذا التقرير ربما تجد الإجابة التي تريد.

الاحتجاجات في مدينة نابلس

 

(1)  معلوماتٌ أوليَّة لا بُدّ منها

  • خلال ثمانية أيَّام فقط، منذُ بداية أكتوبر الجاري وصل عدد الهجمات بالسَّكاكين إلى 14 هجومًا في الضِّفَّة الغربية والقُدس على مستوطنين وجنود إسرائيليين. أسفرت عن مقتل إسرائيليَّين وإصابة نحو عشرين آخرين وفقًا لمواقع إخبارية إسرائيلية، بينما قتلت الشرطة الإسرائيلية سبعةً من منفِّذي هذه العمليَّات. لكنّ العمليات لم تتوقَّف حتَّى يوم الخميس الماضي وأمس السبت الذي قامت فيه أربع عمليَّات طعن اثنتان منها في القدس، أصيب في إحداها ثلاثة رجال شرطة إسرائيليين. مُنفِّذ هذه العمليَّة الأخيرة يدعى محمد علي تمّ قتلُه بعد تنفيذه العملية، وهو من مخيَّم شعفاط للاجئين الفلسطينيين.
  • أعلنت وسائل إعلام فلسطينية فجر اليوم أنّ امرأة فلسطينية حاملًا في سن الثلاثين لقيت مصرعها هي وطفلتها ذات الثلاث سنوات في غارة نفَّذها سلاحُ الجوّ الإسرائيليّ على قطاع غزَّة، وذلك ردًّا على إطلاق صاروخ من القطاع باتِّجاه جنوبِ إسرائيل. في سياقٍ متصل اندلعت مواجهات بين شباب فلسطيني وقوات الأمن الإسرائيليَّة، سَقَطَ إثرها أكثر من 20 فلسطينيًّا بينما أصيب ما يزيد عن الـ 1000، ما اعتبر أكبر مواجهة منذ اندلاع انتفاضة الأقصى الثَّانية.
  • يومُ الجمعة أوَّل أمس، سقط ستّة فلسطينيين من غزة واثنان من الضِّفَّة الغربيَّة في المظاهرات التي اندلعت تحت اسم «جمعةُ الغضب». كما جُرِحَ نحو 140 فقط يوم الجمعة. ووفقًا لمصادر في الهلال الأحمر الفلسطينيّ فقد أعلنت – للعربي الجديد– أن عدد المصابين في الضِّفَّة الغربيَّة وحدها وَصَلَ 581 مصابًا.

غزَّة

  • لا يتجاوز عُمر – أغلب- الشُّبَّان الفلسطينيُّين الذين ينفِّذون عمليات الطَّعن العشرين عامًا. أحدهم كان عمره 16 عامًا فقط. اسمه إسحاق بدران طعن أمس السبت مستوطِنَينِ اثنين في السِّتينيَّات من عمرهما ينتميان لـطائفة الحريديم المتدينة المتطرفة.
  • خلال الشهور الأخيرة تزايدت العمليَّات العنيفة للمستوطنين تجاه الفلسطينيين. في شهر يوليو الماضي قام مجموعة من المستوطنين المتطرِّفين باقتحام قرية دوما بنابلس وقاموا بإحراق منزلين، توفَّي الأبُّ والأمُّ وأحد الطِّفلين فيما عُرف إعلاميًّا بـحرق منزل عائلة الدوابشة. بينما قتل جنود الاحتلال الفتاة هديل الهشلمون التي أوقفوها في أحد الحواجز الأمنية وطلبوا منها خلع النِّقاب، لم توافق، فقتلوها بعشر رصاصات في البطن والصدر والقدم.
  • قامت الحكومة الإسرائيلية –بقيادة نتنياهو – بتنظيم الاقتحامات التي يخوضها المستوطنون والحاخامات اليهود وحتى وزراء ومسؤولين في الحكومة للمسجد الأقصى وتمويله وتشجيعه. وقد بلغ عدد هذه الاعتداءات فقط خلال الربع الثالث من العام الجاري 45 اعتداءً.
  • كان أبرز هذه الاعتداءات اقتحام نائب رئيس الكنيست الإسرائيلي موشيه فيغلن الحرم المقدسي وتحطيم الأبواب والنوافذ التاريخية للمسجد.

بعد هذه الشواهد وغيرها، بدت عمليَّات الطعن بالسكاكين مفهومة في سياقٍ متكامل.

·       ردود الأفعال: ما بين التمنِّي والخوف

  • بينما تقف السلطة الفلسطينية موقفًا محافظًا من «الانتفاضة» (الفيديو القادم لرئيس السلطة الفلسطينية يقف موقفًا مناهضًا للانتفاضة الثانية التي أدَّت إلى الدمار كما يقول)، تقف حكومة حماس موقفًا مؤيِّدًا لهذه «الانتفاضة». لكنّ هذا التأييد وفقًا لبعض وسائل الإعلام ليس تأييدًا كاملًا، وإن أكَّد على هذا التأييد الكامل إسماعيل هنيَّة في خطبة الجمعة أوَّل أمس الذي اعتبر فيه أنّ ما يحدث انتفاضة عارمة وليست هبَّة خفيفة أو صغيرة.

لكنّ أسبابًا أخرى تجعل من دخول قطاع غزة هذه «الانتفاضة» أمرًا غير واضح، وغير مؤيد بالشواهد الواقعية. فغزَّة وإن خرجت فيها المظاهرات المؤيِّدة لما يسمى بثورة السَّكاكين. وإن خرجت منها صواريخ استهدفت مستوطنات إسرائيلية إلا أن رهان أن تدخُل غزة هذه الانتفاضة صعبٌ بعض الشيء. فغزَّة خرجت من ثلاث حروب خلال الستّ سنوات السابقة، كما أن جنود الاحتلال يقفونَ على الحدود الشرقيَّة والشماليَّة للقطاع، ما يعني أنهم سيستخدمون النار من بعيد، وليس هناك مجال للاحتكاك بينهم وبين المواطنين بأي شكلٍ من الأشكال. كما أنّ إسرائيل هدَّدت بأنها ستخوض حربها القادمة بطريقة أخرى تنتهج فيها نهج تدمير الأبراج السكنية وإبادة العائلات وهدم الأحياء السكنيَّة. بعض قادة حماس السياسيين يعتقدون أنهُ ليس هذا هو الوقت الصحيح لاندلاع انتفاضة لأنه ليس هناك وحدة وطنية بين فتح وحماس أولًا. أحد هؤلاء القادة السياسيين هو غازي حمد.

  • وزير الأمن الإسرائيلي موشيه يعلون يرى أنّ الموجه الحالية ستنتهي في نهاية الأمر بعد بعض التصعيدات، لكنها ستنتهي. كما أنَّه من المقرر أن يزور – هذا الأسبوع- وفد من اللجنة الرباعيَّة الدولية إسرائيل ومناطق السلطة الفلسطينية.

·       المخيَّمات في الضِّفة الغربية تنتفض

الجنود الإسرائيليون اليوم

يقطن في الضِّفَّة الغربيَّة 2.8 مليون فلسطيني وفقًا للجهاز الإحصائي الفلسطيني. في الضفة 19 مخيمًا للاجئين يقطن فيهم 942.184 لاجئًا حسب إحصاء وكالة الأونروا التي أنشأت هذه المخَّيمات عبر مراحل عديدة منذ 1948. خلال عام 2002، بَنَتْ إسرائيل برئاسة شارون جدارًا فاصلًا يفصل بينها وبين الفلسطينيين في الضفة الغربية بحجَّة حماية إسرائيل من العمليات الفدائيَّة. لكنّ هذا الجدار العازل اقتطع جزءًا كبيرًا من الأراضي الفلسطينية وساهم في إحكام الحِصَار على الضِّفَّة وإفقار اقتصادها بشكل متزايد.. الآن وفي ثورة السكاكين ينتفض شباب هذه المخيَّمات الذين خرجوا إلى العالم ووجدوا أنفسهم فلسطينيين معزولين بهذا الجدار العازل.

 

(2)  «ثورة السكاكين»: السِّلاح الأكثر بياضًا يُرهب إسرائيل ويُنذر بانتفاضة ثالثة

هل يُمكنُ تحديد متى بدأت عمليات الطَّعن بالسَّكاكين في تاريخ النضال الفلسطينيّ؟ لا، لكنَّنا يمكن أن نقول إنها لم تظهر بهذه القوة إلا خلال العام المنصرم. المنفِّذُون لعمليَّات الطَّعن إمَّا شباب في مُقتبل العُمر ولم يُتِمُّوا العشرين عامًا، وإمَّا أسرى سابقون في سجون الاحتلال. أحد هؤلاء الأسير، ثمّ الشهيد، معتزّ حجازي. الذي اعتقل أثناء انتفاضة الأقصى عام 2000 ولم يخرج من السًّجون الإسرائيلية إلا عام 2012.

عملية طعن شرطي إسرائيلي، ديسمبر 2014:

العام الماضي تزايدت صَيحَات الإسرائيليين بالتَّهديد بتحويل المسجد الأقصى إلى هيكل. الحاخام يهودا غليك، أكثر الحاخامات وعيدًا.. قرر حجازي اغتياله بإطلاق النيران. لم تكن هذه عمليَّة طعن بالسكاكين بالطبع، لكنَّها كانت البداية. فقد كانت معركة السكاكين الأكبر في نوفمبر الماضي حين انطلق عضوان للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إلى قرية دير ياسين، بالبلطة والسِّكين كان ضحاياهما: خمسة صهاينة قتلى، وثمانية مصابين. وهكذا بدأت آلية استخدام السَّكاكين في المقاومة بشكلٍ متزايد. في المولات، الشَّوارع، الأماكن العامة يخبِّئ شابٌ فلسطينيٌّ سكينهُ، وفي لحظةٍ ما ينطلقُ نحو المستوطن أو الجنديّ ليطعنهُ عدَّة طعنات يرديه قتيلًا أو مصابًا، في بعض الحالات تمكَّن الشباب الفلسطينيون من الهرب، وفي بعض الحالات نالوا الشهادة، وفي بعض الحالات استطاع الشاب أن يستولي على سلاح أحد المجندين ويقتله ويصيب مجندين آخرين كما حالة الشهيد مهند الحلبي.

الشهيد مهند الحلبي أثناء تنفيذه عملية الطعن:

https://youtu.be/PjItkWn6vqg

هل ستصبح آلية الطعن بالسكاكين متعارفًا عليها ها هنا؟ في تلك البقعة من الأرض التي كان الفلسطينيون فيها في أغلب أوقاتهم عزَّلًا؟! ربما. وبعيدًا عن السياقات الأخرى لحسن نصر الله ولحزب الله، في الانتفاضة الثانية خرج حسن نصر الله بخطابٍ جماهيريّ ليخبر الفلسطينيين: تستطيعون أن تهزموهم بالسكاكين. إذا كنتَ لا تملكُ الرَّصاص، فمن منكم لا يملكُ السِّكين؟!

 

·       الانتقام الإسرائيليّ

كالعادة يكون الانتقام الإسرائيليّ أكثر عنفًا وقسوة، وكالعادة أيضًا لا يملّ المناضلون من تكملة الطريق التي بدأت منذ عشرات السنين ولم تنتهِ. هذه المرَّة لجأت السُّلطات الإسرائيليَّة إلى آليَّةٍ أخرى في الانتقام من أهالي منفذ العملية بعد استشهاده، وهي أن تقوم بسكب البيت بالإسمنت. في لحظةٍ ما تأتي شاحنات الإسمنت الإسرائيلية وتقوم بسكب البيت بالإسمنت، إمَّا حُجَر البيت كاملةً وإمَّا حجرة الشهيد وحده. في كلتا الحالتين البيت مهدَّد بالانهيار، وتكون الكارثة أعمّ وأشمل إذا كان الشهيد يقطن في بناية سكنيَّة وليس في بيت خاص بأهله مثلًا، ما يعني أنّ عدد أُسر كبيرًا يتم الانتقام منه، فليست أسرة الشهيد فقط وإنما جيرانه كذلك.

 

(3)  هل هي انتفاضة ثالثة حقًّا؟!

الاحتجاجات اليوم

العديد من المحللين، والكُتَّاب، والسَّاسة، اعتبروا ما يحدث منذ أوَّل أكتوبر الجاري انتفاضةً ثالثة، على غرار الانتفاضتين السابقتين (انتفاضة الحجارة عام 1987و انتفاضة الأقصى عام 2000). بعض قادة حماس يحشد الناس في الضِّفَّة والقُدس بخطاباته الحماسيَّة، قادة فتح متخوِّفون من اندلاعِ انتفاضةٍ ثالثة ستأتي بالدَّمار والفوضى (كما يقول رئيس السلطة الفلسطينية محمود عبَّاس). ماذا يتبقَّى من كلّ هذا إذن؟ وهل يمكن أن تقوم انتفاضة ثالثة بالفعل كما يأمل الكثيرون؟

وجهٌ آخر من المعادلة يطلّ علينا عبر محللين وكتَّاب آخرين، وهو أنّ ما يحدث هي حركة احتجاجيَّة ولكنَّها لا ترقى لوصف «الانتفاضة الثالثة». فظُروف اندلاع الانتفاضتين السابقتين مغايرة تمامًا لظروف هذه الـ «هبَّة» أو الحركة الاحتجاجية. يرجع هذا التحليل لثلاثة أسباب:

  • الأوَّل: أنّ الجدار العازل الذي بنتهُ إسرائيل عام 2002حول المناطق الفلسطينيَّة بالضفَّة الغربيَّة يمنع الاحتكاك بين الفلسطينيين والمستوطنين بشكلٍ مباشر. وهذا السبب الأبرز لعدم تسمية ما يحدث حاليًا بالانتفاضة الثالثة. فالاحتكاكات التي ابتدأت الانتفاضتين السابقتين ليست متوفِّرة الآن.
  • الثاني: عدم وجود قيادة وطنيَّة موحَّدة وعدم وجود عمل تشاركي بين الفصائل الفلسطينيَّة المختلفة فيما بينها. فقد احتضن الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات انتفاضة الأقصى وآمن بها. القيادة الحالية ترى أنّ الانتفاضة الثَّانية كانت مدمِّرة ولن تسمح بها (يمكنك مشاهدة الفيديو في أول التقرير مرةً أخرى)، كما قد صرح محمود عباس سابقًا بأنَّهُ لن يسمح باندلاع انتفاضةٍ ثالثة. ما يعني أنه قد يُكمِلُ ما بَدَأَهُ من التنسيقِ الأمنيّ بينَ السُّلطة الفلسطينيَّة وإسرائيل، وهذا أحد الأسباب الهامة التي قد تمنع اندلاع انتفاضةٍ ثالثة.
  • الثالث: أنّ انحصار شَكل المقاومة الحاليَّة على الأعمال الفردية المنفصلة عن الترتيب الكلي أو القيادة الموحَّدة، لن يؤدِّي إلا إلى قلق الإسرائيليين وتوترهم، لكنه لن يقود إلى انتفاضة ثالثة. وفقًا للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

 

رغم كلّ ذلك، يبقى هناك احتمالٌ ما، بأن تكسر الأحداث المتلاحقة، هذه الأسباب الثلاثة السابقة، وأن تكتمل انتفاضةٌ ثالثة، تمزِّقُ الصمت السائد، كما تمزق السَّكاكين أجساد المستوطنين الإسرائيليين. فهل سيحدث هذا؟ هذا ما ستخبرنا به الأيَّام.

 

اقرأ أيضًا:مع تسارع عمليات الطعن.. هل بدأت إشارات «الانتفاضة الثالثة» في الضفة المحتلة؟

المصادر

تحميل المزيد