من بين كافة رموز نظام الرئيس السابق عُمر البشير، الذين جرت إطاحتهم، ظل اسم صلاح قوش، مدير جهاز الأمن والمخابرات السوداني السابق، حاضرًا ونافذًا على مدار الشهور الماضية، بوصفه الرجل صاحب اليد الطولى على قادة الأجهزة الأمنية، وخيارًا مُفضلًا دومًا للدول الخليجية، والعاصمة المصرية التي استضافته على أراضيها.

صلاح قوش، الذي وصفته الصحف السودانية، بأنه ما يزال يتمتع بثقل داخلي وخارجي عاد من جديد، إلى صدارة بورصة الأخبار العالمية، بحضوره اجتماعات مع قادة الحرية والتغيير في العاصمة المصرية، وبطرح اسمه في مناسبة أخرى عضوًا مُقترحًا في المجلس السيادي، ومناسبة أخرى بسطوته الباقية على الأجهزة الأمنية وقادتها، الذين هم في الأحرى «صنائعه»، وفقًا لمصادر قريبة من المجلس العسكري.

كانت المناسبة الأخيرة التي عاد خلالها صلاح قوش إلى مسرح الأخبار، من جديد، قرار منعه، إثر رفض الولايات المتحدة الأمريكية منحه تأشيرة دخول لأراضيها وأفراد أسرته؛ لتورطه في ارتكاب انتهاكات شاملة لحقوق الإنسان خلال قيادته الجهاز الذي أرعب السودانيين على مدى ثلاثة عقود.

في التقرير التالي نحاول رسم صورة للرجل في الفترة اللاحقة لسقوط البشير، وهل يمثل نفوذه حقيقة نابعة من سيطرته وسطوته على صنائعه والحلفاء الدوليين، أم أوهامًا يروج لها المُقربون منه، وعدد من الدول التي يتمتع معها بعلاقات جيدة.

«بيوت الأشباح».. قصة جريمة تفاخر بها جهاز المخابرات السوداني

الضلع الرئيسي في الانقلاب على البشير.. كيف فعل ذلك؟

خلافًا لمواقف أرفع قادة أجهزة الأمن المُقربة من البشير، كان صلاح قوش عازمًا، منذ اندلاع الاحتجاجات، على إطاحة الرجل، وحاسمًا موقفه بالتنسيق مع أرفع مسؤوليه «بأن الوقت قد حان لإطاحة البشير»، وفقًا لمسؤول مُطلع لـ«رويترز». كانت أحلام الصعود لمنصب الرجل الأول ما تزال تسيطر على صلاح قوش؛ فهو رهان الدول الخليجية المُفضل دومًا في الساحة السودانية، ورجل المخابرات الأمريكية المُفضل التي تراه دومًا.

صلاح قوش يحلف القسم بعد اختياره مسئولًا عن جهاز الاستخبارات (المصدر: وكالة الأنباء السودانية)

عاش صلاح قوش على مدار السنوات العشر الأخيرة على حُلم إطاحة البشير، الذي كان مُضطرًّا للإبقاء عليه بفعل ضغوط خارجية وداخلية، لتكون أولى محاولاته في سعيه ذلك عام 2009، حين وقعت خلافات في الحزب، كان فيها قوش على ضفة والبشير على الأخرى؛ ليُقيله الأخير ويتخلص منه.

من جديد عاد قوش عبر مساعدة نائب البشير لإطاحته، وفقًا لوثيقة نشرتها «ويكليكس»، ليصدر بحقه قرار اعتقال جديد في عام 2012، بتهمة التآمر ضد النظام؛ خرج بعدها بعفو رئاسي.

مدعومًا من الإمارات والسعودية، عاد صلاح قوش إلى منصبه عام 2018، ليبدأ الترتيب لحلمه الأثير، بالتنسيق مع حلفائه الدوليين، مستفيدًا من خروج مئات الآلاف إلى الشارع ضد البشير، ويكون أول ترتيباته لهذا الأمر هو التواصل مع الإمارات، مُقترحًا على البشير بوساطة إمارتية مخرجًا آمنًا، يظل خلاله في السلطة لفترة انتقالية؛ ليرفض الأخير اقتراحه، ويتمسك بمنصبه أمام محاولات الرجل، الذي لطالما خطط ورتب وانتظر طويلًا للصعود بديلًا عنه.

أمام فشل هذا المُقترح، بدأ قوش خطته البديلة عبر التواصل سرًّا مع معارضين في السجن وخارجه، وأخبره أن البشير سيرحل؛ مع إجرائه اتصالات بمسؤولين في المخابرات الإماراتية لإخطارهم مُسبقًا بالحدث المُرتقب، وكإجراء دعائي على خلافه مع البشير ونظامه، استقال صلاح قوش الذي لطالما سجن آلاف المعارضين، من رئاسة المخابرات، في إجراء تظاهر خلاله باختلافه الكبير مع سياسة النظام السابق تجاه فض التظاهرات.

كيف خرج صلاح قوش دون مُحاكمة وما نقاط تفوقه؟

في أعقاب الاستقالة من رئاسة جهاز الأمن والاستخبارات، وانطلاق حملات شعبية تطالب بتقديم صلاح قوش للمحاكمة عن كافة جرائمه، كمسؤول سياسي وأمني؛ أصدرت النيابة العامة بيانًا دافعت خلاله عن احتمالية تواطئه مع قوش، الذي أصدر المجلس العسكري قرارًا بالقبض عليه استجابة لهذه الضغوط الشعبية، غير أن مواجهة القوة المُكلفة بحراسة منزله، عندما حاولت أعضاء النيابة العامة تفتيشه، وتهديدهم بإطلاق النيران، حال دون «تنفيذ أمر القبض عليه وتقديمه للاستجواب أمام نيابة مكافحة الثراء الحرام والمشبوه».

نتيجة بحث الصور عن ‪salah gosh sudan‬‏

صلاح قوش مع عمر سليمان، رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية الراحل (وكالة الأنباء الفرنسية)

بينما يؤكد مصدر مُقرب من قادة المجلس العسكري الحاكم تمتع صلاح قوش بعلاقات وطيدة مع حُكام مصر والإمارات، والتي بدورها تحظى بعلاقات وثيقة مع قادة الجيش، إذ كان ضمن المجموعة التي قادت التغيير مع البشير، وكشف المصدر في تصريحات لـ«ساسة بوست» أن قوش انتقل إلى خارج البلاد، وتحديدًا إلى الإمارات ثم مصر، بالتنسيق مع جهاز الأمن و«تواطؤ» المجلس العسكري الذي سهل سفره إلى الخارج.

وحول احتمالية عودته إلى السودان، أجاب المصدر بمفردات حاسمة: «مستبعدة تمامًا نظرًا إلى أن جهاز الأمن تحت إمرته ارتكب جرائم قتل وتعذيب خارج القانون. وإذا حضر إلى السودان سيحاكم بفعل الضغوط الشعبية التي أثبتت أنها عامل مؤثر ومهم».

هذه الرواية التي أكدها مصدران على صلات وثيقة بالمجلس العسكري وقادة الحرية والتغيير، تتفق مع الرواية التي نشرتها الصحف السودانية، من أنه شوهد في أحد مقاهي القاهرة برفقة حراس شخصيين مصريين. وحسب الشهود، فإن «صلاح قوش دخل أحد المقاهي في القاهرة، وعندما حاولت مجموعة من المقيمين السودانيين تصويره خرج من المكان برفقة حراس شخصيين، وركب سيارة مرسيدس يقودها مصري، وتبعته سيارة أخرى تابعه للمرافقين».

أتاح وجود صلاح قوش في العاصمة المصرية مساحة للحركة من جديد، وإعادة تقديم نفسه بوصفه أحد الفاعلين في بلاده، الذي ما زال قادرًا على ضبط الأوضاع الداخلية، والسيطرة على الأجهزة الأمنية التي كانت تحت إمرته؛ لتتسرب أنباء عن لقاءات جمعته مع قادة الحرية والتغيير في القاهرة، برغبة من السلطات المصرية والإماراتية التي وجدت فيه خيارًا ورهانًا رابحًا في التفاعل مع الأزمة السودانية، بعدما فشل كلا البلدين في كسب نفوذ التيارات المحسوبة على الثورة، ونجاح الجانب الإثيوبي في طرح نفسه وسيطًا موثوقًا، نجح في لم كُل الأطراف المتخاصمين.

وقد نفت قوى الحرية والتغيير هذه الأخبار لاحقًا، بينما كشف مصدر أن صلاح قوش التقى بعضهم لقاء منفردًا، بعد إقناعهم بأهمية الاستماع لقوش. وقد أكد المصدر ذاته بقاء صلاح قوش إلى الآن في العاصمة المصرية، كاشفًا عن أن السلطات المصرية بالتنسيق مع الإمارات تُدرك أنه ورقة رابحة لهم في الشأن السوداني، لا ينبغي التفريط فيه بسهولة، أو التضحية به تحت ضغوط من جانب قوى الحرية والتغيير، التي تُطالب بتسليمه.

ولعل إشارة الباحثة المصرية أماني الطويل، التي تعمل مديرة للبرنامج الأفريقي بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، على صفحتها بموقع «فيسبوك» إلى أهمية حضور قوش في أي تفاوضات حول مستقبل السودان مؤشرًا على الرغبة المصرية في الدفع بقوش للواجهة من جديد.

وأوضحت الطويل في منشورها: «حينما نجح جمال عبد الناصر في الوصول إلي سدة الحكم في ٢٣ يوليو (تموز) اجتمع بآخر وزير خارجية لمصر في حكومة الوفد التي أسقطها بثورته، محمد صلاح الدين على ما أذكر. ذلك في أغسطس (آب) ١٩٥٢ كما رأيت ذلك في الوثائق. أقول ذلك بمناسبة ما أشيع عن اجتماعات مع صلاح قوش من جانب بعض رموز الحرية والتغيير. الحكم يا جماعة الخير خبرة لا يملكها من هم خارجه، وبدلًا من التعلم بالتجربة ربما يكون امتلاك الخبرة مبكرًا يجنب بعض المزالق. بالتأكيد الحرية والتغيير لن يخطط لها قوش لكن في جعبة الرجل معلومات قد تكون مفيدة، خصوصًا في الأوضاع الإقليمية».

خلافًا للإمارات ومصر التي رأت في قوش رهانًا مُفضلًا، تحاول الدفع به للواجهة بطرق غير مُباشرة، وتستضيفه على أراضيها، كانت الرياض على الجهة المُقابلة الرافضة لعودة الرجل الذي لطالما تمتع بنفوذ واسع وصلات وثيقة بحُكامها، كان المؤشر الدال على عدم ارتياح الرياض لشخص قوش، التقارير التي صدرت عن وسائل إعلام تتبع المملكة، والتي كانت تشير لقوش بوصفه «رجل الإسلاميين القوي في أضعف مراحله»، والمسؤول الأول عن التعذيب، وهو ما يُشكل دليلًا على تباين السياسة السعودية تجاه الخرطوم عن أبوظبي والقاهرة.

نقاط التفوق التي تمتع بها قوش سواء في قدرته على الخروج من البلاد دون التعرض له، فضلًا عن حضوره في تفاصيل المشهد المُقبل برغبة أطراف إقليمية، عززتها الصورة الرائجة عن صلات الرجل النافذة مع المخابرات الأمريكية. كان لهذه الصورة الرائجة أثر ظاهر في تسريب أخبار في الصحف السودانية، نقلًا عن مصادر مُطلعة حول اقتراح المخابرات الأمريكية اسم قوش ضمن أعضاء المجلس السيادي، وهو الخبر الذي انتشر سريعًا في الأوساط السياسية والإعلامية.

اكتسب الخبر مصداقية عند قطاع واسع لعلاقة صلاح قوش «الجيدة» مع المخابرات الأمريكية، بعدما تعزز خلال عهده التعاون بين المخابرات السودانية ووكالة الاستخبارات الأمريكية «سي آي إيه»، فيما يعرف بـ «مُكافحة الإرهاب»، وفي ظل الرغبة الأمريكية على مدار السنوات الماضية في أن يكون قوش خليفة للرئيس المعزول عمر البشير.

وقد نال صلاح قوش هذا النفوذ الواسع من جراء تقديمه معلومات وفيرة عن التنظيمات الإسلامية المتطرفة الجهادية في المنطقة، كما كان وراء تسليم الكثير من عناصرهم النشطة لمن يطلبونهم، دون حصول السودان على مقابل لهذا التعاون الكبير، وبخاصة ملف الإرهابي الدولي كارلوس، الذي سلمه للمخابرات الفرنسية.

لكن لم يمر على انتشار الخبر ساعات حتى سارعت أمريكا بإدراج اسمه ضمن قائمة الممنوعين من دخول البلاد؛ لتورطه في ارتكاب انتهاكات شاملة لحقوق الإنسان خلال قيادته الجهاز الذي أرعب السودانيين على مدى ثلاثة عقود، وأصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بيانًا برأت نفسها من تهمة الرهان على الرجل، قائلة: «لدينا بالتحديد معلومات تتمتع بالمصداقية بأن صلاح قوش متورط في أعمال تعذيب خلال إدارته لجهاز الأمن والمخابرات السوداني»، وأضاف البيان: «ننضم إلى الشعب السوداني في دعوته لتشكيل حكومة انتقالية يقودها مدنيون، وتختلف بشكل جذري عن نظام البشير، خاصة في ما يتعلق بحقوق الإنسان».

من جانبه، يقول خالد عطا، الصحافي المتخصص في الشأن الخارجي بصحيفة «الانتباهة» السودانية، في تصريحات لـ«ساسة بوست» إن: «تحول الموقف الأمريكي حيال قوش يشكل ضربة قاسمة لطموحاته في العودة إلى مؤسسات الحكم في الخرطوم إذ كان للرجل علاقات مميزة مع المخابرات الأمريكية عبر التعاون في ملفات الإرهاب، وتسليم بعض الشخصيات الإسلاموية والمتهمة بالإرهاب، لوكالة المخابرات الأمريكية».

ويُضيف عطا أن صلاح قوش: «ما يزال معولاً على علاقاته المتعددة بمخابرات دول إقليمية وغربية، كرافعة لأهمية وجوده في معادلة الحكم في السودان، وهذا التحول الدراماتيكي قضى على تلك الآمال… فرمال السياسة المتحركة لا تعرف السكون».

صلاح قوش.. ما يزال رجالُه نافذين في الأمن

خلافًا للأخبار الرائجة عن الرجل في الأسابيع الأخيرة؛ فمسألة احتضان العاصمة المصرية لقوش، والتواصل الإماراتي معه، مؤشر على نفوذ الرجل وأهميته الباقية بالنسبة للقاهرة وأبوظبي في رسم سياسة مستقبلية لكلا العاصمتين بالخرطوم. يتجلى هذا النفوذ الأكبر في جهاز الأمن والاستخبارات، الذي أسسه وعين فيه قيادات مُقربة منه، وما زالت فاعلة ومؤثرة في صناعة القرار.

على رأس هذه القيادات جلال الدين الشيخ الطيب، الذي أصدر المجلس العسكري قرارًا بتعيينه رئيسًا لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، وهو الرجل المعروف عنه قربه الشديد من صلاح قوش، الذي اختاره نائبًا له عند العودة لرئاسة الجهاز الأمني في عام 2018.

يوضح خالد مدى، الصحافي في صحيفة «الانتباهة» أن صلاح قوش هو من عين نائبه جلال الشيخ، الذي أحيل مؤخرًا للتقاعد، وكل رؤوساء الإدارات في الجهاز يتبعون له، كما أنه هو من أسس الجهاز بصورته الحالية، وعين فيه من يثق فيهم وفي ولائهم؛ لأنه أسهم في التغيير، والقيادات الموالية له في جهاز الأمن ما زالت تؤدي دورها السابق نفسه على أيامه، ولم يتغير سوى اسم الجهاز.

«الجارديان»: محاكمة البشير ستكون مسرحية.. وهذا ما ينتظر الثورة!

المصادر

تحميل المزيد