مؤخرًا انتشرت «غرف التحطيم» في عدد من الدول العربية؛ إذ يدخل إليها الأشخاص بأدوات حديدية لتكسير صخور ومواد أخرى، وسط تهيئة نفسية تتيحها هذه الغرفة لصاحب التجربة، وذلك بهدف تفريغ طاقته النفسية السيئة.

نستعرض في التقرير التالي تلك التجربة عبر أشخاص مروا بها، وما هي آثارها فيهم، وهل نجحت بالفعل في التخفيف من عبء الضغوط اليومية عليهم أم لا. إلى جانب ذلك؛ نحاول التعرف إلى أسباب ارتفاع حجم التوتر النفسي عند قطاع كبير من المواطنين العرب، وسعيهم بطرق مختلفة للتعامل مع هذه الإشكالية التي باتت تؤرق الكثيرين.

تجنب معركة «أنا الذي على حق».. 6 نصائح من الطب النفسي للمعارضة البناءة

فرّغ غضبك بموسيقى وخُردة ومطرق صغير

داخل غرف أسمنتية متجاورة، غير مطلية، تعزل الأصوات المُنبعثة منها، وتنتشر داخلها مواد قابلة للكسر، ونوافذ مُثبت عليها كاميرا للمراقبة، وجد البعض ضالته مؤخرًا في هذه الغرف التي يدخلها مرتديًا ملابس واقية، لتفريغ الغضب الناشئ داخلها، على إثر الضغوط اليومية التي جعلت الكثيرين في حالة نفسية تدفعهم إلى ارتياد تلك الأماكن وخوض تلك التجربة.

مرتديًا ملابس تغطي الجسم كاملًا، وحذاءً مغلقًا، إلى جانب تغطية صدره بغطاء بلاستيكي متين لحمايته من ارتداد بعض المواد، يدخل الشخص هذه الغرفة، وفي يديه قفازات لحمايتهما من أي جروح، وتعلو رأسه خوذة تتكون من قطعة بلاستيكية شفافة تغطي الوجه، وتحمي الوجه جماية تامة. يتشابه الحال كثيرًا مع أبطال فيلم «أوفيس سبيس»، الذي اتجهت الشخصيات الرئيسية فيه نحو تفريغ غضبهم بتدمير جهاز فاكس؛ إذ يتناوب الثلاثة على تدمير الفاكس ويستخدم كُل واحد وسيلة مختلفة سواء بالركل، أو بمطرقة خشبية.

وتعود بداية فكرة تأسيس غرف كهذه بهدف تفريغ الغضب إلى نحو تسع سنوات مضت، حين بدأت التجربة في كندا، وانتقلت بعد ذلك إلى دول أخرى مثل أستراليا والولايات المتحدة وسنغافورة، قبل أن تجد طريقها لبعض الدول في العالم العربي خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة. وارتفعت أعداد هذه الغرف بالدول المذكورة، ليصل عددها إلى نحو 60 غرفة في أمريكا، من بينها غرف تتسع لستة أشخاص، وتصل الفترة الزمنية لزائر الغرفة بين خمس دقائق إلى 30 دقيقة، والتي تتحدد وفقًا لاختياره.

ثم انتقلت هذه الفكرة إلى العالم العربي، وتحديدًا إلى منطقة القوز في مدينة دبي، بعدما نجح بعض المستثمرين في تأسيس واحدة من كُبرى الغرف المعروفة باسم «The smash room»، والتي وجدت إقبالًا لافتًا على زيارتها من جانب المواطنين وزائري البلد بهدف التخلص من أعبائهم النفسية. تكررت التجربة، بعد ذلك في مصر، وأخرى بدولة الأردن، في العام الجاري، بعدما أسس المهندس علاء الدين عطاري، بعضًا من هذه الغرف داخل الأردن، بمقابل مالي يصل إلى نحو 15 دينارًا للفرد، فيما تنخفض إلى 12.5 دينار، إذا كانت المجموعة المشاركة تفوق حمسة أشخاص.

ويتجه عطاري لاختيار محتويات الغرفة من من بائعي الخردة قبل أن يعمل على إعادة التخلص منها بعد التحطيم في مكبات أمانة عمّان، أو من خلال إعادة تدوير ما يُمكن، وتتنوع المواد المُستخدمة داخل هذه الغرف التي يعمل زائروها على تحطيمها، إذ تضُم زجاجًا وإلكترونيات وطابعات، والتلفزيونات، وغيرها من المواد الصلبة القابلة للتحطيم.

ويستخدم زائرو هذه الغرف وسائل متنوعة للتحطيم تشمل مضارب البيسبول الحديد، ومطارق صغيرة، ومطارق كبيرة، والفأس، والمفتاح الإنجليزي، والمفك الكبير، إلى جانب العصا الحديدية، وكذلك مضرب الكريكيت، وغيرها من الأدوات غير المألوفة في التحطيم، والتي تزيد من متعة التجربة وغرابتها. تمتزج مهمة تحطيم المواد الصلبة داخل هذه الغرف مع إذاعة بعض الأغاني التي يختارها زائر الغرفة بما يلائم حالته النفسية؛ فالبعض يختار موسيقى كلاسيكية، بينما البعض يفضل التكسير على وقع موسيقى «الروك» الصاخبة، التي تضعهم بمزاج التحطيم.

وفي الإمارات، ترتفع أعداد الإناث التي تزور هذه الغرف عن الذكور، إذ تصل نسب الزائرات من الإناث إلى نحو 75%، لأسباب يرجعها مؤسس المشروع إبراهيم أبودياك، إلى أن «العدد المرتفع من الزائرات يعود إلى قدرتهن على التعبير بشكل أكبر، لأن الرجال غالبًا ما ينظرون إلى عملية تفريغ المشاعر بوصفها نقطة ضعف».
وتُشير دراسات إلى أن نسبة تعرض النساء للإصابة بالاضطرابات النفسية الناجمة عن الضغط تبلغ نحو ضعف الرجال تقريبًا، وذلك وفق تحليلات علم الأوبئة.

واعتاد مؤسسو هذه المشاريع على جلب المواد التي تستخدم في التحطيم من المصانع، إذ يتم الحصول على الإلكترونيات المُعطلة وغير الصالحة للاستخدام من المستودعات التي تحفظ هذه المواد، كما يستقبل بعض من أصحاب هذه المشاريع عروضًا لشراء بعض المواد من أصحاب المنازل. ويتم التعاون مع أصحاب المصانع التي تعمل على إعادة تدوير هذه المواد، ويزور عادة المتخصص في تجميع المعادن هذه الغرف مرة أسبوعيًّا، ويستخرج المعادن الكبيرة، بينما الزجاج والبلاستيك يتم فرزهما خارج الغرف في مصانع متخصصة.

«ليس مرضًا حقيقيًّا».. تعرف إلى 10 من أشهر الأساطير الشائعة حول المرض النفسي

تفريغ «مؤقت» للغضب.. ووسيلة للتحريض على العنف

قبل زيارة يوسف عبد الخالق (35 عامًا، مصري الجنسية)، غرفة التحطيم المسماة «unleashed» بحي التجمع الخامس شرق القاهرة، تلقى بعض الإرشادات خارج الغرفة من جانب المُشرف العام على المشروع، يوصيه خلالها بتجنب ضربات صديقه الذي يشاركه التجربة، والتنبيه عليه بعدم خلع الخوذة البلاستيكية المُثبتة على رأسه.

مرور يوسف بضغوط عائلية متزامنة مع مشاكل في العمل دفعه لاسكتشاف هذه الغرفة، إذ قضى نحو 20 دقيقة داخل الغرفة، يُمارس تحطيم محتوياتها من تلفزيونات قديمة وأوان فخارية ومقاعد خشبية مستخدمًا مطرقة من الخشب. يوضح آثار هذه التجربة في تصريحات لـ«ساسة بوست»: «أجمل إحساس في العالم. تتخلص من كُل القيود النفسية بطرقة واحدة. يهيأ لك أن هذه الضغوط تزول». ويضيف: «هو تفريغ مؤقت للغضب، يستمر آثره يوم أو يومين؛ لكنه سرعان ما يعود الشعور من جديد بالضغوط. أستطيع القول إنها حل مؤقت وليست علاجًا دائمًا».

بينما يشرح زائر للغرفة يدعى حمزة العربي، وهو أردني الجنسية، لشبكة «يورونيوز»: «واحد من أهم الأشياء اللي عصبتني، اللي هي ضغط الواحد بيحسه بالحياة الطبيعية، من ضغط شغل، مع العيلة، مع الأصحاب، الأشياء اللي بتظلها تمشي معنا بشكل يومي بس ما بنعمل فيها شيء، بنطنشها وبنحط راسنا وبننام، بس فعليًّا هي بتظل جواتنا، بس لما جيت هون وقدرت فعليًّا إنه أفش غلي حاس حالي إنه هلق (الآن) بأقدر أروح مبسوط، بأحس حالي إني منتعش».

على خلاف المزاعم التي تروج لفكرة دور هذه الغرف في تفريغ الغضب المشحون، والتوتر الناجم عن الضغوط اليومية، يعتقد أطباء أن هذه الفكرة ما هي إلا وسيلة لتعزيز طاقة العنف في نفوس أصحابها، ولها آثار سلبية في أعضاء الجسم.

واحدة من هؤلاء هي ليلى إبراهيم شلبي، المُتخصصة في علم الطب الوقائي وإعادة تاهيل مرضى القلب، التي تنتقد في مقال لها لها بصحيفة «الشروق» المصرية «الفكرة التى تحرص على انتشار العنف تحت زعم الخلاص من الضغط النفسى؟!»، وتضيف مستنكرة: «أى نوع من الغضب هذا الذى لا يغادر نفس الإنسان إلا بالعنف والضرب والتكسير؟».

وتُضيف ليلى: «تمارين التنفس العميق والاسترخاء الذهني بأنواعه وطرقه المختلفة، وتمارين التركيز والتأمل والفلسفات الذهبية كاليوجا بممارساتها المختلفة وغيرها، كلها وسائل تحترم النفس وتقودها إلى سبع سموات من صفاء الروح وتحرير الفكر»، مؤكدة أن «سلامة الجسد والنفس قضية فيها لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر».

من جانبها، تقول ديبورا جاي كوهن، أستاذة علم الاجتماع من جامعة ساوث كارولاينا، لموقع «سي إن إن» إن غرف الغضب تكبت المشاعر الصعبة فقط، وتعطي نشوة على المدى القصير للشخص، إلا أنها تترك إحباطًا على المدى الطويل.

«إنها لا تُستورد بل من داخلنا تولد».. حيل نفسية لتجعل حياتك أكثر سعادة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد